array(1) { [0]=> object(stdClass)#14597 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 212

أمريكا تحول القانون الدولي من ملزم "لإرشادات اختيارية" ويصبح أداة وليس ضمانة

الأربعاء، 30 تموز/يوليو 2025

القانون الدولي هو الركيزة الأساسية التي تقوم عليها العلاقات الدولية، فهو يوفر إطارًا للتنظيم والتعاون بين الدول. ومع ذلك فإن دوره يتأثر بشكل مباشر بالديناميكيات الجيوسياسية المتغيرة وسياسات القوى الكبرى التي تشكل المشهد العالمي. ومع عودة إدارة ترامب للحكم وتصاعد التحديات الإسرائيلية لقواعد القانون الدولي، أضحى وضع القانون الدولي موضوعًا للتساؤل.

    فالإدارة الأمريكية الجديدة تسير بخطوات ثابتة لتأكيد نهج "أمريكا أولاً"، وقد يؤدي ذلك لتآكل منهجي للتعددية القانونية الدولية. لأن هذا النهج ينطوي على التشكيك في الأساس الفلسفي للمؤسسات والاتفاقيات متعددة الأطراف، واعتبار الاتفاقيات الدولية قيودًا على السيادة الأمريكية المطلقة. يضاف إلى ذلك، استمرار الإدارة الأمريكية في تقويض المؤسسات القضائية الدولية، كالمحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية، من خلال فرض الجزاءات على المسؤولين أو الجهات المتعاونة معها، لتحصين الأفراد والقوات الأمريكية وحلفائها، وعلى رأسهم إسرائيل، من أي مساءلة قانونية عن أية انتهاكات محتملة، ما يفتح الباب أمام ثقافة الإفلات من العقاب، ويزعزع أركان العدالة الدولية.

    تشكل الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة للقانون الدولي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولبنان، وسوريا، وإيران، تحديًا صارخًا لمصداقية القانون الدولي، نتيجة للدعم الأمريكي للانتهاكات الإسرائيلية، ذلك الدعم الذي يهدد بتحويل معادلة العلاقات الدولية الجديدة إلى نظام يتسم بالهشاشة وعدم اليقين، وزيادة الاستقطاب، وتأجيج الدولية. فغياب المساءلة على المستوى العالمي، وإضعاف المؤسسات القضائية، سيخلق بيئة دولية تدفع الدول إلى تفضيل القوة على القانون. ما يستلزم من الجماعة الدولية العمل معًا بكل كفاءة وفعالية لتعزيز مبادئ القانون الدولي لضمان الاستقرار والسلم العالميين في ظل هذه التحولات.

أولًا-تأثير إدارة ترامب على القانون الدولي:

    جوهر سياسة إدارة ترامب يتمحور حول مبدأ "أمريكا أولًا". هذا المبدأ، الذي يضع المصالح الوطنية الأمريكية فوق كل اعتبار، والبوصلة الرئيسية التي توجه السياسة الخارجية نحو تفضيل أحادي الجانب للمكاسب الفورية على حساب الالتزامات الاتفاقية متعددة الأطراف. وهذا النهج لا يرى في القانون الدولي إطارًا لتنظيم السلوك المشترك، بل يعتبره مجموعة من القيود المفروضة على حرية واشنطن في التصرف، وهو ما يفسر السعي الحثيث لتقويض ركائز التعددية القانونية الدولية من خلال:

(1) تقويض الالتزامات الدولية متعددة الأطراف:

    تنظر إدارة ترامب للمؤسسات الدولية، مثل الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية، والاتفاقيات متعددة الأطراف، على أنها عوائق أمام تحقيق أهدافها الوطنية. هذا التقييم السلبي يدفع نحو استراتيجيات تهدف لإضعاف هذه المنظمات؛ كالتشكيك في فعاليتها وجدواها، أو تقليل الدعم المالي والسياسي لها، أو قد يصل الأمر إلى الانسحاب الصريح منها. مثل: الانسحاب من اتفاق باريس للمناخ، ومن الاتفاق النووي الإيراني، ومن مجلس حقوق الإنسان، ومن منظمة الصحة العالمية. وهذه الأفعال تمثل رفضًا منهجيًا للمشاركة في الأنظمة التعاونية التي بُنيت على مدى عقود لضمان الاستقرار العالمي. أضف إلى ذلك، أن إدارة، ترامب، قررت وقف تمويل مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، مما أثر على عملها، حيث يشكل التمويل الأمريكي حوالي (40%) من ميزانية المفوضية، ما قد يؤدي إلى انتهاكات مباشرة لحقوق اللاجئين.

