يعتبر مفهوم القوة حجر الأساس في العلاقات الدولية، والقوة بأشكالها المتعددة، القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية والعقدية والتكنولوجية خاصة مع التطور في مجال التقنية الحديثة والانترنت واستخدامها، فأصبحت الحرب الإلكترونية السمة الغالبة لحروب المستقبل وما يسمى أيضًا حروب الجيل الرابع والخامس، خاصة أن العالم أصبح يعتمد على الفضاء الإلكتروني ولذا تحتاج الدول تطوير قوتها بما يتناسب مع التطور التكنولوجي لحماية نفسها من الهجمات السيبرانية باختراق مؤسساتها بالقرصنة الإلكترونية والتجسس. وعرف عالم السياسي الأمريكي هانس مورجنثاو مؤلف كتاب " السياسة بين الأمم" ورائد المدرسة الواقعية التي تبنتها السياسة الخارجية الأمريكية بقوله هي " القدرة على التأثير في سلوك الآخرين ،يقومون بأشياء متناقضة مع أولوياتهم، ما كانوا ليقوموا بها لولا ممارسة تلك القدرة "، والقوة السياسية هي علاقة نفسية بين من يمارسونها وبين من تمارس ضدهم، وتستعمل الدول القوة الصلبة بمعنى المادية القوة العسكرية والقوة الناعمة التي نحتها عالم السياسة الأمريكي جوزيف ناي " وهي قدرة الدولة في الحصول على ما تريده بالاعتماد على الجاذبية بدلًا من الإكراه " ، وتستطيع تحقيق الأهداف عن طرق الترغيب وليس الترهيب ويدخل من ضمنها الاستعمار الثقافي والترويج للقيم الغربية كشعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان ولكنها على أرض الواقع تتناقض مع ممارستها العملية مع الدول والشعوب الأخرى وكما قال هنري مورجنثاو وهنري كيسنجر أنه لا أخلاق في السياسة الدولية، وفي ممارسة الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة لا تعطي اهتمامًا للقانون الدولي والأعراف الدولية والقانون الدولي الإنساني، ونجد أن الرئيس ترامب يهاجم محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية عندما تعرضت لمجرمي الحرب الإسرائيليين بسبب حرب الإبادة الجماعية، وخاضت الولايات المتحدة حرب فيتنام غير مبالية بالقانون الدولي وإدارة الرئيس بوش الابن شنت حربًا على أفغانستان 2001م، والعراق 2003م، خارج القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وإسرائيل منذ إنشائها وهي تمارس الحروب ولا تلتزم بالقرارات لمجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة، وتجد دعمًا من الدول الغربية، وشنت إسرائيل حربها على إيران في 13 يونيو 2025م، مخالفة مبادئ القانون الدولي كما هاجمت الطائرات الأمريكية مواقع المفاعل النووي الإيراني مخالفة للدستور الأمريكي وبدون موافقة مجلس الشيوخ حسب الدستور ، كما أن الرئيس بوتين غزا جارته أوكرانيا واحتل مقاطعات أوكرانية وضمها لروسيا وهي مخالفة للقانون الدولي ،والخطأ الاستراتيجي الذي وقعت فيه أوكرانيا أنها تخلت عن قوتها النووية مما جعها في موقف ضعيف لردع روسيا الاتحادية وامتلاك باكستان القوة النووية جعلها تمارس الردع بثقة ضد الهند وحاولت إسرائيل بكل الوسائل منع باكستان من امتلاك القنبلة إلا أنها فشلت وحاولت جر الهند للغارة معًا على المفاعل الباكستاني ورفضت الهند لخطورتها علمًا أن دولة عربية ساعدت باكستان في تمويل مشروعها، ولذلك تعتبر القوة وسيلة مهمة لحماية الدولة وأمنها وتحقيق مصالحها على المستوى الدولي والإقليمي وكما جاء في القرآن الكريم " ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ "الأنفال 60 " ، وترهبون في الآية تأتي في مقام الردع فمن يملك القوة فإنه يستطيع ردع الدول الأخرى من الاعتداء عليه ويحمي مصالحه؟
