تمحور الهاجس الأمني لكل الإدارات الأمريكية منذ نهاية الحرب الباردة الثانية حول كيفية الحفاظ على مكانة القوى العظمى واستمرارية هيمنتها على النظام الدولي بفرض نظام الأحادية القطبية، الذي يسمح للقوة الأمريكية أن تتبوأ مكانة الريادة العالمية، اقتصاديًا، تكنولوجيًا وعسكريًا وإيديولوجيًا بتصدير قيم الديمقراطية الغربية. تجلت ملامح هذه الهواجس الأمنية الأمريكية مع اختلال ميزان القوة بانهيار الاتحاد السوفياتي وتفكك الكتلة الاشتراكية، وصعود قوى آسيوية منافسة في أوراسيا، التي تشكل تقليديا المحور الجغرافي للتاريخ، مع تحول الثقل الجيو-اقتصادي إلى منطقة الهادي-الهندي. يمكن الاستناد في هذا المجال مع بداية تسعينات القرن العشرين بما أطلق عليه بوش الأب (النظام الدولي الجديد)، الذي عمل على التفوق العسكري الأمريكي، ثم كرس بوش الابن (مشروع القرن الأمريكي الجديد) بعصبة المحافظين الجدد. وترامب هو استمرارية لهذا الاتجاه الأمريكي الذي يبحث عن تغيير قواعد ومؤسسات النظام الدولي بما يضمن التفوق الأمريكي ومنع الحلفاء والخصوم من أية تغييرات استراتيجية في ميزان القوة لا تخدم المصلحة الأمريكية الكونية، بما فيها القواعد القانونية والمؤسسات الدولية. وأفضل تعبير عن هذا الهاجس الأمني ما قاله، ماركو روبيو، كاتب الدولة الأمريكية في الاحتفال بتنصيب ترامب:" لقد انتهى النظام العالمي البالي لما بعد الحرب العالمية الثانية لأنه أضحى يوظف كسلاح ضد المصالح الأمريكية". وبعدما استخدام ترامب الخيار العسكري ضد المنشآت النووية الإيرانية، عبر عن هذا الهاجس الأمني الأمريكي، بقوله:" ليست هناك قوة في العالم تتفوق على إمريكا". وهي رسالة للحلفاء قبل الخصوم، وتلقى الجميع الرسالة أولهم حلف الناتو الذي بارك الضربة، لكن من الناحية العملية كان الاستعداد التام لأعضاء الناتو بزيادة الانفاق العسكري 5 % من الناتج الداخلي، راضخين لتهديدات ترامب برفع المظلة الأمنية الأمريكية عن الحلف في حالة عدم الدفع.
وعليه ما هي ملامح التغييرات الاستراتيجية التي يتبناها ترامب لإعادة ترتيب النظام الدولي بما يخدم المصلحة القومية الأمريكية؟ وما هي انعكاساتها على المنطقة العربية والشرق أوسط والمنطقة المغاربية؟
أولًا، رؤية ترامب للنظام الدولي وملامح التغييرات الاستراتيجية الكبرى
اتخذ ترامب مجموعة من القرارات تشير للملامح الكبرى التي ستغير قواعد اللعبة السياسية والأمنية والاقتصادية التي كانت تضبط قواعد النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أهمها بالترتيب:
أولًا، تقويض مفهوم سيادة الدول وحدودها الذي شكل أحد قواعد النظام الدولي وأس القانون الدولي المعاصر منذ مؤتمر واستفليا 1648م، حيث هدد ترمب باسترجاع قناة بناما، والاستيلاء على جرينلاند، وإلحاق كندا كولاية 51 لأمريكا، وتفريغ سكان غزة وتحويلها إلى ريفيرا شرق المتوسط.
.
