لم تكن سيطرة منطق القوة على العلاقات الدولية واضحة في التاريخ العالمي بمثل ما هي واضحة في النظام الدولي الراهن، وإذا كانت مؤشرات هيمنة القوة على الصعيد العالمي تتضح في: سياسات إدارة الرئيس ترامب، والحرب الروسية - الأوكرانية، والتعريفات التجارية الأمريكية على دول العالم، والتوجهات الإمبريالية لترامب في الجوار(كندا، بنما، المكسيك، جرينلاند ومملكة الدنمارك)، والطريقة الاستعلائية التي تظهر خلال استقبال ترامب لنظرائه من رؤساء الدول والتي يغيب عنها البروتوكول والأعراف الدبلوماسية، فإن تجليات تلك الهيمنة، لم تتضح في إحدى مناطق العالم، بمثل وضوحها في منطقة الشرق الأوسط، على نحو ما تعكسه الحروب التي تخوضها حكومة اليمين المتطرفة في إسرائيل.
كان توظيف القوة العسكرية في تاريخ العالم القديم والحديث يرتدي أقنعة أخلاقية تروج للهدف والمبرر السياسي، كما كان يتوارى خلف ستار سياسي وإنساني حتى ولو كان زائفًا، لكن الممارسات التي ارتكبتها إسرائيل في دول ومناطق جوارها وضد إيران، عكست توظيف القوة العسكرية دون أي مبرر أخلاقي أو ستار إنساني. صب
أولًا: سيطرة القوة على العلاقات الدولية
تبدو مؤشرات سيطرة القوة على العلاقات الدولية في ظل إدارة ترامب كثيرة؛ حيث يفرض نمط إدارة الرئيس الأمريكي على العالم مسارًا جديدًا في العلاقات الدولية، له عدة مؤشرات تتمثل في إعلاء لغة القوة، وتفضيل الخطاب الخشن على لغة الدبلوماسية، وعدم احترام بروتوكول العلاقات بين دول متناظرة ومتساوية، ويتضح كل ذلك في الممارسات وفي الشكل.
ففي الشكل يتجاوز ترامب وفريقه الرئاسي قواعد الدبلوماسية والبروتوكول عبر طريقته في التعامل مع رؤساء الدول؛ حين يحرص على استقبال الزعماء في غرفة الاستقبال بالبيت الأبيض، ثم يمارس التفاوض معهم في العلن وأمام الكاميرات حول أخص القضايا والصفقات، ويحرجهم بتصريحاته أمام شعوبهم والعالم، على نحو يعكس قدرًا من الاستخفاف.
في لقائه مع الرئيس الأوكراني زيلينسكي غابت قواعد الدبلوماسية والبروتوكول، وتكرر الأمر خلال لقائه مع رئيس جنوب إفريقيا. وخلال لقائه مع قادة مجموعة من الدول الإفريقية حرص على التقليل من شأنهم وطالبهم بتعريف أنفسهم والاختصار في الحديث، وأخذ صورة لهم وهو جالس في مكتبه، وهم واقفون حوله كأنهم أعضاء في فريقه الرئاسي أو موظفون في البيت الأبيض. في مختلف هذه اللقاءات حرص الرئيس على حضور نائبه جي دي فانس وبعض وزرائه خصوصًا وزيري الخارجية والدفاع، وهم يجلسون على يسار الرئيس كأنهم يعقدون مجلس محاكمة للرئيس الضيف، وأحيانًا يتدخل بعضهم في الحوار ليقول شيئًا ضد الرئيس الزائر، وأسئلة الإعلاميين موجهة للرئيس الأمريكي وحده تقريبًا أو بنسبة 95%، في تجاهل تام لضيفه، وتتركز الأسئلة حول قضايا السياسة الداخلية الأمريكية، على نحو يجعل الضيف يشعر بقدر من التهميش.
في المضمون والممارسات، يتضح توظيف القوة في العلاقات الأمريكية من جانب ترامب منذ اليوم الأول له في الإدارة من فرض الرسوم والتعريفات الجمركية على مختلف دول العالم، واعتبار حجم الصفقات ومقدار المصالح المادية التي تحرزها بلاده مع دولة أو أخرى هي المعيار الأهم لإدارة العلاقات الأمريكية بالخارج وتصنيف خريطة الأصدقاء والحلفاء وفقًا لمعيار المصلحة الأمريكية، وليس بالضرورة مصلحة الدولة المقابلة. ووفق موازين القوى تستطيع دولة -أو لا تستطيع-الحصول على صفقات متوازنة مع أمريكا، وبمقدار اختلال القوة بمقدار ما تتمكن واشنطن من فرض شروطها وتوظيف قوتها في ممارسة الضغط على الآخرين. لم يستثن الرئيس الأمريكي حلفاء بلاده التقليديين مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا ودول حلف الناتو، الذين طالبهم بمساهمات متزايدة في حصص الدفاع وأمن الأطلسي.
