في أول تعليق على الضربة الأمريكية للمنشآت النووية الإيرانية الثلاث، يوم 22 يونيو 2025م، أشاد رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بـ "السلام من خلال القوة"، بينما أكدت "هيئة الطاقة الذرية الإيرانية" على أن "الهجوم على هذه المنشآت يتناقض مع القانون الدولي".
في هذا المقال، سوف نتعرف على سيطرة نهج القوة بدل القانون الدولي على العلاقات الدولية في ظل الإدارة الجديدة للرئيس الأمريكي ترامب وأفعال الكيان المحتل، وعلى وضع الدول العربية ضمن هذه المعادلة.
أولاً) نهج "القوة" بدل "القانون الدولي" والتأسيس لنظام جديد للعلاقات الدولية
يُقصد بنهج "القوة"، استخدام النفوذ العسكري أو التهديد به من قوى عظمى لتحقيق أهداف سياسية أو استراتيجية. وللقوة أشكال، منها "الناعمة" التي تَعتَمد على استمالة الناس بالحجة، و"الصلبة"، التي تُستخدم في الحروب.
منذ عقود، استعملت إسرائيل القوة "الصلبة" مع الفلسطينيين، غير أبهة لقواعد القانون الإنساني الذي يوجب على دولة الاحتلال معاملة المدنيين الخاضعين لسيطرتها معاملة انسانية. وازدادت قسوتها بعد "طوفان الأقصى" باستخدامها القوة بشكل وحشي، دون أي اعتبار للقوانين الدولية. والأخطر، أن ما حدث في غزة، فتح أبواب الفوضى والإفلات من العقاب، وأظهر عدم قدرة القانون الدولي على حماية المدنيين ومحاسبة المعتدين.
ركزت الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة ترامب، على "قوة أمريكا الصلبة" فقط. إذ ارتبط اسم ترامب بنهج الضغط على الخصوم والحلفاء ليُجبرهم على تقديم التنازلات، للفوز بأكبر المكاسب. في القضية الفلسطينية، مثلًا، قدم ترامب خطة تهجير قسري لسكان غزة.
كما استخدم ترامب "القوة الصلبة" في يونية 2025م، لمساعدة إسرائيل، وأرسل المدمرات الأمريكية للمنطقة، ثم ناور بمهلة أسبوعين للتفاوض، ولوحّ بالويل ما لم تتنازل إيران عن مشروعها النووي وصفر تخصيب. غير أن رفض إيران الانصياع واشتراطها وقف الهجمات الإسرائيلية أولاً، أدى إلى شن أمريكا هجوماً مدمراً على منشآت إيران النووية الرئيسية.
أكد هذا الهجوم تبني ترامب نهج "أمريكا أولاً" الذي يُشبه خصم في حلبة ملاكمة: لا مهادنة، ضربات قاسية، ثم تقديم صفقة يصعب رفضها. هذا الأسلوب المثير للجدل سيسرع التحول نحو نظام دولي جديد، حيث حقق ترامب بالقوة، خلال دقائق ما لا تستطيع الدبلوماسية تحقيقه في سنوات، وأثبت أن استخدام القوة العسكرية، يقوض مبدأ أساسي في القانون الدولي ألا وهو احترام سيادة الدول، ويُنقص من هيبة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الذي لم يعد يُخيف المعتدي أو يُسعف الضحية، ويعزز من منطق "القوة تصنع الشرعية" بدلاً من "الشرعية تصنع القوة"، ويؤدي إلى استخدام الدول العظمى للقانون الدولي كوسيلة للضغط السياسي على خصومها، فمثلاً، اغتيال ترامب لقاسم سليماني في العراق دون الرجوع إلى الأمم المتحدة، شكّل استعراضاً للقوة خارج إطار الشرعية الدولية، وزاد من الشعور بفراغ الضمانات القانونية الدولية.
بإيجاز، أضعف اعتماد نهج القوة في العلاقات الدولية مكانة القانون الدولي كمظلة تحكم سلوك الدول، وفتح الباب أمام عالم أكثر فوضوية تحكمه المصالح لا القواعد.
