array(1) { [0]=> object(stdClass)#14314 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 212

نقطة بداية هبوط القوة الأمريكية وصعود بوتين وقوة الاقتصاد الصيني ترسم ملامح النظام الدولي

الأربعاء، 30 تموز/يوليو 2025

يأتي هذا الموضوع في إطار عمل جماعي عن سيطرة القوة على العلاقات الدولية وتراجع القانون الدولي والمنظمات الأممية، وتركز هذه الورقة على مفارقة ذات شقين، أولهما بين كون القوة هي بالفعل العامل الأساسي صاحب السيادة في التفاعلات الدولية من ناحية، وبين أن لهذه القوة حدودًا إن تجاوزتها بَطُل تأثيرها وانقلب إلى ضده من ناحية أخرى، والشق الثاني أن القوة الصلبة بدون قوة ناعمة تكون مصدرًا لعدم استقرار مُسْتدام في العلاقات الدولية، بمعنى أن هزيمة العدو دون التوصل لترتيبات معقولة يمكن أن تكون بداية لتطورات جديدة تنجم عن أفعال يقوم بها هذا العدو لتصحيح الخلل في وضعه الذي نجم عن الهزيمة، ولذلك سوف تنقسم هذه الورقة لقسمين يحاول أولهما أن يؤسس نظريًا لأولوية القوة وسيادتها في العلاقات الدولية، ثم قسم ثان يشرح انطباق المقولة النظرية التي تم التأسيس لها على تطور الصراع على قمة النظام الدولي منذ الحرب الأولى وحتي نهاية الحرب الباردة، على أن تُختتم الورقة بمحاولة للتأمل في نموذج القيادة الأحادية الأمريكية للنظام الدولي الذي خلف نظام القطبية الثنائية ومآله.

 

أولًا-تمهيد نظري

 

الدرس الأول لمقرر عن العلاقات الدولية يتضمن كلمتين مفتاحيتين لفهم العلاقات الدولية وتفاعلاتها مهما تعددت النظريات والمناهج وتراكمت وأُضيف إليها الجديد تحت مسميات مختلفة، وهما "القوة" و"المصلحة"، فمصالح الفاعلين الدوليين، أي القوى المؤثرة في الساحة الدولية، وهي أساسًا الدول، تحدد أهدافها في أي تفاعل تنخرط فيه، أما "القوة" فهي التي تحدد ما الذي يستطيعه فاعل دولي ما أن يحققه من الأهداف التي تُبْنى على مصالحه، ويُلاحظ أن هذا الحكم في مجال علم السياسة ينطبق بصفة خاصة على فرعه المتعلق بالعلاقات الدولية وليس السياسة الداخلية، ذلك أنه على الرغم من أهمية القوة بشتى صورها وأشكالها في التفاعلات السياسية الداخلية إلا أن وجود سلطة مركزية تحتكر القوة، بمعنى إمساكها بخيوط القوات المسلحة وقوات الأمن في الدولة يجعل الحديث عن فرض الحق عن طريق سلطة الدولة ممكنًا ، بينما يسود قانون الغاب بصفة عامة في الساحة الدولية لغياب هذه السلطة المركزية، ومن هنا تكون القوة في هذه الساحة هي معيار الحق، وليست أي قاعدة قانونية دولية.           

   رغم الأفكار الخاصة بمحورية القوة في العلاقات الدولية قد طُرِحت من مفكرين عديدين عبر الزمن إلا أن أعمال هانز چي مورجانثاو عالم السياسة الأمريكي الألماني الأصل (١٩٠٤-١٩٨٠م) تُعتبر على نطاق واسع التأسيس الحقيقي للمدرسة الواقعية في العلاقات السياسية الدولية التي يمكن القول بأنها مازالت صاحبة السيادة في تحليل هذه العلاقات، رغم كل ما طُرح بعدها من مقاربات أخرى، كالمدرسة الليبرالية مثلًا التي تعتبر التفاعلات التعاونية بين الفاعلين الدوليين الناجمة عن "التوافق" (الاعتماد المتبادَل) مدخلًا بديلًا لفهم التفاعلات السياسية الدولية، ففي كل موقف تواجهت فيه المدرستان كان السبق للمدرسة الواقعية، وآخر الأمثلة في هذا الصدد الحرب التي تفجرت في أوكرانيا في٢٠٢٢م، وانعكاساتها على العلاقات الروسية-الأوروبية التي كانت تشهد حالة من التوافق (الاعتماد المتبادل) الكثيف في مجال الطاقة لم تصمد أمام التهديد الذي مثلته هذه الحرب بالنسبة للدول الأوروبية والتحالف الغربي.