على الرغم من أن ترامب دأب خلال فترة رئاسته الأولى، وخلال تصريحاته في الحملة الرئاسية للولاية الثانية، على انتقاد سابقيه من الرؤساء الأمريكيين والتهكم عليهم لأنهم أقحموا أمريكا في حربي أفغانستان والعراق، وأكد مرارًا عدم رغبته في ممارسة القوة العسكرية، أو توريط بلاده في حروب ووعد بالتسوية السريعة للنزاعات والحروب، إلا أنه بعد شهرين أو ثلاثة من ولايته الثانية لم يعد لديه مانع من توظيف الآلة العسكرية -في أقصى مظاهرها قوة وعلى نحو غير مسبوق من حيث الكم والكثافة-. مع ذلك لا تزال له طريقته الخاصة في توظيف القوة العسكرية، فلا يميل إلى الحروب الاستنزافية الطويلة، وهو له نظرته الخاصة بشأن إمكان التدخل العسكري والحسم السريع (على نحو ما حدث عبر ضربات قاذفات بي 52 على منشآت إيران النووية في مفاعل فوردو)، حيث أن الحروب القصيرة الحاسمة تمكنه من إعلان النصر وجني أرباح ومكاسب سريعة وفرض الاستسلام أو طلب التسوية على الخصم دون تكاليف كبيرة، وأيضًا دون تكبيد الخصوم خسائر فادحة تصرفهم عن المجيء إلى عتبات التسوية. في النهاية يراهن ترامب على الحلول الدبلوماسية والصفقات الاقتصادية خاصة المعادن النادرة نموذجه الأمثل في إدارة العلاقات الدولية، على نحو يكرس نمطًا جديدًا من إدارة السياسات الأمريكية.
برز الأثر الأخطر لتوظيف واشنطن منطق القوة في العلاقات الدولية في تراجع هيبة القانون والشرعية الدولية، في ظل تراجع قيم النظام الليبرالي الغربي وحقوق الإنسان. ويتضح ذلك ليس فقط من: انسحاب أمريكا من منظمة الصحة العالمية ومنظمة (يونسكو)، وتخليها عن عضويتها في مجلس حقوق الإنسان الدولي، وتوقفها عن تمويل "الأونروا" وانسحابها من اتفاقية باريس للمناخ، ولكن أيضًا من: تراجع مبادئ وقيم واللغة الحقوقية من الخطاب السياسي الأمريكي. ويشير البعض إلى أن الخطاب السياسي لترامب غاب عنه أي حديث عن مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان والشرعية الدولية، والقضية الفلسطينية، ذلك يجعل الدول الكبرى الأخرى كالصين وروسيا تقفزان وتتصدران بالمقابل الحديث عن الشرعية الدولية والتعددية وعدالة النظام الدولي، وهي قيم يفترض أنها مواريث الحضارة الغربية.
ثانيًا: انعكاس سيطرة القوة على منطقة الشرق الأوسط
تقدم سياسات إسرائيل النموذج الأمثل لانعكاس سيطرة القوة على العلاقات الدولية في منطقة الشرق الأوسط التي هي منطقة فرعية من النظام العالمي، ولكن يظل السؤال حول من أثر في الآخر ومن دفع الآخر لتبني النموذج الراهن الأكثر تطرفًا لسيطرة القوة كأساس في السياسات سؤالًا أساسيًا ومشروعًا. فهل سيطرة القوة على نهج السياسات الدولية لأمريكا هي التي مكنت من تمرير نهج سيطرة القوة على السياسات الإسرائيلية في الشرق الأوسط، أو العكس؟ الإجابة عن هذا السؤال قد تستغرق سنوات وربما عقودًا من البحث واستقصاء المعلومات التي لن تنشر كلها الآن، وإنما لاحقًا بعد 20 أو 30 أو 50 سنة، حينما تمكن القوانين من نشر الوثائق السرية لما دار خلال هذه الفترة في العلاقات الأمريكية – الإسرائيلية، وعلى وجه التحديد بين ترامب ونتانياهو.