ثانياً) تأثيرات "نهج القوة" على الاستقرار العالمي والشرق الأوسط
يهدف "نهج القوة" إلى منع النزاعات الكبيرة وإدارة الأزمات والحفاظ على التوازن بين القوى المختلفة في العالم. فيما يلي أبرز تأثيرات هذا النهج.
- تأثيره على الاستقرار العالمي
ساهم نهج القوة –أحياناً-في فرض "استقرار مؤقت ومحدود" على الصعيد الدولي. إذ أسقط في الحرب العالمية الثانية أنظمة فاشية وأنهى تهديداً عالمياً. ، استخدام القوة وإعلان وقف إطلاق النار، جنّبا المنطقة حرب شاملة، أو استنزاف طويل الأمد مصحوب بأزمة اقتصادية وتراجع في إمدادات الطاقة.
بالمقابل، يُفضي استخدام القوة لنتائج عكسية، إذ ساعد في كوسوفو عام 1999م، على إنهاء التطهير العرقي. وعندما جاء دور النووي الإيراني، حبس العالم أنفاسه منتظراً وقوع الكارثة، وقَدِمَت أمريكا بطائراتها الشبحية ودمرت المفاعلات النووية الإيرانية، وأعلن بعدها ترامب وقف الحرب التي دامت 12 يومًا، وبداية السلام. وبالفعل
- يتسبب في اضطرابات عميقة وصراعات طويلة، كما حدث في أفغانستان والعراق.
- ينتج عنه فراغات أمنية تؤدي لظهور جماعات متطرفة، مثل داعش بعد الغزو الأمريكي للعراق.
- يغذي النزاعات الجيوسياسية، كما في أوكرانيا.
- يساهم في ازدياد الرغبة بالتسلح النووي، فمثلاً، بعد الضربة الأمريكية، أعلنت المملكة المتّحدة أنها ستعيد تفعيل قدراتها النووية، كما أعلن زعيم كوريا الشمالية، بأنه سيضع في الخدمة مدمرة جديدة تحمل صواريخ نووية تكتيكية.
- يقوض "التعددية الدولية"، فمثلاً، أضعف انسحاب واشنطن من بعض الاتفاقيات الدولية التعاون الدولي، وجعل العلاقات الأمريكية-الأوروبية أكثر برودةً، إذ رأى ترامب أن "الولايات المتحدة لا تحتاج إلى حلفاء لكي تظل القوة العظمى في العالم".
- يُعيد تشكيل النظام الدولي، فمثلاً، شجعت سياسة ترامب الدول الأخرى على اتباع نمط أكثر استقلالية. لذلك، هناك فرصةٌ لأن تصبح أوروبا قطباً مستقلًا، علماً أن الصين حاولت لسنواتٍ إبعاد الأوروبيين عن الأمريكيين، والآن قام ترامب بالكثير من العمل نيابةً عنهم.
- تأثيره على الشرق الأوسط
تغليب نهج "القوة" على "القانون الدولي"، يترك آثاره على الشرق الأوسط. من أهم تأثيراته الإيجابية: "مكافحة الإرهاب"، إذ أضعفت القوة العسكرية من تنظيمات القاعدة وداعش. و"ردع بعض الأنظمة"، خوفاً من العقوبات أو التدخل.
أما التأثيرات السلبية لنهج القوة في الشرق الأوسط، فكثيرة، نذكر منها:
- عرّض سيادة بعض الدول العربية للانتهاك، وأدى إلى تفككها وانتشار الفوضى فيها. شهدنا ذلك في العراق، لبنان، سوريا، اليمن، وليبيا.
- شجّع التسلح والنزاعات في مناطق تعاني من هشاشة أمنية وسياسية، ونمّا الصراعات الإقليمية فيها بالوكالة، كما حدث في اليمن.
- تمت معاملة الدول بحسب قوتها، لا بحسب الحق والعدل. فأدينت دول، وأعفيت دول كبرى أو حليفة لقوى عظمى من المحاسبة. كما في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.