   وقد ضَمَّن مورجانثو نظريته عن القوة في كتابه الشهير "السياسة بين الأمم: الكفاح من أجل القوة والسلام" ، ويلاحظ أن هذا الكتاب قد نُشِر في عام١٩٤٨م، أي أن تأليفه قد تم في ظل التفاعلات شديدة العنف التي انطوت عليها الحرب العالمية الثانية، والتي كانت بالتأكيد مُعَززة للأفكار الأساسية الواردة في الكتاب عن القوة وأولويتها في التفاعلات السياسية الدولية، إذ أن مفاد هذا الكتاب التأسيسي أن القوة هي محور العلاقات الدولية، لأنها السبيل المضمون لتحقيق الدول مصالحها، ولذلك فإن كل الدول تسعى لزيادة قوتها، وبناء على القدرات المختلفة للدول في هذا الصدد تتشكل موازين للقوى سواءً على الصعيد العالمي أو الإقليمي، فإذا انطوت هذه الموازين على حالة من التوازن بَعُد شبح الحرب، وزادت فرص السلام، أما إذا اتسمت بالاختلال فإن هذا يشجع على التوظيف الفعلي للقوة في أعمال عسكرية جزئية أو شاملة، ومن هنا يختل السلم والأمن العالميين أو الإقليميين أو كلاهما، ويوضح هذا فحوى النهج الواقعي لنظرية مورجانثو في النظر إلى السلام وكيف يتحقق، فهو أقرب ما يكون إلى التحقق عندما تتوازن القوى، والعكس صحيح، وبطبيعة الحال فإن القوى ذات الأيديولوجيات التوسعية تسعى لزيادة قوتها بما يصل بها إلى حالة الخلل في التوازن لصالحها فتقدم على الأعمال العدائية وتفجير الحروب، وقد تخطئ في حساباتها فتواجه تعقيدات هائلة وصولًا إلى الهزيمة، وقد تنجح فترتفع مكانتها في التراتبية الدولية، ويلاحظ أن موازين القوى لا تتسم بالجمود نتيجة ما سبقت الإشارة إليه من سعي جميع الفاعلين الدوليين لزيادة قوتهم، وهو ما سيتضح في سياق التحليل التالي، وقد يتصور البعض بسبب التركيز الواضح من قِبَل مورجانثو على القوة والصراع من أجل زيادتها أنه أغفل التفاعلات التعاونية بين الدول تمامًا، وهو تصور غير صحيح، لأنه تناولها في كتابه، ولكنه كان متسقًا مع نهجه، فاعتبر محاولات الاندماج بين الدول صورةً من صور سعيها لزيادة قوتها، ونظر إلى نجاح هذه المحاولات واستدامتها من منظور توازن القوى بينها وبين بيئتها الخارجية، وكذلك من منظور توازن القوى بين مكوناتها، فإذا كان التوازن مع الخارج في غير صالحها أخفقت والعكس صحيح، وإذا طغى مكون من مكوناتها على باقي المكونات تهدد استقرارها، وقد يصل بها الأمر للتفكك، ومن المثير على سبيل المثال تطبيق هذا النهج على تجربة الوحدة بين مصر وسوريا (١٩٥٨-١٩٦١م).

   والخلاصة أن مورجانثو قدم في كتابه الشهير نظرية تفسيرية شاملة للتفاعلات الدولية بشقيها الصراعي والتعاوني تستند إلى مفهوم أساسي هو مفهوم القوة، ويستطيع المتابع للسياسة الخارجية الأمريكية في كافة مراحلها منذ برزت الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية باعتبارها قوة عظمى تقود التحالف الغربي أن يُلاحظ البصمات الواضحة لنظرية مورجانثو على هذه السياسة، ويوضح التحليل التالي كيف أن هذه النظرية قد أثبتت جدارتها بشواهد تجريبية عبر الزمن على الساحتين العالمية والإقليمية.

