array(1) { [0]=> object(stdClass)#14314 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 212

تطورت العلاقات الدولية نحو الأفضل لكن بمحدودية وتناقصت "الغابية" دون اندثارها

الأربعاء، 30 تموز/يوليو 2025

      هناك "مدخلًا" مبسطًا، لقياس مدى قوة الدول، قياسًا تقريبيًا. واليوم، نستخدم نفس المقياس التقريبي، لنرى مدى تغير العلاقات الدولية الراهنة، وتصاعد استخدام القوة الغاشمة، لتحقيق أهداف الدول. فـ"القوة" (Power) هي وقود العلاقات الدولية، إن صح التعبير. بل أن العلاقات الدولية برمتها، هي: صراع من أجل القوة.

     ومعروف، أن "الدولة" -أي دولة-تعرف بأنها عبارة عن: مجموعة كبيرة من السكان، يقيمون -بصفة دائمة-على إقليم معين من الأرض، وتنظم أمورهم العامة حكومة ذات سيادة. وأي دولة تعنى وجود كيان ذي قوة.  وتظل "قوة " أي دولة -"الخشنة"، أو الصلبة، أو الأساسية متركزة أساسًا في "العناصر" الستة التالية: -1 – نوعية وكم السكان، 2 – الموقع الجغرافي والواقع الطوبوغرافي، 3 – الموارد الطبيعية، 4-قدرات السكان التقنية والصناعية، 5 – الإمكانات العسكرية ... إضافة إلى أهم هذه العناصر، وهو: 6-نوعية نظام حكمها وإدارتها (النظام السياسي) ومدى استقراره وجودته. وعند محاولة "قياس" مدى قوة أي دولة، على الساحة الدولية (نسبة لأقرانها المعاصرين) تؤخذ هذه العناصر الستة في الحسبان الأول، أساسًا وأصلًا... باعتبارها تكون (مجتمعة) ما يسمى بـ "القوة الخشنة" للدولة، أو قوتها الصلبة أو المادية، الأساسية.

                                ****

      بالإضافة إلى ذلك، هناك أيضًا "عناصر" هامــــة متفرعـــة أخـــرى لـ "القوة"... وإن كانت أقل أهمية، من عناصر القوة الصلبة المذكورة أعلاه. فبالإضافة إلى "القوة الخشنة"، هناك "قوى" أخرى، أهمها: "القوة الناعمة": وهي: اصطلاح سياسي، يستعمل الآن للإشارة إلى أن لأي دولة قوة معنوية وروحية... تتجسد فيما تطرحه وتقدمه من قيم وعقائد ومبادئ وأساليب إنسانية حضارية، وثقافة وأدب وعلم وفن، ومساعدات اقتصادية وإنسانية واجتماعية، لغيرها.... تلقى من قبل الآخرين الرضا والاستحسان والتقدير، ومن ثم الدعم والتأييد، لمصادرها. إضافة إلى مدى التزامها بحقوق الإنسان الأساسية، ومدى تطبيقها بخاصة لما يسمى بـ "المبادئ الخمسة المبجلة إنسانيًا وعالميًا"، والتي تعتبر، في ذات الوقت، حقوقًا أساسية للإنسان، وهي: الحرية والعدالة والمساواة، والديمقراطية (الشورى)، والتكافل الاجتماعي ... وغير ذلك. 

                                             ****

   وتعرف "حقوق الإنسان" بأنها: مجموعة الحقوق الطبيعية التي يمتلكها الإنسان بوصفه إنسانًا، واللصيقة بطبيعته، الملازمة له، مهما حيل بينه وبين التمتع بها. وما أعطى حقوق الإنسان هذه الأهمية التي تحظى بها في كل العالم الآن، هو وضعها في أنظمة وقوانين محلية ودولية ملزمة، مستندة لمواثيق واتفاقيات ومنظمات داعمة لها بإخلاص. وقد سنت الأمم المتحدة معظم القوانين الدولية التي تقر هذه الحقوق، وتكفل حمايتها، انطلاقًا من كون هذه المنظمة هي الإدارة العالمية التي تعمل لخدمة كل البشرية، والمحافظة على الأمن والسلم الدوليين. وقد ورد ذكر حقوق الإنسان في سبعة مواضع من ميثاق الأمم المتحدة، الذي يعتبر دستور العالم والعلاقات فيما بين دوله المعاصــرة. وأصدرت الأمم المتحدة يوم 10 / 12 / 1948م، ما يعرف بـ "الاعلان العالمي لحقوق الإنسان"، الذي صاغته لجنة حقوق الإنسان بالمنظمة، والذي تبنته كل الدول الأعضاء في هذه المنظمة. وقد اقتبست معظم دساتير دول العالم الكثير من أحكام هذا الإعلان. كما أبرمت عدة مواثيق ومعاهدات، تتضمن الاعتراف الفعلي بحقوق الإنسان هذه بكل تفاصيلها، وضرورة احترامها.    