    وهذه الاستراتيجية تتعدى الانسحابات الشكلية؛ إلى إعادة تعريف طبيعة الالتزام الدولي، فعندما تنسحب قوة عظمى من اتفاقيات رئيسية، أو تهدد بذلك، فإنها ترسل رسالة قوية لبقية العالم مفادها أن القانون الدولي ليس ملزمًا بالضرورة إذا تعارض مع المصالح القومية. وهذا السلوك يزعزع ثقة الدول الأخرى في جدوى الالتزام بالمعاهدات، ويدفعها نحو تبني مواقف أكثر براغماتية أو أحادية الجانب. ما يؤثر على فعالية القانون الدولي، حيث يصبح أقل قدرة على توفير إطار موثوق به للتنبؤ بالسلوك الدولي، وهذا بدوره يزيد من حالة عدم اليقين والاضطراب في العلاقات بين الدول.

(2) العداء للمؤسسات القضائية الدولية:

    هذا التوجه في السياسة الخارجية الأمريكية لا يقتصر على مجرد الانتقاد اللفظي للمؤسسات القضائية الدولية، بل يتعداه إلى معارضة شديدة ومباشرة للمحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية. ويستند هذا الموقف العدائي إلى رؤية تعتبر هذه الهيئات تحديًا للسيادة الوطنية المطلقة، وبالتالي يسعى ترامب لتقليص صلاحياتها وتجريدها من قدرتها على إنفاذ العدالة في الساحات التي تعتبرها واشنطن حساسة، وهو ما يلقي بظلاله على مستقبل النظام القانوني الدولي بأكمله.

   اتخذت الإدارة الأمريكية إجراءات ضد هذه المنظمات كفرض جزاءات مباشرة على المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية وعدد من القضاة في المحكمة للمشاركة في إصدار قرارات في قضايا تتعلق بالأوضاع في أفغانستان وفلسطين. ومن بين الأسباب إصدار المحكمة مذكرة اعتقال أو توقيف بحق نتنياهو ويوآف جالانت في 21 نوفمبر 2024م، فقد وجهت الدائرة التمهيدية للمحكمة لهما اتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب منذ 8 أكتوبر 2023 حتى 20 مايو 2024م، على الأقل، وهو اليوم الذي قدم فيه الادعاء طلبات إصدار مذكرات الاعتقال. أكدت الدائرة على وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل وقت ارتكاب السلوك المعني، وجالانت، وزير دفاع إسرائيل وقت ارتكاب السلوك، يتحمل كل منهما المسؤولية الجنائية عن الجرائم باعتبارهما مشاركين في ارتكاب الأفعال بالاشتراك مع آخرين وهي: جريمة الحرب المتمثلة في التجويع كأسلوب من أساليب الحرب؛ والجرائم ضد الإنسانية المتمثلة في القتل والاضطهاد وغير ذلك من الأفعال اللاإنسانية. إلى جانب أنهما يتحملان المسؤولية الجنائية باعتبارهما رئيسين مدنيين عن جريمة الحرب المتمثلة في توجيه هجوم متعمد ضد المدنيين.

    كما ظهر جليًا خلال الأسابيع الأولى من ولاية ترامب الثانية، أن إدارته عازمة على تقليص التعاون مع محكمة العدل الدولية، واستخدمت خطابًا سياسيًا يُقلّل من شرعية المحكمة، وشككت في اختصاصها وحيادها، على ضوء نظر المحكمة القضايا التي تمس حلفاء واشنطن .