 

ثانيًا-القوة والسباق نحو القمة

 

(من الحرب الأولى إلى نهاية الحرب الباردة)

   لا يُظَهِر جدارة فكرة سيادة القوة وحدودها في التفاعلات السياسية الدولية مثل متابعة السباق بين القوى الكبرى في الساحة الدولية نحو قمة النظام الدولي، وسوف يتخذ هذا التحليل من الحرب العالمية الأولى (١٩١٤-١٩١٨م) نقطة بداية، مع أن تاريخ العلاقات الدولية قبلها يقدم نفس الدلالات، وذلك تجنبًا للإطالة ولأن أكثر من قرن من الزمان كافٍ بالتأكيد للتحقق من الفروض الأساسية للتحليل، وقد تفجرت الحرب العالمية الأولى بغض النظر عن أسبابها المباشرة بين معسكر من يملكون وهم الحلفاء، وأهمهم بريطانيا وفرنسا اللتان كان لهما السبق في الثورة الصناعية والتوسع الاستعماري، ودول المركز وأهمها ألمانيا ومعها أساسًا الإمبراطورية النمساوية المجرية والدولة العثمانية، وكانت ألمانيا قد تأخرت على صعيد الثورة الصناعية والتوسع الاستعماري، فذهب نصيب الأسد من المستعمرات لبريطانيا وفرنسا، وكان تفسير لينين زعيم الثورة الروسية التي تفجرت في سياق الحرب (١٩١٧م) أن العالم قد تم اقتسامه لصالح القوى الكبرى في معسكر الحلفاء، فلم يكن هناك مفر من إعادة اقتسامه بالقوة، وقد ارتبط تطوران مهمان بالحرب العالمية الأولى، أولهما كما سبقت الإشارة تفجر الثورة البلشفية ضد النظام القيصري في روسيا، وتوقيع لينين معاهدة برست ليتوفسك (١٩١٨م) مع دول المركز، وبموجبها خرجت روسيا من معسكر الحلفاء، وقدمت تنازلات إقليمية هائلة لكل من ألمانيا والدولة العثمانية، وكان لينين نفسه هو من وصفها بأنها أكثر المعاهدات إذلالًا، لكنها السبيل الوحيد لبناء الاشتراكية في روسيا، وذلك في مواجهة نهج رفيقه تروتسكي الذي كان ينادي بــ "الثورة الدائمة"، أي اتخاذ نجاح الثورة في روسيا نقطة الانطلاق لنشر الثورة خارجها، وهو ما كان لينين يعارضه على أساس أن موازين القوى آنذاك لم تكن لتسمح لروسيا بذلك، وقد أثبتت التطورات سلامة نهج لينين الذي تابعه خليفته ستالين، ونجح في الخروج بالاتحاد السوڤيتي من الحرب العالمية الثانية قوة عظمى رغم ما تكبده من خسائر مادية وبشرية فادحة في مواجهة الغزو النازي لبلاده، وهو أول مثال واضح على الحركية التي تتسم بها موازين القوى الدولية عبر الزمن.