ثانيًا، تهميش دور الأمم المتحدة ووضع حد للمؤسسات والمنظمات الدولية التابعة لها، بالانسحاب منها ووقف التمويل. بموجب مرسوم رئاسي بتاريخ 4 فبراير 2025م، اتخذه ترامب قرر الانسحاب من مجلس حقوق الإنسان للأمم المتحدة ومنع تمويل الأونروا، ومرسوم آخر في 20 يناير 2025م، يقرر الانسحاب من منظمة الصحة العالمية وتجميد تمويلها. تعد هذه القرارات استمرارية لنهج ترامب في عهدته الأولى، حيث وقع مراسيم رئاسية ترمي إلى الانسحاب الأمريكي من "الأنروا" واليونسكو. وحجة ترامب في مجموع القرارات أن الأمم المتحدة وهيآتها لا تخدم المصالح الأمريكية وحليفتها إسرائيل ومعادية للسامية. ولا يمكن إغفال تأثير هذه القرارات على مستقبل الأمم المتحدة. لأن واشنطن تشكل ثقل مالي ومساهم كبير في استمرارية الأمم المتحدة، فهي المساهم المالي الأول فيها بقيمة 1.284 مليار دولار في الفترة ما بين 2022 و2023م. والمساهم الأول عالميًا في المساعدات الإنسانية، قدمت أكثر من 54 مليار دولار للتمويل الإنساني ما بين 2021 و2024م، في إطار برنامج الأمم المتحدة للتغذية، مفوضية الأمم المتحدة للاجئين، المنظمة الدولية للهجرة، ومنظمة الصحة العالمية. وعليه فإن تجميد ترامب لتمويل العمل الإنساني سيتأثر بسببه 190 مليون شخص بحاجة للمساعدات الغذائية في 72 بلدًا، لأنها تمثل 44 % من المساعدات العالمية للأمن الغذائي و48 % للمساعدات الغذائية، حسب إحصائيات 2023م.
ثالثًا، تحييد المؤسسات القانونية والقضائية الدولية، بما فيها محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، وتهديد الموظفين والقضاة التابعين لها بفرض عقوبات عليهم في حالة عدم الامتثال لسياسة أمريكا ودعم إسرائيل، واعتبر في هذا الإطار المرسوم الرئاسي في 6 فبراير 2025م، تجاه المحكمة الجنائية الدولية بمثابة إعلان ترامب الحرب على الهيئات القضائية الدولية، التي تضطلع بتقييد وردع استخدام القوة والعدوان خارج إطار القانون ، ما يؤدي إلى فوضى العلاقات الدولية، وإعطاء الضوء الأخضر لنتانياهو وإسرائيل بالاستمرار في الإبادة الجماعية والتطهير العرقي وتجويع غزة. وهدد ريد روبنشتاين، المستشار القانوني بوزارة الخارجية الأمريكية، الدول الأطراف في المحكمة الجنائية باستخدام أمريكا جميع الأدوات الدبلوماسية والسياسية والقانونية الفعالة، لإنهاء المتابعات القضائية ضد أمريكا وإسرائيل، مذكرًا بالعقوبات على أربعة قضاة كانوا قد أصدروا أوامر باعتقال نتانياهو وغالانت عن جرائم الحرب في غزة.
رابعًا، وقف العمل بآليات القوة الناعمة للنموذج السياسي والقيمي الأمريكي، ونهاية التقسيم الإيديولوجي الليبرالي للأنظمة السياسية، فلا يعير ترامب أية أهمية للتصنيفات التقليدية بين الأنظمة الديمقراطية والاستبدادية لحصولها على المساعدات أو التحالفات الاستراتيجية، مع وقف التمويل للمنظمات الأمريكية غير الحكومية التي تعمل في مجالات المساعدات الإنسانية وحقوق الإنسان. قلص ترامب عدد الموظفين في الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية من 14 ألف إلى 294 موظفًا، أي بخفض 95 % من تعداد الوكالة، 21 موظف لمنطقة الشرق الأوسط و12 موظف لإفريقيا، وهي المناطق التي تحتاج إلى المساعدات التنموية في ظل الحروب وعدم الاستقرار، ما يؤشر على تراجع كلي لأمريكا عن استخدام أدوات القوة الناعمة في العالم.