تشير الحقبة الزمنية إلى أن حكومة نتانياهو كانت الأسبق في ممارسة سيطرة القوة بصورتها الخاصة الأخيرة، وأن نجاح هذا النموذج على الصعيد الإقليمي -وفق المفهوم الأمريكي الإسرائيلي- كان سببًا في إقناع إدارة ترامب بتوظيف القوة لتحقيق أهدافه في العلاقات الدولية، ذلك يسلط الضوء على القدرات الإقناعية والدبلوماسية الخاصة لنتنياهو، الذي جاء ترامب إلى البيت الأبيض ولم يكن يحمل له الكثير من الود، بشكل انعكس في اللقاء الأول بينهما، لكنه بعدما رأى نجاحاته تبنى نموذجه ودعمه في تحقيق أهدافه في الشرق الأوسط، وأصبح ترامب أكثر تحررًا من نهجه المحبذ للدبلوماسية.
تظل إسرائيل الطرف الشرق أوسطي الأساسي وربما الوحيد الذي استفاد من سيطرة القوة على العلاقات الدولية، حيث أن توليفة العلاقات الخاصة بين أمريكا وإسرائيل خلال إدارة (نتانياهو - ترامب)، مكنت من أن تعود سياسات رئيس نتنياهو بالإيجاب على علاقات بلاده بأمريكا، حتى أصبحت واشنطن شريكًا عسكريًا في الحرب لمصلحة إسرائيل، بعد أن تجاوزت قاعدة التزمت بها واشنطن على مدى عمر الصراع العربي ـ الإسرائيلي، تقضي بعدم المشاركة بتوجيه ضربات عسكرية مباشرة في حرب إلى جانب إسرائيل، حتى كسرت ضربات بي 52 ضد إيران هذه القاعدة، على نحو سجل أول اشتراك أمريكي مباشر في حرب إسرائيلية بالشرق الأوسط. ذلك أمر يغير كل معادلات القوى العربية والشرق أوسطية في حساباتها للصراع مع إسرائيل؛ حيث أنه على أي طرف عربي أو شرق أوسطي من الآن وصاعدًا أن يدرك أن الجيش الأمريكي قد يشترك عسكريًا مع إسرائيل بشكل مباشر في أي حرب مقبلة، على غرار مشاركة الجيش الأمريكي إلى جانب الحلفاء في الحرب العالمية الثانية.
لقد برزت سيطرة القوة بمنطقة الشرق الأوسط في النهج الإسرائيلي العسكري، الذي تجاوز كل قواعد وقوانين الحروب. فعلى مدى عمر الصراع العربي ـ الإسرائيلي لم تلتزم إسرائيل قواعد الحرب، ولكن حروبها في السنتين الماضيتين سجلت أرقامًا تؤهلها لدخول موسوعة جينيس في السوابق العسكرية. فلم يكن معتادًا أن يبدأ شن الحرب واستخدام القوة العسكرية بضرب القصور الرئاسية لاستهداف رئيس الدولة أو القيادة السياسية والعسكرية، بينما اعتادت حروب إسرائيل الأخيرة(غزة، لبنان، إيران، سوريا) على أن تبدأ من النهايات، من خلال رصد وضرب سلسلة القيادة السياسية والعسكرية والعلمية بشكل منهجي متدرج ومتتابع، بحد يجعل السلسلة القيادية للخصم تبدو ككتاب مفتوح مكشوف تمامًا أمام الاستخبارات ومن ثم ضربات الطائرات الإسرائيلية التي تعمل وفق توجيهات "جيوش الجواسيس المستوطنة خلف الجيوش المحاربة"، والتي تكون قد أحدثت اختراقات عالية المستوى خلف خطوط العدو ونقلت الدرونات عبر مطاراته بحيل ووسائل خداع، ثم تعطي شيفرات تتبع ورصد لكل قائد أو مسؤول أو عالم نووي ليجري استهدافه بكل دقة وسرعة، بما يجعل الكل واقعًا تحت ضغط الاستهداف والخطر المادي والنفسي المباشر (نجاة الرئيس مسعود بزيشكيان والمرشد خامنئي من الاغتيال بأعجوبة). كل ذلك يحدث ارتباكًا وانهيارًا شديدًا في جبهات الخصوم ويجعلها إزاء خيارات صعبة بدءًا من القبول بالتسوية وانتهاءً بإعلان الاستسلام.
بدا انعكاس سيطرة القوة على النموذج الإسرائيلي في الشرق الأوسط أكثر في الضربات التي وجهتها إسرائيل ضد الجيش السوري في السويداء وضد مقر قيادة الأركان السورية بمزاعم حماية الدروز، ما عكس السعي الإسرائيلي إلى بسط الحماية على مناطق وتكوينات اجتماعية وسلخها عن دولها. وإذا جرى شرعنة هذا النهج وإقراره فإنه سوف يعني إحداث "ثقوب بشرية" و"مستوطنات اجتماعية" داخل الدول العربية المحيطة بإسرائيل، قد تصبح مقدمات لدول أو كيانات منسلخة عن أوطانها، أو تكوينات اجتماعية محيطة بالكيان الإسرائيلي وتشكل بيئات حماية وطبقات دفاع اجتماعية مضاعفة ومعززة لحدوده وجيشه، في حالة إنكار وتغول كاملة على مفاهيم السيادة الوطنية. ذلك النموذج لممارسة سيطرة القوة يحمل صورًا أكثر تطورًا وتعقيدًا من صورة "جيوش الجواسيس المستوطنة خلف الجيوش" التي جرى انتهاجها في الحالة الإيرانية، ويؤسس لحالات من الاستيطان والعمالة من جانب تكوين اجتماعي كامل، يكتسب صفتين؛ كونه يشكل جزءًا اسميًا من دولته الأصلية التي بات يضمر لها كل العداء ويشعر بميزة تفضيلية على مواطنيها وسكانها الذي كان جزءًا منهم، بينما تحميه دولة أخرى يواليها ويحمل لها كل الود، وهي حالة غير مسبوقة في الكيانات السياسية التي عرفها التاريخ.
يفرض نهج القوة الإسرائيلي في الشرق الأوسط على المنطقة واقعا جديدا، يغيب فيه التوازن، وتشعر فيه الدول العربية والشرق أوسطية بأعباء الانحياز الأمريكي لإسرائيل، وهي حالة يصعب الرهان عليها في بناء نظام إقليمي، طالما بشرت به أمريكا في العقود الماضية، بل أعطت له إدارة ترامب اهتمامًا كثيفًا بمساعيها الحثيثة لأجل التطبيع خلال الولاية الأولى، ولا زال هو حلمها الأساسي في ولايته الحالية، حيث تضع الممارسات العدوانية لإسرائيل حاجزًا نفسًيا يجعل التطبيع شبه مستحيل. وفي كل الأحوال لن تمكن الحروب إسرائيل من بناء نظام إقليمي يهيمن عليه "السلام الإسرائيلي"، حيث أنه على قدر الممارسات اللا إنسانية في الحروب الإسرائيلية يتضح صغر حجم إسرائيل عن أن تشكل قائدًا للمنطقة، وتبدو منطقة الشرق الأوسط كبيرة جدًا بشكل تعجز إسرائيل عن فرض سيطرتها عليها، كما يبدو القصور الأخلاقي لإسرائيل على نحو يجعل من أسيجتها العسكرية والاجتماعية التي أعدتها داخل البلدان العربية لأجل تكريس أمنها الخاص ليست سوى أسيجة لتكريس وفرض العزلة الاجتماعية والنفسية عليها هي ذاتها، وهو أمر بدأ يشكو منه الإسرائيليون أنفسهم.
ثالثًا: كيف يمكن مواجهة المنطق الإسرائيلي؟
تشكل الوضعية الراهنة لممارسات القوة الإسرائيلية إشكالية، لعدم استدامتها وتأسيس نظام إقليمي عليها. هناك حد للتشبع من الممارسات العسكرية الإسرائيلية الخارجة عن القانون ليس فقط لمجتمعات ودول المنطقة وإنما حتى للمجتمع الدولي، وهناك حدود لقدرة إسرائيل على الاستمرار في النهج العسكري الراهن. وإزاء هذه الحالة يمكن للدول العربية العمل على ما يلي:
- "الانتظار الإيجابي" وصولًا لحالة الإنهاك الإسرائيلي: هذا الخيار هو أضعف الخيارات، وهو يتسق مع الحالة الراهنة للعالم العربي، التي تعكس عدم القدرة أو الرغبة في مزيد من الصراعات والحروب التي تشبعت منها المنطقة تاريخيًا، خاصة في مواجهة إسرائيل مدعومة أمريكيًا، والتي تمارس حروبًا تعكس قدرًا كبيرًا من فقدان العقل والحكمة وقصورًا في تبصر دروس وخلاصات التاريخ. وعلى الرغم من أن إسرائيل تبدو ماضية في حروبها، إلا أن الثقل الاجتماعي والهندسة الديمغرافية العربية، يجعلها -بكل ممارساتها العسكرية وبالدعم الأمريكي-صغيرة على النجاح وفرض تغيير المنطقة على حد ما يطمع نتانياهو، أو قطع أواصر التقارب الاجتماعي والروحي والتاريخي والسياسي بين شعوبها ومواطنيها. نعم، تفرض ممارسات إسرائيل على المنطقة الكثير من جوانب التأخر الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والعلمي والنفسي، إلا أن الرهان على التحول الداخلي في إسرائيل وتعميق حالة الإنهاك السياسي والعسكري والنفسي لها ما يبررها داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه؛ حيث بدأت تسمع أصوات مختلفة عن صوت اليمين المتطرف الذي هيمن على المجتمع والحكومة على مدى السنتين الماضيتين، على شاكلة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق يائير لابيد الذي أعلن رفضه لربات الجيش في سوريا، وهو أيضًا ما عكسته أصوات بعض العناصر بالجيش حول استيائهم من استمرار الحرب في غزة واستمرار احتلالها في ضوء حجم الخسائر المتزايد.