     ويمكن أن نضيف إلى القوتين الصلبة والناعمة: التأييد الدولي: المستمد من صداقات وتحالفات دولية معينة، أو يمكن تعيينها، معلنة أو سرية. فقد توجد في بعض الحالات (مثلا) دولة تصنف "صغيرة" على سلم القوة الدولية، ولكنها تحوز، في تلك الحالات، قوة ونفوذ الدولة "الكبيرة". وذلك بفضل قوتها الذاتية، وبفضل مساندة ودعم دولي من قوى دولية كبرى. ولكن، يمكن إدراج هذه القوة ضمن قوة الدولة الناعمة.

                                            ****

                                         

    إن أهم ما يحدد وضع (ومكانة) أي دولة – في الوقت الحاضر – على الساحة الدولية، هو: مدى قوتها، بدءًا أولًا: بعناصر "القوة الصلبة"، ثم القوة الناعمة. ويظل لـ "القوة الناعمة" تأثير كاسح... يضارع أحيانًا، وفى بعض الحالات، أثر وتأثير القوة الخشنة، وغيرها. ولا تكتمل قوة أي دولة، ويستتب وضعها على الساحة الدولية (على أي حال) إلا بتوفر قدر (معقول) من "القوة"، بأنواعها وعناصرها المختلفة، وبشقيها المادي (الخشن) والمعنوي (الناعم). ويمكن، في الواقع، اعتبار أن: تأييد (ورضا) الناس والرأي العام عن أي دولة – فيما يتعلق بعناصر قوتها-يعطي الدولة قبولًا ونفوذًا .... بينما سخط (ومعارضة) الناس والرأي العام، على دولة ما معينة في هذا الشأن، ينقص من قدرها، ويهز مكانتها، ويضعف موقفها...لهذا، فإن على الدولة التي تريد حقًا حماية وتنمية "مكانتها"، أن تحمى وتنمى قوتها الصلبة، والناعمة كذلك، وتحاول جهدها الحصول على أكبر قدر ممكن من التأييد الدولي الإيجابي، وأن تتجنب العداوات، بأنواعها.

                                            ****

     وبناء على مدى قوتها (في العناصر الستة، المشار إليها، إضافة إلى ما لديها من قوة ناعمة) تصنف الدول على "سلم القوة الدولية" تنازليًا (حسب الأهمية) إلى سبع فئات، هي كالتالي: 1 – الدولة العظمى (القطب/ Superpower) 2 – الدولة الكبرى، 3 -الدولة الكبيرة، 4 – الدولة المتوسطة، 5 -الدولة الصغيرة، 6 – الدولة الصغرى، 7 – الدويلة.  وبحيث يمكن تحديد "مكانة" كل دولة في العالم، في تاريخ محدد، على هــذا الأساس. فمدى القوة متغير، من وقت لآخر، ومن حالة لأخرى.

     ولا شك أن "نفوذ" أي دولة، ومدى قدرتها على تحقيق أهداف سياساتها، يعتمد على: مدى قوتها، وموقعها على "سلم القوة الدولية".  فكلما علا هذا الموقع، كانت القدرة أكبر، والعكس صحيح.  ودائمًا ما يكون للدولة العظمى النفوذ الأقوى، والتأثير الأوسع في مجريات العلاقات الدولية في وقتها. ويكون للدولة الكبرى قدرة أكبر من قدرة الدولة الكبيرة، وأقل من قدرة الدولة العظمى، وهكذا.

     وهذا يؤكد أن الدول "تتفاوت" في مدى قوتها، في ظل قانون الغاب الذي يحكم معظم العلاقات الدولية. وهذا التفاوت تترتب عليه نتائج هامة، دون شك، ويختلف من وقت لآخر، ومن حالة لأخرى، سواء فيما بين دول العالم، أو بالنسبة للدولة الواحدة المعنية. وإن سلمنا بأن العلاقات الدولية هي "صراع وسعي الدول من أجل القوة"، يصبح هذا التفاوت في قوة الدول، وما يترتب عليه، في ساحة العلاقات الدولية، أمرًا طبيعيًا، ومتوقعًا، وذي تبعات هامة. كما أن "تحليل عناصر قوة الدولة" يمكن أن يكون مدخلًا منطقيًا لدراسة الوضع العام لدولة ما معينة، أو لتكتل دولي معين، كما سوف نرى أدناه.