خامسًا، تزايد حدة الحروب التجارية بفرض التعريفات الجمركية على دول العالم ما يعيق الجهود الدولية التي أدت لإنشاء منظمة التجارة العالمية، التي استبدلت أحد القواعد المالية العالمية لنظام برتن ودز، اتفاقية التعرفة الجمركية المعروفة اختصارًا بـ"الجات"، وكثير من الخبراء ما يشبه ترامب بالرئيس الأمريكي، هوفر، الذي وقع مع الكونغرس قانونًا للتعريفات الجمركية سنة1930م، بزيادة 50 %على 20 ألف سلعة مستوردة، لتحييد المنافسين التجاريين لأمريكا، كانت من نتائجه المباشرة ما عرف بالكساد العظيم وتطور النزعة الحمائية والقومية لدى الأوروبيين.
سادسًا، إبعاد الدبلوماسية المتعددة الأطراف في إدارة وتسوية النزاعات الدولية والإقليمية والانفراد الأمريكي بالعمل الأحادي لتسويق صورة أحقية ترامب لنيل جائزة نوبل للسلام، الذي تكرر اقتراحاتها من كل الوفود التي تزوره بما فيهم نتانياهو ذاته، المطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية. يفتخر ترامب أنه هو من ضغط لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وإيران، بينما تخلى عن الدبلوماسية المتعددة الأطراف في الملف النووي الإيراني في إطار صيغة 5 + 1، ومساهمته في وضع حد للتوتر الهندي-الباكستاني، والضغط والتهديد على روسيا وأوكرانيا لوقف الحرب، والمساهمة في وقف العدوان على غزة من خلال إطلاق سراح الأسرى دون إعارة أدنى الاهتمام للمجازر اليومية والإبادة الجماعية التي يتكبدها الشعب الفلسطيني، فضلًا عن الوساطة في النزاع بين رواندا والكونغو.
تعبر ملامح السياسة الخارجية الأمريكية عن طموح ترامب لبناء النموذج الأمريكي التقليدي باسم السلام العالمي الأمريكي، وبنفس الرسالة الإيديولوجية التي حملها الآباء المؤسسون لأمريكا، المصير المحتوم، الذي يعني أن الاستقرار العالمي مرهون بالدور الحضاري الأمريكي، وبالتالي فاستخدام القوة للحفاظ على الإمبراطورية الأمريكية قناعة استراتيجية ودينية، يؤهلها لفرض العقوبات على من يخالف السلام الأمريكي العالمي.
سابعًا، تصعيد التهديد باستخدام القوة بين أمريكا والقوى المنافسة لها، لاسيما الصين وروسيا، ما يهدد بسيناريوهات كارثية في حالات الاستعداد الصيني-الأمريكي لاستخدام الخيار العسكري في تايوان، وكل المؤشرات تدل على التلويح باستخدام أدوات القوة من المناورات العسكرية وزيادة الانفاق العسكري إلى الزيارات الأمريكية لتايوان المستفزة لبكين. كما أن إمداد أمريكا لأوكرانيا بالسلاح لزيادة حدة الحرب الروسية-الأوكرانية سيعمق من استمراريتها، ما يؤدي لفوضى عالمية تعجز كل مؤسسات القانون الدولي بما فيها مجلس الأمن عن تسوية هذه الحروب، بسبب الشلل الذي سيصيب مجلس الأمن، صاحب قوة الردع، لامتلاك القوى الثلاثة حق الفيتو، ما يعطل مساعي التسوية السياسية. وفي كلا الحالتين، الحرب الأمريكية-الصينية والحرب الأمريكية-الروسية، فإن العالم سيعيد تقسيمه إلى أحلاف عسكرية متشرذمة تفوق تهديداته الأمنية فترة مرحلة الحرب