لا يعني خيار (الانتظار حتى الإنهاك الإسرائيلي) عدم القيام بأي دور عربي، وإنما من المهم الاستمرار في المبادرات الساعية إلى كشف السلوك الإسرائيلي وتجريمه أمام المؤسسات الدولية وفي الأمم المتحدة، وتخفيف الأوضاع عن المواطنين في غزة والسعي إلى التمسك بذات القرارات والمواقف الخاصة بالقضية الفلسطينية وخاصة الحق في الدولة، بحيث لا تترك الساحة الدولية لإسرائيل وللخطاب الإسرائيلي وحده.
- التوافق على صفقة جماعية مع ترامب: على الرغم من أن ترامب، انحاز إلى إسرائيل في حروبها، إلا أن هذا الانحياز لم ينشأ لسبب عقيدي ولم يرتكن إلى أساس إيماني أو إلى ميول أصلية للمشروع الصهيوني، على غرار بايدن الذي لم يخف ميوله الصهيونية وانحيازه لإسرائيل، وإنما تنبع انحيازيات ترامب من علاقاته الشخصية وإعجابه بنتانياهو. ويبدو أن الأخير تمكن من الدخول إلى قلب وعقل ترامب عبر قدراته الإقناعية وخلفيته الإعلانية الجذابة لشخصية الرئيس الأمريكي. وفي ظل الشخصية المزاجية والمتقلبة والنرجسية والبرجماتية لترامب، يشكل نتنياهو في محطة ما تالية عبئًا على الرئيس الأمريكي. لكن يبقى بالإمكان النفاذ إلى قلب وعقل ترامب وإدارته عبر بناء موقف عربي وإسلامي موحد على الصعيد الدولي، مع تفعيل وتوظيف القدرات الإقناعية للدبلوماسية العربية.
فلا شك في أن أحد جوانب ضعف الوضع العربي هو عدم التوظيف الأمثل للقدرات السياسية والدبلوماسية خلف موقف جماعي. وهناك جانبان يمكن التركيز عليهما مع ترامب: الأول السعي لتعظيم إدراكه بحجم المكاسب التي يمكن أن يجنيها شخصيًا إذا نجح في الوصول إلى حل عادل للقضية الفلسطينية على أساس الدولتين باعتبارها مسألة فشل فيها كل الرؤساء الأمريكيين، خاصة مع أحلامه الشخصية بأن يصبح صانع سلام ويفوز بجائزة نوبل. أما العنصر الآخر فهو التذكير بالمكاسب الاقتصادية لأمريكا عبر الاستثمارات العربية، وهو عامل مهم في التأثير على ترامب نفسه.
أخيرًا.
فإن أهم ما يمكن أن تفعله الدول العربية في مواجهة سيطرة القوة على العلاقات الدولية والسلوك العدواني الإسرائيلي في المنطقة، هو تحليل واستخلاص دروس الحروب الإسرائيلية الحالية، لأنه إذا لم يستفد العرب من جولات الحروب الراهنة ويستخلصون دروسها بهدوء، فإنه سوف تكون قد مرت كنوز من المعرفة بطبيعة إسرائيل وسوف تبتعد هذه الدروس وتغيب عن ذاكراتنا وعقولنا كلما امتد الزمن. مع الأخذ في الاعتبار أنه في جولات مقبلة، لن تفاجئنا إسرائيل بما فاجأتنا به من أدوات عسكرية واستخباراتية عرفناها اليوم، ومن ثم من المهم القفز بالخيال الزمني لتوقع التطور الإسرائيلي المحتمل. ولعل أهم دروس هذه المواجهة هي تحصين المجتمعات العربية بالعلم والمعرفة والوطنية التي تحول دون تمكين إسرائيل من بناء جيوش جواسيس مستوطنة خلف الجيوش العربية أو إغراء تكوينات اجتماعية بالاستيطان خلف الحدود لتشكل أسيجة حماية لحدود إسرائيل وجيشها، وليس لحدود دولها وجيوشها الوطنية.