(3) التهديدات التي تمس السلامة الإقليمية:

     أعرب ترامب، غير مرة عن رغبته في ضم بعض الأقاليم إلى بلاده، إلى جانب فرض السيادة الإقليمية على البعض الآخر. فلقد وصف ترامب كندا بأنها "الولاية 51 المستقبلية"، وأن أمريكا "ستحصل على جرينلاند، بطريقة أو بأخرى"، وأن "قناة بنما لا تزال تابعة لأمريكا".

    هذا إلى جانب أن ترامب هدد بالاستيلاء على قطاع غزة، وإخلاء القطاع من سكانه بالقوة، لتنفيذ ما يُعرف بـ "ريفيرا الشرق الأوسط"، ونقلهم قسرًا إلى دول مجاورة. وهذا التهديد لاقى انتقادات شديدة من الجماعة الدولية، على أساس يشكل انتهاكًا صارخًا لأحكام القانون الدولي ويتعارض مع مقتضيات الإنسانية ويشكل تعديًا غير مسبوق على حقوق الشعب الفلسطيني، وإغلاق الباب أمام عودة الفلسطينيين، وإجبار الدول المجاورة على استيعاب ملايين اللاجئين. ومن ناحية أخرى، حاول ترامب أن يمهد الطريق أمام الاعتراف بالمطالبات الروسية في أوكرانيا، واستخدم هذه الورقة كمحاولة منه للضغط على أوكرانيا من أجل التوقيع على اتفاقية المعادن.

(4) الحرب التجارية:

    تعتبر الرسوم الجمركية الأمريكية الأخيرة، لا سيما المفروضة بناءً على المادة 232 من قانون توسيع التجارة لعام 1962م، تحت ذريعة الأمن القومي، تحديًا مباشرًا لأسس القانون الدولي التجاري متعدد الأطراف كما تجسدها اتفاقيات منظمة التجارة العالمية، ولا سيما اتفاقية الجات بشأن التعريفات الجمركية والتجارة. حيث تمثل هذه الرسوم خرقًا لمبدأ الدولة الأكثر رعاية، وتضعف الحظر العام على الإجراءات التمييزية أحادية الجانب في التجارة الدولية. علاوة على ذلك، تساهم هذه الرسوم في شل فعالية آلية تسوية النزاعات في منظمة التجارة العالمية، التي تعتبر حجر الزاوية في إنفاذ القانون الدولي التجاري. فمن خلال عرقلة تعيين أعضاء جدد في هيئة الاستئناف، تقوض أمريكا قدرة المنظمة على إصدار قرارات نهائية وملزمة في النزاعات التجارية. وهو ما يشكل ضربة جوهرية لسيادة القانون في التجارة الدولية، لأنه يحرم الدول المتضررة من آلية فعالة ضد الإجراءات التي تعد انتهاكًا لالتزامات الدول الأعضاء. وقد يؤدي هذا الفراغ القانوني إلى تفاقم النزاعات التجارية وتحولها من آليات تسوية النزاعات القائمة على القواعد إلى حروب تجارية قائمة على القوة الاقتصادية، وهو ما يهدد بتقسيم النظام التجاري العالمي إلى كتل إقليمية غير متوافقة. ناهيك عن أن الرسوم الجمركية الأمريكية تضعف الثقة في النظام التجاري الدولي، وتشجع على نهج أحادي الجانب في العلاقات التجارية، مما قد يدفع إلى عرقلة الجهود الدولية للتعاون الاقتصادي ويعيق الاستقرار في بيئة الأعمال.

(5) الدعم الأمريكي للانتهاكات الإسرائيلية للقانون الدولي:

    تمثل السياسات الأمريكية الداعمة للانتهاكات الإسرائيلية المتكررة للقانون الدولي تحديًا بنيويًا لمبدأ سيادة القانون الدولي ومصداقية المؤسسات متعددة الأطراف. ففي سياق الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، يتجلى هذا الدعم بشكل صارخ عبر الاستخدام المتكرر لحق (الفيتو) في مجلس الأمن. وهذه الممارسة أعاقت-وما زالت-إصدار قرارات تُدين الإجراءات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك التوسع الاستيطاني بموجب اتفاقية جنيف الرابعة. إضافة إلى أن أمريكا تغض الطرف عن المأساة الإنسانية لسكان غزة منذ اندلاع أحداث السابع من أكتوبر 2023م، نتيجة للعدوان الإسرائيلي الذي ينتهك الأعراف والمواثيق الدولية، ولا سيما اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949م، والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977م، إذ ارتكبت إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة جرائم دولية تصنف على أنها جرائم حرب وجرائم إبادة جماعية.