الباردة، تكون أولى ضحايا القارة الأوروبية في حالة التصعيد الأمريكي-الروسي بالرغم من أن الحلف الأطلسي صنف روسيا كتهديد وجودي لأوروبا، إلا أن الانعكاسات الاستراتيجية ستكون كبيرة تؤدي إلى انقسام الدول الأوروبية ومحاولة إحياء مأزق الأمن لفترات الحربين العالميتين الأولى والثانية، لاسيما في مناطق التماس الجغرافي مع روسيا، دول البلطيق وبولونيا بدرجة كبيرة. أما في حالة الصين فإن التحالفات العسكرية الأمريكية-الآسيوية ستفرض على الهند، اليابان وكوريا الجنوبية اختبار مستقبلها الآسيوي أو الأطلسي، وكلها خيارات صعبة في ظل ترابط المصالح وتشابك العلاقات الاقتصادية والمالية الدولية. مما يحد من قدرة القوة العسكرية على حسم النصر المؤكد لكل القوى المنخرطة في الحروب. والشاهد، أن الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب على العالم، أثبتت درجة الترابط والتداخل بين رؤوس الأموال والأسواق والصناعات، التي تمنع أية عزلة اقتصادية أو فوضى دولية يصعب التنبؤ باتجاهاتها ونتائجها على الجميع.
ثانيًا، الدعم الأمريكي لإسرائيل وتأثيراته على المنطقة العربية
ليس هناك نموذجًا يعبر عن انهيار قواعد ومؤسسات النظام الدولي مثل عدوانية إسرائيل، الدولة المارقة التي لا تخضع لآية مساءلة أو عقاب، لأن قناعة قادتها منذ بن غوريون إلى نتانياهو، أن القانون الدولي عبارة عن قصاصة ورق، لن يمنعها أي رادع قانوني أو سياسي وأمني من الاستخدام المفرط للقوة والعدوان على الدول العربية وفلسطين منذ نكبة 1948م، إلى غاية محارق غزة، ويشهد على ذلك أكثر من ألف قرار ولائحة من مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة ومنظماتها المتخصصة، لم يطبق ولا واحد منها، أضحت تزين القرارات الدولية والعربية في ديباجاتها لتسرد أرشيف القرارات المخزنة في أدراج مكاتب الأمم المتحدة، التي أضحت في وضعية الشلل والعجز في مواجهة العدوان الإسرائيلي.
تستمد إسرائيل قوتها وتمردها على قواعد القانون الدولي ونهجها السياسة العدوانية تجاه محيطها العربي والشرق الأوسط من الحصانة والدعم اللامحدود واللامشروط الذي تقدمه لها الولايات المتحدة، دبلوماسيًا، عسكريًا وأمنيًا، وماليًا. من الناحية الدبلوماسية، تتمتع إسرائيل بحصانة في مجلس الأمن الدولي، حيث استخدمت واشنطن 49 مرة حق فيتو ضد مشاريع القرارات التي تدين إسرائيل، وتجمد تمويل كل المنظمات الدولية المتخصصة التي تعارض العدوان الإسرائيلي. أما من الناحية الأمنية والعسكرية، تعد إسرائيل أول المستفيدين من المساعدات العسكرية الأمريكية في العالم، تلقت 158 مليار دولار، وتضاعفت هذه المساعدات العسكرية في فترة العدوان على غزة، حيث تفتخر وزارة الدفاع الإسرائيلية في بيان لها بتاريخ 27 مايو 2025م، أنها تلقت المساعدات العسكرية منذ طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023م، أكثر من 90 ألف طن من الأسلحة والتجهيزات العسكرية الأمريكية عبر 800 طائرة للنقل و140 باخرة.