                                         ****

     يلزم "تطبيق" هذا المدخل العلمي المبسط لمعرفة وتحديد مدى قوة أي دولة، وتتبع تطور استخدام القوة، في الوقت الحاضر، إجراء بحث ميداني ومكتبي موسع، لـ "قياس" درجة كل عنصر من عناصر القوة الخشنة (تقريبيا) في الدولة المعنية، وكذلك عناصر القوة الناعمة، التي تتسم بها، وتمتلكها، ومحاولة معرفة مدى توفر كل من هذه العناصر، فيها. وفي حالة محاولة قياس مدى قوة تكتل دولي معين، كمنظمة "جامعة الدول العربية" (مثلا) يمكن "جمع" كل قوى الدول الأعضاء (الخشنة والناعمة) في هذه المنظمة معًا، لمعرفة وتحديد مدى قوة هذا الكيان المسمى بـ "جامعة الدول العربية"، على الساحة الدولية، والذي هو الآن عبارة عن منظمة دولية حكومية إقليمية شاملة، أو، بكلمات أخرى، اتحادًا "كونفدراليًا" هشًا.

   وليت مراكز البحث العلمي بدولنا الخليجية والعربية تقوم بمثل هذا البحث، من وقت لآخر...بهدف: معرفة الـ "القوة" التقريبية لهذه الدول، متفرقة، ومجتمعة، وسبل دعم هذه القوة، وتطويرها، كمًا وكيفًا. فهذا الموضوع يستحق المزيد من الاهتمام

    وتعتبر البلاد العربية من أقدم بلاد العالم، وبها تراث ثقافي وحضاري هائل، يمكن أن يجعل منها إحدى قبلات السياحة العالمية الراقية. كما تحظى بتوفر موارد طبيعية هائلة في أرضها الشاسعة، التي تحفل بتنوع مناخي وبيئي فريد، ومتميز. وتتضمن خطط التنمية الكبرى بالبلاد المستقرة منها، استغلال هذه الموارد، ودعم التقدم العلمي والثقافي الشامل بها. إضافة إلى العمل الدؤوب لتنويع مصادر الدخل، ودعم الاستثمار في كل المجالات. الأمر الذي يتوقع أن ينعكس بالإيجاب على الحياة العامة للبلاد العربية المستقرة، ويزيد من مدى قوتها، ويرفع من مكانتها أكثر بين دول العالم. 

                                           ****                                

          ومعروف أن "الاختلاف" بين الناس هو أحد سنن الكون الثابتة. كل البشر بشرًا، تجمع بينهم خصائص عامة مشتركة.  ولكن كل منهم مختلف عن الآخر، قليلًا، أو كثيرًا، وله "خصوصية" معينة، أو يمكن تعيينها. كذلك "الجماعات"، و "الدول"، و"الأمم" (الحضارات) المختلفة. فالإنسان يتجسد في عدة صور (Forms)، من أهمها: الفرد، الجماعة، الحزب، التنظيم، الدولة، الأمة... الخ. ويتشابه سلوك كل من هذه الصور، سواء كان سياسيًا، أو غيره، نتيجة هيمنة العنصر الإنساني في كل صورة. إن من أهم نتائج هذا "الاختلاف" هي: تنوع الحضارات واختلافها عن بعضها. كلها حضارات إنسانية … ولكن كل منها مختلف (ماديًا ومعنويًا وقيميًا) عن الآخر، وله خصوصيته، كما للفرد. ومعروف، أنه ينتج غالبًا عن تشابه المصالح والقيم، بين البشر (بأي صورة تجسدوا) تحاب وتعاون، وعن اختلافهم تنافر وصراع.

   لذا، تلعب "القوة"، بمعناها الشامل الدور الأكبر في حياة غالبية الناس. وغالبًا ما تحسم القوة هذه الصراع. فـ"القوة" هي الغاية والوسيلة لدى أغلب البشر، وخاصة من اقتربوا من مجال السياسة.