     والملاحظ، أن هذا الدعم لا يقتصر على الممارسات الإسرائيلية غير المشروعة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بل يشمل موقف واشنطن من العمليات العسكرية الإسرائيلية في سوريا، ولبنان، وإيران. في تحد سافر للأعراف والمواثيق الدولية. فهذه العمليات تعد، من منظور القانون الدولي، انتهاكات صارخة لمبدأ السيادة الإقليمية وحظر استخدام القوة المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة، كما جاء في ميثاق الأمم المتحدة. ومن ثم، فإن عدم إدانة أمريكا لهذه الأفعال، بل في بعض الأحيان تقديم دعم لوجستي أو استخباراتي لإسرائيل، يُفسر على أنه تواطؤ يشجع على استمرار انتهاكات القانون الدولي. في التحليل الأخير، يساهم الغطاء الأمريكي المستمر للانتهاكات الإسرائيلية في تقويض جوهر القانون الدولي كأداة لضمان الاستقرار والعدالة العالمية. والواقع، إن هذا السيناريو لا يهدد فقط بزيادة التوتر وعدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، بل يضعف أيضًا من قدرة القانون الدولي على معالجة التحديات العالمية الأخرى، ويعزز الحاجة لإعادة تقييم الالتزامات الدولية والعمل على تعزيز المساءلة الشاملة لضمان تطبيق القانون لجميع الفاعلين الدوليين.

ثانيًا-التداعيات المحتملة على القانون الدولي:

    عندما تتضافر سياسة "أمريكا أولاً"، فإن ذلك يؤدي إلى تداعيات خطيرة ومتعددة الأوجه على النظام الدولي برمته. هذه التداعيات لا تقتصر على منطقة جغرافية معينة أو قضية واحدة، بل تمتد لتشمل البنية الأساسية للعلاقات الدولية، وتهدد بتقويض ركائز السلم والأمن العالميين.

    الدعم الأمريكي، للسياسات الإسرائيلية التي تخالف القانون الدولي يعد ضربة مباشرة لمفهوم النظام الدولي. وهذا الدعم لا يضفي شرعية على الانتهاكات فحسب، بل يزعزع ثقة الدول الأخرى في مصداقية القانون الدولي وفعاليته. ولهذا قد يتحول القانون الدولي من إطار ملزم إلى مجموعة من "الإرشادات الاختيارية" التي يمكن للدول القوية تجاهلها متى تعارضت مع مصالحها. ويصبح القانون-مجرد أداة بيد القوى الكبرى، وليس ضمانة للعدالة والمساواة. وتتبدد بذلك الفكرة الأساسية التي تقوم عليها الأمم المتحدة، وهي أن جميع الدول، كبيرها وصغيرها، تخضع لنفس القواعد والمعايير. وقد يقود إلى بيئة دولية أكثر فوضوية، حيث تتزايد النزاعات الدولية، ويصبح التعاون الدولي أمرًا في غاية الصعوبة.