النظام الدولي: فشل الأمن الجماعي ونجاح نظام توازن القوى
إن التنافس بين الدول الأوروبية داخل القارة وخارجها على المستعمرات ودخولهم في سباق التسلح أدى للحرب العالمية الأولى التي كانت حربًا شاملة لم تقتصر على الجيوش بل شملت الاقتصاد والمدن فكانت خسائر هائلة ومدمرة، وبعد الحرب لأنها أول حرب شاملة، فكر القادة الأوروبيون وقادة الفكر وحتى في الولايات المتحدة التي دخلت الحرب متأخرة في تجنب الحروب بين الدول وأعلن الرئيس ولسون مبادئه الأربعة عشر لتحقيق السلام في العالم ودعا لإنشاء مؤسسة دولية لحل الخلافات ، وكان من نتائجها تأسيس عصبة الأمم 1920م، تحت شعار تحقيق الأمن الجماعي وفقًا للقانون الدولي وحق تقرير المصير للشعوب التي كانت ضمن الدول التي هزمت في الحرب، الامبراطورية النمساوية والدولة العثمانية، ولكن الدول الأوروبية تركت جانبًا ميثاق عصبة الأمم واستعمرت الشعوب وقسمت البلدان التي كانت تحت حكم الامبراطورية النمساوية والعثمانية، فقسمت البلاد العربية إلى دويلات واستعمرتها فرنسا وبريطانيا وصرحت بريطانيا بوعد بلفور 1917م، والشروع في تحقيق المشروع الصهيوني في فلسطين، ولذلك فشلت عصبة الأمم وشعارات القانون الدولي والحلول السلمية، فكانت الحرب العالمية الثانية بين دول المحور والحلفاء 1939م، وانتهت 1945م، بإلقاء الولايات المتحدة القنبلة الذرية على مدينتي هيروشيما ونجازاكي اليابانية ولذلك حسمت الحرب بالقنبلة الذرية، إرهاب دولة على المدنيين، ولذلك كان مبدأ القوة هو الذي سيطر على العلاقات الدولية وهو المبدأ الذي ساد خلال الحرب الباردة، الاتحاد السوفيتي امتلك القوة النووية 1949م، ثم تبعت ذلك بريطانيا، وفرنسا، والصين، والهند، وباكستان، وإسرائيل التي بدأت منذ الخمسينيات مباشرة بعد إعلانها دولة، لأنها تعرف أن القوة هي الأساس في تحقيق أهدافها التوسعية، ودعمتها فرنسا ثم الولايات المتحدة في امتلاك القوة النووية. ولذلك ما كان يحكم العلاقات الدولية في الحرب الباردة ونظام ثنائي القطبية، وتوازن الرعب الاستراتيجي ووجدت الدول النامية فرصتها في المناورة بين الكتلتين سواء في المجال السياسي أو التسلح وكان التنافس بين الدولتين من خلال الحروب بالوكالة، كما حدث في الحرب الكورية (1950-1953م) والحرب الفيتنامية التي هزمت في كلاهما الولايات المتحدة بسبب الدعم الصيني والروسي لكوريا الشمالية وفيتنام، وحدث التنافس في المنطقة العربية وحصلت الدول العربية على استقلالها، ولكن كان الهدف الاستراتيجي للدول الأوروبية والولايات المتحدة أن تبقى الدول العربية ممزقة متنافسه وتدعم الخلافات بينها وأن تبقى إسرائيل المهيمنة، لأن المنطقة العربية منطقة ذات أهمية استراتيجية ومصدر الطاقة للعالم الغربي والشرقي ولذلك شجعت الولايات المتحدة وبريطانيا الانقلابات العسكرية في المنطقة والعدوان الثلاثي على مصر( الفرنسي البريطاني الإسرائيلي)1956م، بسبب تأميمها لقناة السويس، وحرب 1967م، بدعم أمريكي ووقفت مع