- أعاق التنمية الاقتصادية والاجتماعية وغيّب الاستثمارات الأجنبية، ودفع الملايين نحو الفقر والهجرة والنزوح.
- أضعف قدرة الدول العربية، على بناء تحالفات استراتيجية، وجعلها أكثر عرضة للضغوط الأجنبية.
- فاقم الطائفية فيها، مثلاً، عند غزو العراق عام (2003م) ظهر داعش.
- أعاد رسم موازين القوى، وأظهر هشاشة الخطوط الحمراء التي طالما اعُتبرت ثوابت في اللعبة الإقليمية. فمثلاً، أسفرت الضربة الأمريكية لإيران، عن تغير النظرة إلى قدرات كل الأطراف.
- أسهم في اتخاذ قرارات سياسية منفردة، كانفراد ترامب بعملية "مطرقة منتصف الليل" ضد إيران.
أي حقق نهج القوة "نتائج سريعة"، لكن لم ينتج عنه "استقرار دائم". ما يعني أن تهميش القانون الدولي لصالح نهج القوة يخدم فقط الدول القوية، ويترك الدول الأخرى في موقع الضعف والارتهان.
ثالثاً) صورة ميزان القوة والتوجهات الجديدة في الشرق الأوسط
تصور ميزان القوة الدولية والإقليمية في ظل التوجيهات الجديدة، يتطلب تحليل استراتيجيات الفاعلين الأساسيين في المنطقة. فيما يلي بيان بذلك.
- الصورة قبل حرب الـ 12 يومًا:
ظهرت توجهات جديدة في السياسة الأمريكية بقيادة ترامب تجاه الشرق الأوسط، تمثلت في عدة محاور، منها تعزيز دور حلفاء واشنطن في حفظ "الاستقرار"، وتشجيع عمليات التطبيع والتحالفات الأمنية، والانسحاب التدريجي من الانخراط العسكري المباشر في الشرق الأوسط، مع المحافظة على وجود رمزي في العراق، الخليج، وسوريا، لضبط التوازن الإقليمي.
استثمرت تل أبيب في تراجع الانخراط الأمريكي لتعزيز نفوذها، وتحولت إلى قوة إقليمية مستقلة قادرة على تنفيذ عمليات عسكرية وأمنية وسيبرانية. وتمددت استخباراتياً، وقامت باغتيالات وبثت رسائل ردع على مستوى إقليمي.
أدت هذه التحولات في توجهات أمريكا وإسرائيل، إلى تداعيات على ميزان القوى الإقليمي، من بينها: سعي إيران لفرض "معادلة الردع" بتوسيع نفوذها المضاد عبر العراق، سوريا، لبنان، واليمن. وعدول دول الخليج العربية عن التعامل مع واشنطن كضامن نهائي لأمنها، إذ فتحت قنوات مع إيران، وحافظت على خطوط سالكة مع الصين. والأهم، توسع التمدد الغير عربي (إيران، وإسرائيل، وتركيا) في الشرق الأوسط.
2) بعد حرب الـ 12 يومًا:
بعدما استطاعت أمريكا إحراز ضربة مُشِّلة للنظام الإيراني، رسخّت نفسها قوة بارزة على الخارطة الشرق أوسطية. وبدا ترامب القبطان المتمرّس بملاعبة الرياح ومفاجآتها، إذ ضاعفت كثرة المعارك شعوره بأنَّه على حق، وأنَّ القدرَ كلفه بإنقاذ بلاده ومعها العالم.... كل ذلك سيسهم في رسم ملامح حديثة لشرق أوسط جديد.
أما إسرائيل فقد شعرت أنها حققت وعدها لشعبها بالتخلص من التهديد النووي الإيراني. بينما تفاخرت إيران بقدرتها على تكبيد إسرائيل خسائر بشرية ومادية، مع أن الدّول اليوم تُقاس بما تحقّقه لشعوبِها، لا بمَا تخيفُ به الآخرين. في حين لا زالت غزة غارقة بالدماء والدمار الذي لم يسبق له مثيل.