     وعلى نحو مماثل، فإن هذا النهج قد يعزز من ثقافة الإفلات من العقاب، باستخدام (الفيتو) لمنع قرارات تدين دولة معنية، أو فرض عقوبات على المحاكم الدولية. فهذه الظاهرة لا تشجع فقط إسرائيل على مواصلة انتهاكاتها، بل تبعث برسالة قوية لدول أخرى مفادها أن الالتزام بالقانون الدولي ليس ضروريًا إذا كان هناك دعم سياسي كافٍ من قوة كبرى. ما يشجع على عدم الامتثال للقواعد القانونية الدولية، ويجعل من الصعب تحقيق العدالة. كما أنه يؤدي إلى بروز "معيارين" للعدالة: أحدهما يطبق على الدول القوية وحلفائها، والآخر يطبق على بقية دول العالم. كما يؤدي الفشل في تطبيق القانون الدولي بشكل عادل ومتساوٍ إلى تأجيج الاستقطاب الدولي والإقليمي، ويزيد من التوترات في مناطق النزاع. ويمكن أن يؤدي هذا الاستقطاب إلى تشكيل تحالفات جديدة غير تقليدية، وزيادة غير مسبوقة في سباق التسلح، وتأجيج النزاعات القائمة أو اندلاع نزاعات جديدة. ومن هنا، فقد تلجأ الدول إلى الحلول الأحادية أو استخدام القوة لتحقيق مصالحها. إذ عندما تتراجع مكانة القانون الدولي، تصبح القوة هي الوسيلة الوحيدة لتسوية النزاعات الدولية، مما يؤدي إلى مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار في المشهد الدولي.

    أخيرًا، فإن تراجع الثقة في القانون الدولي يؤدي لتراجع التعاون الدولي. فقد تتبنى الدول نهجًا أكثر تحفظًا، أو تضع مصالحها الوطنية فوق المصلحة العالمية المشتركة، بما يعيق التقدم في القضايا التي تتطلب تضافر الجهود الدولية. فالتعاون الدولي في مواجهة التحديات العالمية المشتركة، مثل تغير المناخ، ومكافحة الإرهاب، واحتواء الأوبئة، والأمن السيبراني، يعتمد على الثقة في القانون الدولي والمؤسسات متعددة الأطراف. ومع ذلك، إذا تآكلت هذه الثقة، فسيصبح من الصعب على المجتمع الدولي التكاتف لمواجهة هذه التحديات بفعالية. وهذا ينذر بعواقب وخيمة ليس فقط على القانون الدولي، بل على النظام الدولي بأكمله.

خاتمة:

    التوجهات العدائية لإدارة ترامب والانتهاكات الإسرائيلية للقانون الدولي تمثل تحديًا وجوديًا غير مسبوق في إطار "معادلة العلاقات الدولية الجديدة". وتمس جوهر القانون الدولي برمته، وتهدد بتقويض المبادئ التي قامت عليها العلاقات الدولية منذ منتصف القرن العشرين. فالتهديد الأكبر للقانون الدولي ينبع من خطر تحويل النظام الدولي من كونه نظامًا قائمًا على القواعد لنظام تحركه المصالح الضيقة والقوة، مما يقلل من قيمة وأهمية المعاهدات والقرارات الدولية، ويشجع على الأحادية في اتخاذ القرار، ويفتح الباب لتطبيق "قانون الغاب"، حيث تفرض القوى الكبرى إرادتها دون اعتبار للمبادئ القانونية المشتركة.

    ولمواجهة هذه التحديات يجب على أعضاء الجماعة الدولية تعزيز التزامهم بالقواعد القانونية الدولية وتطبيقها دون تمييز، وإعلاء المصلحة الجماعية فوق مصالح فرادى الدول، وذلك من أجل مقاومة الضغوط السياسية والاقتصادية التي قد تمارسها أمريكا، والتمسك بالمبادئ التي تشكل أساس النظام العالمي. إلى جانب العمل على زيادة قوة وفعالية المنظمات الدولية وآليات فض النزاعات، من خلال العمل على إصلاح وتعزيز مجلس الأمن الدولي، سواء بتوسيع نطاق العضوية فيه، أو إصلاح نظام التصويت لمواجهة معضلة الإسراف في استعمال الفيتو من الدول الخمس دائمة العضوية، وتوفير الدعم السياسي والمالي اللازم للمحاكم الدولية لضمان قدرتها على أداء مهامها باستقلالية وحيادية. ويجب العمل على تفعيل الدبلوماسية متعددة الأطراف والتحالفات الدولية لمواجهة الضغوط الأمريكية، من خلال السعي لتشكيل مجموعة من التحالفات القوية المبنية على الالتزام المشترك بالقانون الدولي في المحافل الدولية المختلفة.

مقالات لنفس الكاتب