   وقد انتهت الحرب كما هو معروف بهزيمة دول المركز وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية والدولة العثمانية، أما ألمانيا فقد فُرِضت عليها تنازلات إقليمية عديدة، وتقاسم المنتصرون مستعمراتها، وتضمنت تسويات الحرب قيودًا بالغة الصرامة على الآلة العسكرية الألمانية، لمنع ألمانيا من إشعال حرب عالمية ثانية، فضلًا عن دفع تعويضات مالية باهظة لبعض البلدان، فماذا كانت نتيجة هذه الترجمة المفرطة لنتائج توظيف القوة دون اعتبار للعوامل الأخرى؟ لقد أدى هذا كله إلى شعور بالإذلال لدى الشعب الألماني، واعتبره كثير من المحللين العامل الرئيسي لصعود هتلر مستشارًا لألمانيا في١٩٣٣م، ثم انفراده بالسلطة في١٩٣٤م، بعد وفاة الرئيس الألماني هيندنبورج في أغسطس١٩٣٤م، وتم تحدي تسويات الحرب العالمية الأولى تمامًا، وإعادة بناء القوة العسكرية الألمانية لتستعيد مكانتها العالمية على النحو الذي فجر الحرب العالمية الثانية التي شهدت أهوالًا لا تُقارن بسابقتها، وترتبت على هذه الحرب نتائج بالغة الأهمية بالنسبة لموضوعنا، فمن ناحية قدمت مثالًا واضحًا لفكرة حدود القوة، فقد بلغ الغرور بهتلر الدرجة التي جعلته يقرر غزو الاتحاد السوڤيتي في يونيو١٩٤١م، رغم توقيعه معاهدة عدم اعتداء معه في أغسطس١٩٣٩م، ويُلاحظ أن أحد مستشاري هتلر نصحه بألا يكرر الخطأ الذي وقع فيه نابليون بغزوه روسيا في يونيو١٨١٢م، الذي انتهى بعد أقل من ٦شهور بانتصار روسي حاسم، فمن المعروف عن الروس أن استراتيجيتهم العسكرية تقوم على "شراء الوقت بالأرض"، بمعنى أنهم يستغلون المساحة الشاسعة لأراضيهم في استدراج عدوهم إلى عمق هذه الأراضي، ثم يقومون بالإجهاز عليه بعد إنهاكه، خاصة وأن المعارك التي حسمت هزيمة الغزو الفرنسي قد تزامنت مع حلول فصل الشتاء، وقد تكرر جوهر نموذج مغامرة نابليون الفاشلة مع الغزو النازي، بعد أن تكبد الاتحاد السوڤيتي خسائر بشرية ومادية غير مسبوقة، لكنه تمكن من إعادة بناء قوته في غمار الحرب، بحيث خرج منها قوة عظمى أنجزت مهمة تحرير أوروبا الشرقية من الغزو النازي، ومكنت الحكم الشيوعي في بلدانها، ووصلت قواتها إلى العاصمة الألمانية ذاتها، والخلاصة من ناحية أن الحرب العالمية الثانية أثبتت في أحد مساراتها فكرة أن لكل قوة حدودًا، فقد شهدت صعود القوة الألمانية بقيادة هتلر وانكسارها، عندما تجاوزت نطاق قدرتها، وإن تحققت هذه النتيجة بتكلفة باهظة، ومن ناحية أخرى أن توظيف القوة عملية تتصف بالحركية (الديناميكية)، بمعنى أن سقوط ألمانيا النازية تزامن معه صعود القوة السوڤيتية، ولم يكن هذا سوى بعد واحد من  أبعاد التداعيات التي أفضت إليها تفاعلات القوة في الحرب العالمية الثانية.

 

   ذلك أنه من ناحية ثانية انتصر الحلفاء في الحرب، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، وبدا كما لو أن القيادة الجديدة للنظام الدولي سوف تكون محصورة في القوى المنتصرة التي تضم بالإضافة للولايات المتحدة والاتحاد السوڤيتي كلًا من بريطانيا وفرنسا، وقد انعكس هذا في ميثاق الأمم المتحدة الذي مَكَّن هذه القوى، بالإضافة للصين، التي أُضيفت لإضفاء طابع العالمية على القيادة الدولية الجديدة، من السيطرة على مجلس الأمن بقصر حق الاعتراض (الڤيتو) عليها، غير أن الساحة الدولية لا تعترف بالترتيبات القانونية، فسرعان ما تبين أن القيادة الفعلية آلت إلى قوتين اثنتين فحسب هما الولايات المتحدة والاتحاد السوڤيتي فيما عُرف لاحقًا بنموذج "القطبية الثنائية"، فقد اتضح من التفاعلات التالية لنهاية الحرب أن كلًا من بريطانيا وفرنسا لم تعد لديهما القدرة على الاضطلاع  بوظيفة قيادية في النظام الدولي، بعد أن استُنْزِفَت قدراتهما في غمار الحرب، وكانت آخر محاولاتهما للحفاظ على دور قيادي في التفاعلات الدولية هي العدوان الثلاثي الفاشل على مصر١٩٥٦م، بالتواطؤ مع إسرائيل، فقد ظهر من هذا العدوان أن القوتين الفاعلتين دوليًا في حسم الصراع هما الولايات المتحدة والاتحاد السوڤيتي، الأولى بإجبارها إسرائيل على الانسحاب من سيناء وقطاع غزة ١٩٥٧م، والثانية بالإنذار السوڤيتي الشهير الذي وُجه للمعتدين أثناء العدوان، وهكذا تبلور نظام القطبية الثنائية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وإن ظل ميزان القوى بين القوتين يميل لصالح الولايات المتحدة بسبب تفوقها الجوي ودلالاته بالنسبة لتفعيل الخيار النووي إلى أن استيقظ العالم في ٤أكتوبر١٩٥٧م، على نبأ إطلاق الاتحاد السوڤيتي لأول قمر صناعي في مدار حول الأرض، وكان المغزى العسكري لهذا الحدث بديهيًا، فمن يستطيع إيصال قمر صناعي إلى مدار حول الأرض بمقدوره توصيل رؤوسه النووية إلى أي بقعة على الأرض، وهكذا ترسخت حقيقة التوازن بين القطبين، وتبلورت قواعد اللعبة الدولية تحت قيادتهما في ظل ما سُمي بتوازن الردع أو الرعب النووي، فلا مواجهة مباشرة بين العملاقين، ولا عدوان لأي منهما على دولة تنتمي رسميًا لمعسكر الطرف الآخر، وإنما هو سعي محموم لزيادة القوة والنفوذ بوسائل أخرى كالحروب بالوكالة، أي الحروب بين قوتين إقليميتين تكون إحداهما قريبة من المعسكر الغربي الرأسمالي والثانية قريبة من المعسكر الشرقي، بحيث يُحْسَب انتصار أحداهما للمعسكر الذي تنتمي إليه.