أي أن ما يحدث في الشرق الأوسط في الوقت الراهن ليس مثالياً، بل يعكس واقع القوة، لا الطموحات، في منطقة مليئة بالمظالم والتطلعات.
رابعاً) وضع المنطقة العربية ضمن المعادلة الجديدة
تقف الدول العربية اليوم في موقع معقد داخل المعادلة الدولية الراهنة التي تعتمد نهج القوة، إذ لم تعد مجرد متلقٍ للسياسات، بل أصبح بعضها فاعلاً نسبياً في صياغة التوازنات. فيما يلي بيان بوضع الدول العربية ضمن ميزان القوة الحالي.
1) القوى العربية الكبرى:
- توزان السعودية بين علاقاتها الخارجية، وتتبنى سياسة "براغماتية" تتمثل بالتركيز على التنمية وتجنب التورط في الحروب.
- بالرغم من تطبيعّ الإمارات مع إسرائيل، تفتح خطوطاً اقتصادية مع الصين وروسيا.
- تحتفظ مصر بعلاقات جيدة مع إسرائيل وأمريكا، وتتقارب أحياناً مع روسيا والصين.
- تملك قطر تأثيراً إعلامياً يعزز مكانتها الدبلوماسية، وتحافظ على توازن علاقاتها بين إيران وأمريكا، وتلعب دور الوسيط الناجح في ملفات عدة.
2) دول ذات تأثير محدود أو محايد:
- يتخذ الأردن موقفاً حذراً تجاه التطبيع والتصعيد الإسرائيلي.
- يوازن المغرب بين الدعم الخليجي والانفتاح على إسرائيل، ولا يتورط في الصراعات المباشرة.
- تعارض الجزائر التطبيع وتتبنى موقفاً داعماً للفلسطينيين.
- تمارس سلطنة عمان دور الوسيط الهادئ، وتتجنب الاصطفاف في المحاور.
3) دول متأثرة بالصراعات:
- يسعى العراق لتقوية سيادته والتخلص من التبعية التي عانى منها طويلاً.
- تعمل سوريا جاهدة لاستعادة أمنها الداخلي، وثمة محاولات خارجية لجعلها تطبع علاقاتها مع إسرائيل.
- يأمل لبنان في تطبيق القرار الأممي 1701 الذي ينص على "حصرية السلاح" بيد الدولة وانسحاب إسرائيل من أراضيه.
- لا تزال فلسطين تعاني، ليس من قسوة إسرائيل وحسب بل أيضاً من تناحر داخلي ينذر بالأسوأ. علماً أنه لم يبقَ شيء من غزة يشكل مصدر خطر، فإزالة الركام منها سيستغرق سنوات، ومثلها إعادة الإعمار.
كل ذلك يدل على تغير المشهد في الشرق الأوسط، إذ انكسرت التوازنات السابقة وبات الجيش الإسرائيلي مسيطراً على أجواء معظم جيرانه، ويتحرك بحرية على أراضيهم. في وقت تطالب سوريا، وحماس مثلها، ولبنان أيضاً، وإيران نفسها بضمانات أميركية لليوم التالي.
خامساً) النظام الدولي الجديد وتحقيق تقارب بين الدول العربية لمواجهة الاستقطاب
للحديث عن مدى تأثير النظام الدولي الجديد، على التقارب بين الدول العربية، سنقارن الاستقطاب مع التقارب، كما يلي:
- أثر النظام الدولي الجديد على التقارب العربي
التركيز على سياسة "أمريكا أولًا"، وتقليل تحالفات أمريكا الاستراتيجية، ونهج ترامب المنسجم مع إسرائيل، سيحث الدول العربية على التقارب أو على الأقل التنسيق في القضايا الفلسطينية والأمنية. أي يمكن أن يؤدي النظام الدولي الجديد إلى نوع من التقارب العربي، ليس حباً في الوحدة، بل خوفاً من الفوضى أو الانكشاف السياسي.