إسرائيل في حرب 1973م، وغزو لبنان 1982م، وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي لأوضاعه الاقتصادية وفشل الماركسية وتورطه في أفغانستان حيث استنزفته واشنطن، انفردت الولايات المتحدة بالنظام الدولي الذي أصبح يوصف بنظام أحادي القطبية، وكان كارثة – ولا يزال – على المنطقة العربية من حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران لمدة ثماني سنوات (1980-1988م) وكانت صراحة لتدمير دولتين بتروليتين، قال كيسنجر صراحة ضرب قوتين معادية للغرب واستنزاف أموال البترول في شراء الأسلحة وإبعادهما عن إسرائيل ، وكانت حرب الخليج الثانية 1991م، كارثة احتلال العراق للكويت وفي الحربين كانت أصابع واشنطن الخفية تلعب فيهما سواء من حيث نشوبهما ونهايتهما لخدمة مصالحها بغض النظر عن الضحايا البشرية، ثم كان غزو الولايات المتحدة لأفغانستان 2001م، واحتلال العراق 2003م، وكلاهما تحت ذرائع واهية هدفهما السيطرة على موارد البلدين لخدمة الاقتصاد الأمريكي, ويروي الصحفي الباكستاني أحمد رشيد في كتابه القيم " طالبان الإسلام والنفط واللعبة الكبرى الجديدة في آسيا الوسطى " ، ترحيب الولايات المتحدة بظهور حركة طالبان ولما وصلت لحكم أفغانستان تفاوضت معها على أمل مرور خط أنابيب ينقل بترول بحر قزوين الذي تملكه الشركات البترولية الأمريكية (شركة يونكال) إلى بحر العرب ولكن فشلت المفاوضات، فكان لا بد من نهاية حكم الحركة لنظام بديل يخدم الأهداف الأمريكية ولكنها خرجت بعد عشرين عامًا بسبب مقاومة طالبان الشرسة للقوات الأمريكية فكان الهروب الأمريكي عام 2021م، من أفغانستان في عهد بايدن، وفي العراق أرادت واشنطن بترول العراق وحماية إسرائيل بتدمير العراق وكان قرار واشنطن الأول الذي نفذه المندوب السامي بريمر، حل الجيش العراقي وقيام نظام طائفي في العراق، ورغم المقاومة العراقية التي أنهكت القوات الأمريكية فالعراق يعيش حالة من الصراع الداخلي بين أحزاب ونخب طائفية لدرجة أن بعضها يطالب بعدم خروج القوات الأمريكية، وكل هذه الأحداث تؤكد أن مبدأ القوة هو الذي يسيطر على العلاقات الدولية، لأن العالم كما يصفه علماء العلاقات الدولية نظام فوضوي لا توجد قوه عالمية تفرض القانون كما هو حال داخل الدولة، ولذلك يعيش العالم في ما يسمى معضلة الأمن وهو سباق التسلح لأن الدول لا تشعر بالأمن فعندما تتسلح جارتها أو منافستها لا بد أن تتسلح هي الأخرى ولذلك يعيش العالم في دوامة سباق التسلح وهي معضلة الأمن، ولم تكن هيئة الأمم المتحدة بأحسن حالًا من عصبة الأمم، فكثير من قراراتها تبقى حبرًا على ورق ولا تأخذها الدول الكبرى على محمل الجد ويبقى حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن للدول الخمس الدائمة العضوية مسلطًا عليها وترفض إصلاح مجلس الأمن الدولي، وما يصدر من قرارات على الدول النامية هو الذي ينفذ فقط، لأنها دول ضعيفة لا حول لها ولا قوة فتحت شعار الأمم المتحدة تستغل الدول الكبرى فرض العقوبات الاقتصادية والتدخل العسكري وتفعيل البند السابع من الميثاق، بينما ما يتعلق بالدول الكبرى فقرارات الأمم المتحدة لا أهمية لها ومئات القرارات حول إسرائيل وحقوق الشعب الفلسطيني تبقى حبرًا على ورق بسبب الدعم الأمريكي والأوروبي لها، وبعد السابع