الملاحظ أن السلام الأمريكي العالمي مرتبط بإعادة صياغة السلام في الشرق الأوسط والمنطقة العربية، بحيث يكون ميزان القوة يميل استراتيجيًا لصالح إسرائيل، وأول هذه الشروط الأمريكية-الإسرائيلية، تكريس مشروع الدولة الدينية اليهودية وإبعاد أي مستقبل لمقومات الدولة الفلسطينية، جغرافيًا وديمغرافيًا. أما الشرط الثاني، فهو توافق جيوبوليتيكي أمريكي-إسرائيلي قائم على إعادة ترتيب الخريطة العربية، بتوسيع مساحة إسرائيل في حدودها المائية، الجولان، الليطاني، نهر الأردن. ويتعلق الشرط الثالث، ببناء السلام الاقتصادي ونسف كل مقاربة عربية قائمة على الأرض مقابل السلام، وهو ما يركز عليه الطرف الأمريكي-الإسرائيلي من خلال توسيع دائرة السلام الإبراهيمي.
بما أن مقاييس القوة تخضع لعدة مؤشرات، فإن التوافق الأمريكي-الإسرائيلي يبقى قائمًا للحفاظ على التفوق النووي الإسرائيلي المدني والعسكري، وتدمير كل القدرات التكنلوجية العربية-الإسلامية، تطبيقًا وتكريسًا لعقيدة مناحيم بيغن، التي تقول بحق الدفاع الاستباقي ضد أعداء إسرائيل، لخلق قناعة لدى دول المنطقة، بأن أي تطور تكنولوجي نووي سيخضع للقصف الإسرائيلي. والملاحظ هنا، أن إسرائيل تستغل دومًا مبادرات السلام مع الأطراف العربية لضرب الدول التي لديها مشاريع نووية، بعد سنة ونصف من مبادرة السلام الإسرائيلية-المصرية، قصفت المفاعل النووي العراقي في 7 يونيو 1981م، الذي اقتنته بغداد من فرنسا بموجب عقد ثنائي للاستخدام السلمي وكان خاضعًا لضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وبعد السلام الإبراهيمي قصفت المفاعلات النووية الإيرانية واغتالت علماء الذرة لكبح أي طموح نووي إيراني مستقبلي، وما بين العدوانيين على العراق وإيران أغارت إسرائيل في 5 سبتمبر 2007م، على مجمع لمشروع نووي سوري رغم رفض بوش الابن طلب إيهود أولمرت قصف المفاعل السوري دون تقديم المبررات لذلك، كما جاء في مذكرات الرئيس الأمريكي ذاته، لأنه وبكل بساطة عقيدة بيغن تقوم على الضربات الاستباقية ولا تثق في النوايا الحسنة لكل محيطها الجيوسياسي. لكن في الحالة الإيرانية فإن ترامب وافق عقيدة بيغن وشن غارات جوية على ثلاث منشآت نووية إيرانية باستخدام قدرات تدميرية لا تمتلكها إسرائيل، عن طريق قنابل خارقة للتحصينات تزن 30 ألف رطل حملتها قاذفات الشبح بي-2، التي تعد مفخرة القوة العسكرية الأمريكية.
ثالثًا، موقف دول المغرب العربي من التحولات الاستراتيجية.
تعد دول المغرب العربي بمثابة المرآة العاكسة للدول العربية، بحيث تبقى متأثرة بمواقف غياب الإجماع في الجامعة العربية حول القضايا الاستراتيجية، من جهة، وتعبر في الوقت ذاته عن الانقسامات داخل الدائرة العربية بين الدول التي انضمت مبكرًا إلى السلام الإبراهيمي والدول المترددة والدول الرافضة له. بالرغم من بعدها الجغرافي عن إسرائيل فإن تأثيرات السلوك العدواني على فلسطين ودول الطوق العربي، يشكل قوى داعمة دبلوماسيًا للقضية الفلسطينية، مثل الدور الذي تقوم به الجزائر في مجلس الأمن الدولي في الفترة 2024-2025م، باعتبارها عضو غير دائم، ساهمت مع المجموعة العربية في محاولة تفعيل قواعد القانون الدولي بعرض اقتراحات القرارات على مجلس الأمن من أجل وقف العدوان الإسرائيلي ووقف إطلاق النار، مع دعم الاعتراف الكامل بعضوية الدولة الفلسطينية في الأمم المتحدة، وتمسكت الجزائر بالمطلب التاريخي للمجموعة العربية بعقد مؤتمر دولي للسلام تحت رعاية الأمم المتحدة، لإنهاء الصراع العربي-الإسرائيلي وفقاً للقرارات الشرعية الدولية وتفعيل خيار حل الدولتين. إلا أن هذه الاقتراحات اصطدمت في كل مرة بالفيتو الأمريكي، تكريسًا ودعمًا للقناعة الإسرائيلية الرافضة لكل مقومات الدولة الفلسطينية، واختبارًا ميدانيًا لغلبة منطق القوة الأمريكي-الإسرائيلي على قوة القانون الدولي والشرعية الدولية.