2) الاستقطاب ومقارنته بالتقارب
يتزايد الاستقطاب في جميع أنحاء العالم، لكنه أسرع وأقوى من "التقارب" بين الدول العربية. يُعزى ذلك لتفاوت الأولويات بين هذه الدول، فمثلاً تركز دول الخليج العربية على الأمن والنفط وإيران، في حين تهتم دول شمال إفريقيا بالاستقرار الاقتصادي والهجرة، أما القضية الأكثر إثارة للانقسام، فهي التطبيع مع إسرائيل.
ندرك مما تقدم، أن النظام الدولي الجديد سيدفع العرب للتفكير في التقارب، لكن الانقسام البنيوي والسرعة التي يتقدم بها الاستقطاب ستجعل من التقارب مجرّد ردة فعل آنية، لا استراتيجية دائمة. لذلك، هناك سيناريوهات مستقبلية ثلاثة، وهي:
- حدوث تقارب اضطراري بين الدول العربية نتيجة الانسحاب الأمريكي التدريجي من الشرق الأوسط. ينجم عنه تعزيز التعاون الأمني بين الدول العربية، وزيادة الاستثمارات العربية في التصنيع الدفاعي المحلي.
- تعمّق الاستقطاب العربي نتيجة ضغط ترامب للتطبيع مع إسرائيل، يجعل دول الخليج تعزز تحالفاتها مع الصين وروسيا، ويحث دول شمال إفريقيا للبحث عن شراكات أوروبية بديلة... إلا أن هذا السيناريو قد ينجم عنه انهيار أي مشروع عربي مشترك، ومزيد من التشرذم.
- حدوث تصعيد إقليمي يُجبر العرب على التوحد المؤقت، لكن مثل هذا التقارب سيكون لحظياً، وسينتهي بانتهاء التهديد. كما حدث عند تحالف دول الخليج أثناء حرب الخليج عام 1990.
سادساً) التوازنات الإقليمية والدولية بعد اعتماد نهج القوة
يعتمد مستقبل التوازنات الإقليمية على مواقف الدول، فيما يلي نظرة على وضع هذه التوازنات.
- التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط أثناء ولاية ترامب الأولى (2017–2021م):
- حدث تحوّل في التحالفات الإقليمية، اتضح بأمرين، انحياز أمريكي لإسرائيل تمثّل بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري. ودعم أمريكي لدول الخليج التي اعتبرها ترامب حليفاً استراتيجياً ضد إيران.
- اشتداد العداء لإيران، اتسم ذلك بأمرين، انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي عام 2018 فزاد الاستقطاب في المنطقة بين مؤيد لواشنطن ومتمسك بإيران. وفرض عقوبات اقتصادية أضعفت الاقتصاد الإيراني، لكن دفعتها لتعزيز أنشطتها الإقليمية غير التقليدية (الميليشيات وسواها).
- تغيّر نهج التدخل العسكري الأمريكي، اتضح بأمرين، الانسحاب الأمريكي من سوريا، الذي فتح المجال أمام روسيا وتركيا لتعزيز نفوذهما. وتقليص الدور الأمريكي في العراق، الذي زاد من نفوذ الميليشيات المدعومة من إيران.
- توقيع (اتفاقات أبراهام)، بين إسرائيل وعدة دول عربية، الذي أعاد ترتيب التحالفات الإقليمية وأضعف مركزية القضية الفلسطينية.
بذلك، كانت ولاية ترامب الأولى فترة إعادة تشكيل جذرية للتوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط.
- التوازنات الدولية في ظل ولاية ترامب الثانية (بدءاً من 2025)
كشفت حرب الـ 12 يومًا قدرة إيران على توجيه ضربات مباشرة داخل العمق الإسرائيلي، ما غيّر من قواعد اللعبة الأمنية بشكل جذري. بالمقابل، أوضحت هذه الحرب أن الولايات المتحدة تؤمن فقط بالقوة العسكرية وبأنها السبيل الوحيد لتحقيق نفوذ أمريكا في الوقت الحالي. لذلك، هناك من يرى أن ترامب قام بانقلاب على الليبرالية العالمية، التي هيمنت على العلاقات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، وفي حال استمر هذا الاتجاه، قد نشهد إعادة تشكيل النظام الدولي بشكل أكثر قومية، لا سيما أن قادة أوروبا بدأوا بالتفكير في كيفية تأمين مصالحهم العسكرية دون الاعتماد على الولايات المتحدة، ما يعكس تحولاً كبيراً في التوازنات الجيوسياسية في أوروبا والعالم.