من أكتوبر 2023م، هرول الرئيس بايدن وزعماء أوروبا لإسرائيل لدعمها والتضامن معها ولكن لم يحركوا ساكنًا حول إبادة الشعب الفلسطيني في غزة سوى تصريحات للاستهلاك للرأي العام الدولي، فكانت الشعوب الأوروبية وشعوب العالم أكثر مصداقية في التعبير عن شعورها من القادة السياسيين الذين يحملون شعارًا يتردد عندهم " لا أخلاق في السياسة" منذ عهد ميكافيللي الذي يحفظه زعماء الغرب عبر تاريخهم، فكان الملك ليبولد ملك بلجيكا يملك الكنغو ملكًا شخصيًا وهي في مساحتها سبعين ضعفًا من مساحة بلجيكا الدولة الصغيرة في أوروبا وأدارها بوحشية حتى أجبرته الحكومة البلجيكية على التنازل 1908م، لأن تكون تحت إدارة الحكومة البلجيكية ولم تستقل الكونغو إلا عام 1960م، بعد كفاح شعبها الطويل، لتدخل الشركات البترولية الفرنسية والأمريكية، ومنحت بريطانيا فلسطين وهي أرض لا تملكها للصهيونية وأثناء انتدابها على فلسطين شجعت هجرة اليهود إلى فلسطين ومنحتهم السلاح، ولذلك نجد أن حقوق الإنسان والقانون الدولي وحق تقرير المصير شعارات فارغة تستعملها الدول الكبرى بل سياسة التميز العنصري تحركت أوروبا وأمريكا لتأييد أوركرانيا ودعمها بالسلاح والأموال وفتحوا حدودهم للشعب الأوكراني ولكنهم صموا آذانهم عن صرخات الشعوب المنكوبية والإرهاب الصهيوني وأغلقوا حدودهم أمام الجائعين والهاربين من دول الجنوب والشرق الأوسط.
دول الخليج العربي في ميزان القوة العالمي
تحتل دول الخليج العربي موقعًا استراتيجيًا مهمًا وتنافست الامبراطوريات منذ عهد الكشوفات الجغرافية فدخل البرتغال بأسطولهم في مواجهة مع البحرية العمانية في مياه بحر العرب ثم جاء البريطانيون في ظل التنافس مع فرنسا والبرتغال ومحاولة الامبراطورية الروسية الوصول للبحار الدافئة في بحر العرب ومياه الخليج، وكان الأدميرال الأمريكي ألفرد ماهان قد نحت مفهوم الشرق الأوسط في مقالة له عن الخليج والعلاقات الدولية 1903م، أكد فيها على أهمية الخليج في الاستراتيجة العالمية بين الشرق والغرب، فالخليج طريق بريطانيا للهند التي كانت درة التاج البريطاني، واليوم ازدادت أهمية الخليج العربي في الاستراتيجية العالمية بسبب الممرات المائية المهمة للطاقة والتجارة الدولية ممر مضيق هرمز وباب المندب،وازدادت أهمية الخليج إضافة لموقعه الجيواستراتيجي أنه مصدر للطاقة العالمية فإن 54% من الاحتياط العالمي من البترول في منطقة الخليج و23% من احتياطي الغاز الطبيعي العالمي في الخليج ، وأهمية الخليج في استمرار تدفق البترول لشرق آسيا وأوروبا كما أن بترول الخليج له أهمية كبرى في تحديد أسعار البترول وتأثيرها في منظمة أوبك، بالاضافة للتجارة الدولية التي تمر عبر ممرات الخليج سواء من مضيق هرمز وباب المندب ولذلك تملك دول الخليج مصادر القوة، موقعها الجيوستراتيجي واعتبارها مصدر الطاقة الرئيسي، وكذلك ما تملكه من عائدات مالية مؤثرة للاستثمار في الأسواق العالمية والتنمية، ولعل ما يميز البترول في الخليج سهولة وصوله للأسواق العالمية على عكس بترول بحر قزوين، فأذربيجان وكازاخستان وتركمانستان دول تعتبر مقفلة عن البحار والمحيطات وتحتاج لدولة مجاورة ليمر بترولها للخارج، وكما أشرنا إلى حاجة الشركات الأمريكية لمد أنابيب لمياه المحيط الهندي حيث الموانئ الباكستانية وهذا شكل إشكالية، كما أن الحرب الروسية / الأوكرانية والخلافات الأوروبية / الروسية حول تدفق الغاز والبترول زاد من أهمية الدور الخليجي لتعويض البترول والغاز الروسي، كما أن دول الخليج لها وزنها المالي على مستوى العالم بالاستثمارات والتبادل التجاري وشراء الأسلحة مما يجعلها مؤثرة عالميًا، وإن عضوية السعودية في مجموعة العشرين تؤكد تأثيرها في الاقتصاد العالمي ومع تركيا وأندونيسا في مجموعة العشرين يعكس أهمية منظمة التعاون الإسلامي في الاقتصاد العالمي، كما أن علاقة دول الخليج مع الصين في مجال التبادل التجاري وتزويد الصين بالبترول يعطي دورًا مهمًا لدول الخليج العربي وقد توسطت الصين لعودة العلاقات السعودية / الإيرانية كما جمعت الصين الفصائل الفلسطينية في بكين للمصالحة، كما أن للسعودية علاقة متميزة مع روسيا ولعبت دورًا في الوساطة بن روسيا وأكرانيا لإنهاء الحرب كما فعلت تركيا بجمع المسؤولين الروس والأوكرانيين لطاولة المفاوضات في تركيا، ولذا فدول الخليج تملك عناصر القوة التي في تفعيلها عمليًا يكون لها دور فاعل في السياسة الدولية، في ظل التحول في النظام الدولي الجديد الذي أخذ يتشكل فعليًا لنظام تعدد الأقطاب الدولية، ولدول الخليج علاقات متوازنة مع الدول الكبرى التي يتمحور حولها نظام تعدد الأقطاب ؛ الصين وروسيا وحتى الهند والاتحاد الأوروبي ومجموعة بريكس التي دعيت لها السعودية بالإضافة لعلاقات تاريخية مع الولايات المتحدة، ويمكن توظيف هذا التوازن في تحقيق المصالح العربية والإسلامية فالسعودية دولة مركزية في العالم الإسلامي فمكة المكرمة والمدينة المنورة مهد الإسلام وقبلة المسلمين، وبذلك لها دورها في العالم الإسلامي والعالم بأسره، وتعكس زيارة الرئيس الأمريكي ترامب للسعودية والإمارات وقطر في مايو الماضي وهي الزيارة الأولى له خارج الولايات المتحدة منذ توليه الرئاسة للفترة الثانية على عكس رؤوساء الولايات المتحدة السابقين الذين كانوا يختارون دولة أوروبية، أو كندا وهذا له رمزيته في أهمية الخليج العربي على مستوى العالم لأن رئيس أكبر دولة في العالم يكررها للمرة الثانية أن تكون زيارته الخارجية الأولى للمملكة العربية السعودية.
التحديات التي تواجه الدور الخليجي العالمي والإقليمي
إن تجربة مجلس التعاون الخليجي تجربة ناجحة، وتعزيز دور المجلس، هو تعزيز التضامن الخليجي في مختلف القضايا السياسية والاقتصادية والاستقرار الداخلي وتحدي العمالة الأجنبية ومع تجربة إيران واختراقها من قبل إسرائيل والتعاون الاستخباري بين الهند وإسرائيل، تبقى العمالة الهندية التي تجاوز عددها سبعة ملايين تشكل خطورة وتحتاج لتقليص عددها، كما أن الخطر الحقيقي للنظام الإقليمي العربي خطر المشروع الصهيوني، وأنه مشروع توسعي، ويحتاج لمواجهتة بتعزير العلاقات بين الدول الإقليمية ـ الدول العربية والإسلاميةـ فاستطاعت السعودية ودول الخليج تحقيق الاستقرار في سوريا وإخراج إيران وروسيا الاتحادية من وجودهما في سوريا والمحافظة على وحدة التراب السورية ، ويمكن لدول الخليج من خلال استثماراتها والمشاركة في التنمية في الدول العربية أن تعزز نفوذها وعلاقاتها مع جميع الدول العربية وكذلك مع الدول الإفريقية ـ العمق الاستراتيجي للدول العربية ـ.