   ويمكن تقسيم دور القوة في العمل، والتسلط السياسي لمرحلتين: مرحلة ما قبل الثورة الفرنسية، ومرحلة ما بعدها. وأعتقد أن ما قاله ابن خلدون عن أصل الدولة-أي دولة-يلخص لنا دور القوة (أو "العصبية"). تعني "العصبية" – في رأيه – التلاحم والمناصرة، وميل الأفراد لأقاربهم وعشائرهم، ووقوف الفرد مع أهله وأسرته، ضد من يريد إلحاق الضرر بهم. وتحزب ذوي العصبية الواحدة وتكاتفهم، مع بعضهم البعض، ومحاولة ظهورهم ككيان واحد... في مواجهة الآخرين. ويرى أن " التعصب" للأهل، أو لبني العشيرة الواحدة، هو أمر غريزي في البشر. وينشأ أيضاً عن طريق الولاء والحلف... وهما يعنيان دخول فرد أو جماعة ما في معاهدة مناصرة مع جماعة أخرى. ويقول: بأن العبرة بانتماء الفرد لجماعة ما، إنما هي في: "جريان أحكامهم وأحوالهم عليه".

                                           ****

   ويرجع ابن خلدون قيام أي دولة إلى ضرورة العيش المشترك، التي يحتاجها الناس. فالإنسان مدني بطبعه. والدولة – في رأيه – تقوم على العصبية، ومدى قوتها.  فبما أن لكل عصبية أو وحدة بشرية عزوة (قوة)، فإن هناك بالضرورة فرعًا أقوى (نسبيًا) من غيره من الفروع. والرئاسة (أو الحكم) إنما تكون بالغلبة أو القوة. لذلك، فإن العصبية الأقوى هي التي تسود. والرئاسة – في عصبية ما – تكون– في رأيه – للفرع الأقوى، من أبناء تلك العصبية.  فإن ضعف، تنتقل الرئاسة للعصبية الأقوى حينها، وهكذا. ويرى أن الغاية الكبرى التي تسعى إليها العصبية الواحدة، هي الملك، أو الحكم. وتمكنها من ذلك يدعم الأمن، ويمنع الفوضى. عبر دورة القوة.

                                              ****

   وعندما تحارب عصبية ما أخرى، فإن نتيجة المنازلة تحدد مدى نفوذ كل عصبية. فإن لم تتغلب العصبية الأولى على الثانية، ولا الثانية على الأولى، كان لكل منهما منطقة نفوذه، التي يمتد عليها حكمه. أما إن انتصرت أحداهما على الأخرى، فعند ذلك تنصهر العصبية المهزومة في العصبية الغالبة، لتصبحا معًا جماعة واحدة. وقال إن الدولة إذا قامت، واستتبت، فإنها قد تستغني عن العصبية بالتدرج. وذلك بسبب أن الناس لا ينقادون للدولة – في رأيه – في بداية نشأتها، إلا بالقوة... فلما تستقر لها الرئاسة، ويتوالى حكامها، واحدًا بعد الآخر، قد ينقاد الناس – في رأيه – طائعين، لحكومتهم، دون حاجة كبيرة، إلى قوة. وبين أن حجم الدولة ومساحتها، إنما يعتمد على حجم العصبية الحاكمة (القوة)، ومدى نفوذها. وفي كل الأحوال، فإن "عمر" أي دولة هو مئة وعشرون عامًا؟!

                                            ****

     وهكذا، نرى أن ابن خلدون يرجع قيام النظم السياسية، إلى القوة ... فالعصبية الأقوى تسيطر، (وتحكم)... ويزول حكمها عندما تضعف... حيث تحل محلها عصبية أقوى، وهكذا.  كما أن الدول الأقوى (أو العصبيات الأقوى) تلغي الضعيفة، وتلحقها (كأجزاء) بالدول الأقوى.

      وهنا، حاول توضيح طبيعة السياسة داخل المجتمعات (الدول) الواحدة. وكذلك طبيعة العلاقة (الدولية) بين الأقوى والأضعف، على المستوى الدولي.  وقد توصل ابن خلدون لهذا الرأي من ملاحظته العلمية (الثاقبة) لما كان يجري (سياسيًا) في زمنه، والزمن الذي قبله (آخر العصور القديمة، ومعظم العصور الوسطى).  وكان معظم ما يجري سياسيًا في ذلك الزمن، يؤيد ما ذهب إليه... خاصة في المنطقة العربية.

                                         ****

   أما مرحلة ما بعد الثورة الفرنسية، فيمكن القول إن دور وتأثير "القوة" استمر كما هو منذ الأزل. ولكن معظم دول العالم الآن قد أخذت بآلية "الانتخاب"، والنيابة، لتداول السلطة سلمًا، ومن وقت محدد لآخر.  بدأ العالم بالنوع الأقدم الذي يستخدم القوة بالأسلوب الذي لاحظه ابن خلدون. حيث كان الديكتاتور مقدسًا ويدعي الألوهية … ويقدم نفسه كإله يعبد. ثم في مرحلة لاحقة أعتبر المستبد " وكيلاً " من الآلهة لحكم الناس .. الخ. وقد عانى البشر الكثير، بسب بطش واستبداد وظلم أغلب المستبدين بهم، وتكريس الحكم للمصالح الخاصة للحكام. وهنا بدأ المفكرون السياسيون في التفكير في بديل لـ " الاستبداد".  فكان أن اكتشفوا "الديمقراطية " التي يعتبر البعض اكتشافها، وبلورتها فكرياً أولًا وعمليًا ثانيًا، مثل اكتشاف "العجــــلة " ...؟!