سابعاً) مستقبل الشرق الأوسط في ضوء التطورات الجديدة
لم تعد منطقة الشرق الأوسط مجرد ساحة للصراعات التقليدية، بل بؤرة لتصادم المصالح الكبرى والتفاعلات المعقدة. فإيران بالرغم من خسارتها لاستثماراتها في البرنامج النووي، ومقتل نخبة علمائها وقادتها، لم ترغب في الرد، كي لا تدخل في مواجهة مباشرة ومفتوحة مع الولايات المتحدة. بل حرصت على إغاظة ترامب بالقول بأنه وطائراته وقنابله لم يؤثروا في مُنشآتها، واعتمدت قانون مَنعَ التعامل مع الوكالة الدولية للطاقة النووية، ما يعني توجّهها نحو تطوير السلاح النووي، أو رفض التفتيش، وكلاهما يعد خرقاً صريحاً للقانون الدولي. لذلك، فإن النصر الظاهر لإسرائيل في حرب الأيام الـ 12 لا ضمانة لتأمينه.
أما إسرائيل، فبالرغم من إظهار هذه الحرب لقدراتها الاستثنائية، لكنها كشفت أن إسرائيل لا يمكن أن تذهب إلى حرب ضد إيران من دون تفاهم مع أمريكا، ولا يمكنها الخروج منها من دون دور أمريكي حاسم. ما يفيد بأن القوةّ الإسرائيلية لها حدوداً وليست مطلقة. لكن هناك قلق، من مشروع جديد يجب التنبه له، يُكرس الهيمنة الإسرائيلية، ويدعو الدول العربية للدخول فيه، من دون تغيير في السياسات الإسرائيلية ويتجاهل الثوابت السياسية العربية، مثل: التمسك بحل الدولتين، ورفض التوطين، ... ما يشير إلى غموض مستقبل المنطقة بوجود إسرائيل.
أما أمريكا، فقد أثبتت أنها تمتلك آلة حربية غير مسبوقة لا يمكن أن تُقارن بقدرات الدول الأخرى. لذلك، لا عجب أن يدعّي ترامب تحقيقه للسلام، لأنه أوقف هذه الحرب كما أوقف قبلها المواجهة العسكرية بين باكستان والهند، ما يجعله مستحقاً لـ "نوبل للسلام".
لا شك، بأن وقف أمريكا للحرب كان ضرورياً، غير أنه الجزء الأسهل، إذ المطلوب التوصل لتسوية لأزمة الملف النووي الإيراني، لضمان عدم العودة مجدداً إلى الحرب المفتوحة، وهذا هو الجزء الأصعب، لأن ترامب سيطلب السقف الأعلى، وإيران سترفض، ما يعني أن الهدنة الحالية قد تكون مجرد مهلة قبل اندلاع حرب أكبر. غير أننا سمعنا مؤخراً بأن طهران لا تزال مهتمة بالدبلوماسية، لكن لديها أسبابها للشك في إمكانية إجراء المزيد من الحوار مع أمريكا، التي قد تمنح إسرائيل الضوء الأخضر لاستهداف إيران مجدداً في حال سعت لتطور برنامجها النووي.
خلاصة
سلطت سياسات الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة الرئيس ترامب وأعمال الكيان المحتل الوحشية، الضوء على هشاشة النظام الدولي في التعامل مع أزمات الشرق الأوسط، وأظهرتا ميلاً لاستخدام القوة عوض القانون الدولي. بينما تحتاج هذه المنطقة لحلول سياسية وقانونية حاسمة لكل قضاياها، دون ترك جمر تحت الرماد، تحسباً من أن يشتعل في أي لحظة.