وتستطيع الدول العربية والإسلامية تشكيل تجمعًا مهمًا للتأثير في النظام الدولي الجديد المتعدد الأقطاب من خلال التعاون السعودي التركي والإيراني وفي ظل عودة العلاقات التركية المصرية والتقارب الإيراني المصري واحتمال عودة العلاقات الدبلوماسية بينهما، كلها تسهم في الدور العربي الإسلامي مع دور إندونيسيا وماليزيا وباكستان وبنجلادش بعد سقوط الشيخة حسينة رئيسة بنجلادش وهروبها للهند، ويمكن من خلال التجمع أو التكتل في ظل منظمة التعاون الإسلامي مواجهة المشروع الصهيوني الذي يحتل الأراضي اللبنانية في الجنوب وهضبة الجولان وحرب الإبادة الجماعية في غزة واستيلاء المستوطنين الصهاينة على أراضي الضفة الغربية وهدم المنازل واقتحام المستوطنين للمسجد الأقصى ودعوى إقامة الهيكل المزعوم .
حاولت إسرائيل اللعب على التوتر في العلاقات الخليجية ـ الإيرانية، ولكن تعزيز العلاقات الخليجية ـ الإيرانية بعد المصالحة السعودية الإيرانية أحبط تلك المؤامرة الصهيونية التي تريد أن تبقى الدولة الوحيدة النووية في الشرق الأوسط ، وتهديد اليمين المتطرف للمنطقة العربية، وأن شن إسرائيل حملة عسكرية على إيران وجرها للرئيس ترامب بالمشاركة في الغارة على إيران يعكس ضعف إسرائيل واعترافها بأنها لا تستطيع تدمير المفاعل النووي لوحدها، ولخطورة المشروع الصهيوني التوسعي كونه يعمل على استثارة الأقليات الدينية والعرقية في العالم العربي والإسلامي لتوسيع عدم الاستقرار والتوتر في المنطقة، فدعمت إسرائيل الأكراد في العراق وإيران وتعاونت لانفصال جنوب السودان وتسعى لاختراق المغرب العربي من خلال العلاقة مع الأمازيغ في المغرب والقبائل في الجزائر وليس غريبًا أن يصرح ايتمار بن غفير أن أجداده - زورًا وبهتانًا - أسسوا مدينة مراكش وأنه في حالة انهيار إسرائيل يمكنهم العودة لمراكش هذا الخيال الذي يتبناه التيار الصهيوني المتطرف، ولعل الحرب الإسرائيلية على إيران أعطت درسًا لمدى العمل الإسرائيلي على اختراق البلدان العربية والإسلامية وتجنيد العملاء وهي وسيلة رئيسية في الاستراتيجية الإسرائيلية في تحقيق مشروعها، وإن كل عمليات التطبيع والسلام التي عقدت معها / لم تحد من أهداف المشروع الصهيوني، بل تعتبر شعارات السلام وسيلة للاختراق السياسي والاقتصادي والاستخباري ويحتاج التنبه لها، كما في الولايات المتحدة لا زال التأثير الصهيوني من خلال آيباك يؤثر على الكونغرس ومجلس الشيوخ، ولكن بارقة الأمل التي ظهرت مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي جعلت الشعوب الأوروبية والأمريكية على وعي بعدالة القضية الفلسطينية، كما أن محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية بقراراتهما في إدانة إسرائيل جعلت إسرائيل دولة مارقة في النظام الدولي، وحيث أن القانون الدولي وحقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها أصبح استثناء في سياسة الدول الكبرى وتبنيها ازدواجية المعايير في سياستها، وتصريحها إدانة سياسة إسرائيل ما هي إلا دعوى فارغة غير فعالة في إدانة حرب الإبادة الإسرائيلية، وتؤكد تمامًا أن القوة هي الأساس في العلاقات الدولية، وأن على الدول تفعيل مصادر قوتها المتعددة لتسخيرها لتحقيق مصالحها ولم يعد القانون الدولي ومنظمات حقوق الإنسان تجد نفعًا لتحقيق العدل والمساواة وحرية الشعوب، فالغرب ينظر للصراع من منظار حضاري وأن قوة الحضارة الإسلامية تمثل خطرًا عليه، ولذلك تحتاج الدول استغلال مصادر قوتها وأن تقف ضد احتكار الدول الكبرى للأسلحة الاستراتيجية فمن حق الدول حماية أمنها القومي بامتلاك السلاح الذي يحميها لتحقيق التوازن الاستراتيجي مع المشروع الصهيوني الذي يهددها سرًا وعلانية.