رغم مركزية القضية الفلسطينية لدى القادة المغاربة فإن التحولات الاستراتيجية الدولية العميقة والسريعة، فرضت النهج الواقعي والبراغماتي، في سلوك الدول المغاربية بتنويع الشركاء الاستراتيجيين، وعدم الانخراط في التحالفات الاستراتيجية الكبرى في الصدامات بين واشنطن-موسكو وبكين، ويتجلى ذلك في الموقف المشترك فيما يخص الحرب الروسية-الأوكرانية، التي تتوافق على التنديد بالاعتداء على سيادة الدول والمطالبة بالتسوية السلمية للنزاع. ومن جهة أخرى، فإن معظمها تقيم شراكات تجارية واقتصادية مع الصين وانخرط بعضها في مشروع الطريق والحرير، مع التوجه نحو الحصانة المالية والتجارية لما بعد تراجع ثقل ونفوذ مؤسسات برتن ودز المالية، بالانضمام أو السعي للانضمام إلى منظمات بنك التنمية التابع للبريكس أو منظمة الآسيان أو منظمة شنغهاي للتكيف مع الضغوطات التجارية والمالية التي يفرضها عليها الاتحاد الأوروبي، الذي يعد الشريك التجاري التقليدي لدول المغرب العربي.
ستكون الدول المغاربية أكثر تأثرًا بحالة الفوضى الدولية لارتباطاتها الاقتصادية بالسوق الخارجية ونقص تنويع مصادرها، خصوصًا في حالة تصاعد الحروب التجارية، لأن حالة اللاستقرار الأمني الدولي سيؤدي إلى تراجع أسعار المواد الأولية النفط، الغاز، الفوسفات التي تعد المصادر الأساسية لميزانيات الدول المغاربية، مع تحديات وقف سلاسل الإمدادات من آسيا وأوروبا في حالات تصاعد حدة الصدامات العسكرية المباشرة أو الغير المباشرة بين أمريكا، الصين وروسيا، وهو ما يؤدي إلى اضطرابات اجتماعية وسياسية يصعب التحكم في مآلاتها.
لا يمكن استثناء الدول المغاربية من مستقبل بناء قدراتها التكنولوجية النووية، لأن إسرائيل تنظر إلى المنطقة كقاعدة لوجيستيكية لدعم الأمن القومي العربي، مما يتطلب تفعيل مجموع القرارات العربية من جعل منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من السلاح النووي وأسلحة الدمار الشامل، وفرض المزيد من الضغوطات الدبلوماسية على إسرائيل في إطار بناء السلام في المنطقة، لأنها الدولة النووية الوحيدة في المنطقة التي تمتلك قدرات نووية تقدر بنحو 90 رأسا نوويا، ولم تنضم للدول الموقعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ولا تزال تنتهج استراتيجية الغموض النووي وتمنع أية رقابة دولية لمنشآتها النووية، لأن عقيدتها الاستراتيجية راسخة، مفادها، أن القانون الدولي عبارة عن قصاصة من ورق، وأن الضربة الاستباقية ضد الأعداء هي التي تضمن قوة واستمرارية إسرائيل الكبرى.