   وقد أفضت حالة التوازن هذه إلى انفراج في العلاقة بين القطبين في مطلع سبعينات القرن الماضي، ثم أشاعت الهزيمة الأمريكية في حرب ڤيتنام مناخًا من الاعتقاد بأن المعسكر الشرقي في طريقه للانتصار في هذه المواجهة التاريخية، غير أنه سرعان ما أثبتت الولايات المتحدة قدرتها على التكيف، وحدث العكس تمامًا في تطور موازين القوى بين العملاقين، فأدت سياسة تسريع سباق التسلح التي اتبعها الرئيس الأمريكي رونالد ريجان (١٩٨٠-١٩٨٨م) إلى تفاقم المشكلات الداخلية للاتحاد السوڤيتي، وكان وصول ميخائيل جورباتشوف لقمة السلطة السوڤيتية في١٩٨٥م، بداية لمرحلة إصلاح تصور الكثيرون أنها قد تكون سبيلًا لتخليص الاتحاد السوڤيتي من مشاكله، وكان قوامها ما سُمي بالبروسترويكا أي أعادة البناء في إطار من الشفافية أو العلانية (الجلاسنوست)، ويمكن القول بأن أحد مقومات البروسترويكا كان حقن النظام السوڤيتي بعنصر ليبرالي سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي، كذلك تبنى جورباتشوف سياسة خارجية خرجت على مألوف تقليد السياسة الخارجية السوڤيتية التي أُسِسَت على تكييف العلاقة بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي باعتبارها علاقة صراعية، أما جورباتشوف فقد رفع شعار "عالم واحد أو لا عالم"، بمعنى أن العالم بمعسكريه الغربي والشرقي يواجه مخاطر مشتركة مثل احتمالات الفناء النووي وتحديات التغيرات المناخية وأوبئة العصر، ومن ثم فإن التعاون بين الجميع لمواجهة هذه المخاطر هو الخيار الأمثل، وليس سباقات التسلح أو سياسات المواجهة، وفي إطار هذه السياسة أمكن التوصل لخطوات حقيقية على صعيد تخفيض التسلح على سبيل المثال، وكان الفضل الأساسي في هذا الإنجاز راجعًا لمبدأ "الدفاع الكافي" الذي تبناه جورباتشوف، وهو ما سهل التوصل لإنجازات حقيقية على صعيد الحد من الأسلحة الاستراتيجية، غير أن تجربة جورباتشوف باءت بالفشل، وانتهت بتفكك الاتحاد السوڤيتي ذاته في١٩٩١م، سواء نتيجة لعوامل الضعف الداخلي التي أخفق جورباتشوف في تطبيق نهجه الذي بدا واعدًا لعلاجها، أو للعوامل الخارجية التي تمثلت سواء في استدراج الاتحاد السوڤيتي لسباق تسلح كان واضحًا أنه لم يكن مناسبًا لقدراته آنذاك التي لا شك أن التدخل في أفغانستان١٩٧٩م، لحماية نظامها الشيوعي قد زاد من استنزافها، أو في تدخل خارجي غير مباشر لإذكاء النزعات الانفصالية لدى بعض جمهوريات الاتحاد، وهكذا انتهت حقبة نظام القطبية الثنائية، وحل محلها نموذج القيادة الأحادية الأمريكية بانهيار القوة السوفيتية من الداخل على نحو غير مسبوق، أي بدون حرب كبرى كالحربين العالميتين الأولى والثانية، وهو ما يلفت إلى أن مفهوم القوة ليس عسكريًا فحسب، وإنما هو مفهوم شامل له أبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