      ظهر هذا الاكتشاف السياسي في الفكر منذ حوالي 2550 سنة. وبدأ في تطبيقه فجأة في دول اليونان القديمة عام 500 ق.  م– تقريباً.  ثم اختفى من اليونان بعد سنوات قليلة، وزوال دول الإغريق القديمة. ولكنه أستمر في الفكر والكتب، وفى أذهان وتحليلات مفكري السياسة، خاصة في عصر النهضة بأوروبا. ثم وضع موضع التنفيذ والتطبيق في القرن الثامن عشر الميلادي –من قبل الثورة الفرنسية (1789م). ومن فرنسا وبريطانيا اقتبسته أوروبا، ومن أوروبا اقتبسته بقية بلاد العالم. علماً بأن كل دولة تأخذ بجوهر هذا النوع من الحكومات، وتكيف التفاصيل بما يتلاءم وظروفها وخصائصها وأحوالها. فلا يوجد في العالم نظامان سياسيان متطابقان، أو متماثلان تمامًا. وقد أصبح لـ "الناخب" قوة، يمنحها للمرشح الذي ينال استحسانه.

    والآن، نجد أن أكثر من ثلاثة أرباع دول العالم قد تبنت هذا النوع. يقول بعض علماء السياسة أنه النوع الذي يضمن الاستقرار السياسي على المدى الطويل.  ولكنه لا يصلح في الحالات الثلاث، التي حصرها المفكر السياسي الإيطالي "ميكافيللى"، وهي: إنشاء دولة من عدم، إنقاذ دولة من انهيار وشيك، وإصلاح دولة فاسدة جدًا. ففي كل من هذه الحالات يكون

النوع المعتمد على القوة المباشرة هو نوع الحكم الأنسب.

                                       ****

        إن الدارس والمتأمل المتعمق للعلاقات الدولية تلفت نظره – ولا شك – الكثير جدًا من "خصائص" وظواهر هذه العلاقات، على مر العصور، ومن ذلك ما ينتج عنها من "مظالم" شتى، تلحق بملايين الناس. وكون قانون الغاب هو الذي يحكم العلاقات الدولية. ويمكنه أن يعقد "مقارنات".... بين "مراحل" زمنية مختلفة معينة، مرت بها طبيعة هذه العلاقات، منذ أن وجدت "الدول"، وحتى الوقت الحاضر.  والثابت، أن البشر استغرقوا وقتًا طويلًا جدًا، في سبيل "التحضر".... والانتقال من الحياة "الوحشية" (حياة ما يشبه الغاب) إلى الحياة المستقرة، والمتمدنة، والعصرية، وتداول السلطة سلمًا. وقد تطلب ذلك مئات آلاف السنين.... لينتقل الإنسان من عصر الكهوف والالتقاط، إلى عصر الاستقرار، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، وعصر ناطحات السحاب والطائرات النفاثة، والإنترنت، وتخصيب اليورانيوم، والصواريخ العابرة للقارات.... الخ.

    وشهد تحول ميدان العلاقات الدولية، تحول الإنسان من "فوضى" كاملة .... حيث لا رقيب ولا حسيب، ولا مرجعية عليا، وكل يعمل ما يشاء، وما تتيح له قدرته عمله، دون أدنى محاسبة، أو حتى استنكار -إلى عصر "ميثاق الأمم المتحدة"، وبقية قوانين "الشرعية الدولية" والمنظمات المعروفة، والتي يسخر منها البعض، خاصة أولئك الذين يعايشون مظالم دولية معروفة.

   وكثيرًا ما يطرح البعض– وخاصة المهتمين بسير هذه العلاقات، ومتابعتها، وما يجري على ساحتها، من "عجائب" – كما يرى البعض – "وحقائق" – كما يرى البعض الآخر. لقد تطورت طبيعة "العلاقات الدولية" (منذ الماضي حتى الآن) نحو الأحسن والأفضل – من الناحيتين الموضوعية والإنسانية، ولكنه تطور محدود. إنه تناقص في "الغابية"، وليس اندثارًا لها.

 

مقالات لنفس الكاتب