 

خاتمة

نموذج الأحادية القطبية ومآله

   بعد تفكك الاتحاد السوڤيتي أصبحت الساحة الدولية مهيأة لنموذج أحادي القيادة بيد الولايات المتحدة، وساعد على ذلك أن روسيا قد شهدت عقدًا من التدهور المتسارع في ظل قيادة يلتسين، وأن الصين لم تكن قد وصلت بعد إلى ما وصلت إليه الآن من تقدم اقتصادي وعسكري وتكنولوجي، فضلًا عما هو معروف من أن الاتحاد الأوروبي لم يشكل يومًا قطبًا فاعلًا مستقلًا عن السياسة الأمريكية، وفي هذا الإطار راجت مقولات ساذجة كمقولة "نهاية التاريخ" التي لم تأخذ في اعتبارها جدل التاريخ الذي شهد صعود وهبوط إمبراطوريات وقوى عظمى وكبرى عبر مراحله المختلفة، وفي هذا الإطار تصرفت الولايات المتحدة بالفعل باعتبارها القوة الأحادية التي لا راد لإرادتها وقرارها، ويعتبر القرار الأمريكي بغزو العراق٢٠٠٣م، أوضح الأمثلة في هذا الصدد، ذلك أن الغزو الأمريكي لأفغانستان٢٠٠١م، عقابًا لها على احتضان تنظيم القاعدة المسؤول عن أحداث سبتمبر٢٠٠١م، قد تم بموجب قرار من مجلس الأمن، أي أنه تعبير عن إرادة أممية، أما غزو العراق فقد تحدت به الولايات المتحدة إرادة مجلس الأمن الذي رفض تفويضها في القيام بعمل عسكري في العراق من تلقاء نفسها إذا قدَّرَت مخالفته لقرارات مجلس الأمن، ومع ذلك فإنه يمكن اعتبار هذا القرار الذي يمثل ذروة القوة الأمريكية نقطة بداية في هبوطها، فمن ناحية تصاعدت المقاومة العراقية وفقًا للخبرة التاريخية الخاصة بجدل الاحتلال/المقاومة، وكبدت القوات الأمريكية خسائر مؤثرة، ناهيك بما نُسِب للقوات الأمريكية من ممارسات انتهكت حقوق الإنسان على نحو صارخ، وكان لهذا أصداؤه السلبية بالذات لدى الرأي العام الأمريكي، واضطُر الرئيس باراك أوباما لسحب معظم قواته من العراق في٢٠١٠م، ويُضاف لهذا الاستنزاف الذي استمر ٢٠عامًا للقوات الأمريكية في أفغانستان، حتى اضطُر الرئيس ترامب في ولايته الأولى للاتفاق مع حركة طالبان في٢٠٢٠م، وهو الاتفاق الذي سلم أفغانستان لطالبان من الناحية العملية، وقد حدث هذا بالفعل بعد الانسحاب الأمريكي في السنة التالية، وهي أول سنوات ولاية جو بايدن، ومن ناحية ثانية شهد مطلع القرن الحالي صعود فلاديمير بوتين لقمة السلطة في روسيا، وبداية عمل جاد لإعادة بناء قوتها بالمعنى الشامل ومكانتها الإقليمية أولًا في محيط الاتحاد السوڤيتي السابق، كما اتضح من تدخله في أحداث جورجيا٢٠٠٨م، وضمه لشبه جزيرة القرم التابعة لأوكرانيا٢٠١٤م، ثم مكانتها العالمية بالتدخل الروسي العسكري المباشر لحماية نظام الأسد٢٠١٥م، وأخيرًا بالعملية العسكرية ضد أوكرانيا٢٠٢٢م، التي أرادت التمرد على الفلك الروسي والالتحاق بالمنظومة الغربية، ومن ناحية ثالثة استمر القطار الصيني في رحلة صعوده اقتصاديًا، حتى بات الاقتصاد الصيني متفوقًا على نظيره الأمريكي في بعض الأبعاد، ويتوقع له بعض المحللين أن يحل محله كالاقتصاد الأول في العالم بحلول منتصف القرن، كما أن الصين حققت نموًا مطردًا في قوتها العسكرية جعلها الثالثة عالميًا، ومازالت تسعى لمزيد من تنميتها.

مقالات لنفس الكاتب