منذ انهيار الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة في عام 1991م، دخلت العلاقات الدولية في طور جديد اتسم بانفراد الولايات المتحدة في إدارة النظام الدولي وغياب قوى موازنة لها حتى نهاية الحقبة الأولى من القرن الحادي والعشرين عندما ازداد الدور الدولي لروسيا والصين. وتلى ذلك، تصاعد لجوء القوى الكبرى-وغيرها -لاستخدام القوة في حل خلافاتهم وصراعاتهم مع الدول الأخرى، وإهدار مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، والأطر المؤسسية للنظام الدولي متعدد الأطراف.
فهل تعتبر العشر سنوات الأخيرة ظاهرة مؤقتة ترتبط بمرحلة محددة من التاريخ الأمريكي، وترتبط بتولي الرئيس دونالد ترامب الحُكم في عامي 2017 و2025م؟ أم أنها تمثل انعكاسًا لتحولات بنائية طويلة المدى في هيكل النظام الدولي وقواعده؟ يسعى هذا المقال إلى استعراض السياق التاريخي لتبلور ظاهرة عدم احترام القانون الدولي، ومواقف الدول الكبرى الثلاث أمريكا وروسيا والصين تجاهه، ويعرض لنماذج من استخدام القوة خارج إطار الشرعية الدولية، ودور مؤسسات النظام الدولي في هذا السياق.
أولًا: السياق
شهد العقد الأخير تبلور مجموعة من التحولات السياسية الدولية التي أثرت سلبًا على مدى احترام الدول للقانون الدولي. وأريد أن أركز على ثلاثة تحولات هي: صعود النزعات الشعبوية في الدول الصناعية المتقدمة، وازدياد منافسة الصين وروسيا لهيمنة الولايات المتحدة، وازدواجية المعايير.
تصاعد نفوذ الأحزاب والحركات الشعبوية في أغلب الدول الأوروبية، فزاد عدد ممثليها في البرلمانات الوطنية والمجالس المحلية، وانضمت إلى الائتلافات الوزارية الحاكمة، وتولى أحد ممثليها منصب رئاسة الوزراء في إيطاليا. أضف إلى ذلك، وصول ترامب إلى الحكم الذي تعتبره الاتجاهات الشعبوي في العالم "الأب الروحي" لها. ورافق ذلك، التشكيك في مؤسسات النظام الدولي، والتوجه نحو العولمة وأفكار الاعتماد الاقتصادي المتبادل وقيم التسامح مع الآخر المختلف دينيًا وقوميًا.
تبنى عديد من القيادات الشعبوية خطابًا سياسيًا انتقد فيه مؤسسات النظام الليبرالي الدولي وقيمه، واعتبرت أن الالتزامات التي تفرضها هذه المؤسسات قد تتعارض مع المصالح الوطنية للدولة. فرفع الرئيس ترامب شعار "أمريكا أولا"، و"استعادة عظمة أمريكا مًجددَا"، واتخذ قراراته بالانسحاب من اتفاق باريس للمناخ ومنظمة الصحة العالمية ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. وهو تحول أساسي، إذا أخذنا في الاعتبار أن الولايات المتحدة لعبت الدور الرئيسي في بناء تلك المؤسسات الدولية بعد الحرب العالمية الثانية.
هناك عامل آخر، وهو ازدياد منافسة الصين وروسيا لواشنطن وقيامهما بدور أكبر على الساحة الدولية. فمن ناحية، استمر صعود الاقتصاد الصيني بشكل متدرج وحثيث لمنافسة هيمنة الاقتصاد الأمريكي على الاقتصاد الدولي، وأصبحت بحق "مصنع العالم" الذي تغزو منتجاته أسواق جميع الدول لجودتها ورخص أسعارها مقارنة بمنتجات الدول الصناعية الغربية بما في ذلك أمريكا. ومن ناحية أخرى، فبعد سنوات من حكم الرئيس بوتين أعادت روسيا تنظيم قدراتها وبرزت كفاعل دولي يسعى لاستعادة بعضًا من نفوذ الاتحاد السوفيتي القديم، ولكن بطرق وأشكال جديدة.
رافق ذلك، انتقاد موسكو وبكين لبعض جوانب عمل مؤسسات النظام الدولي الراهن التي تقوم على عدم المساواة بين الدول. كما انتقدت تسيس القانون الدولي الذي قادته واشنطن، والتركيز على مفاهيم مثل "حق التدخل الإنساني"، و "مسؤولية الحماية" التي بررت تدخلها في شؤون بقية دول العالم بدعوى احترام حقوق الإنسان وحماية الأقليات، ودعت إلى إقامة نظام دولي أكثر عدلًا وإنصافًا ومساواة واحترامًا لسيادة الدول. أدى ذلك إلى تغير في ميزان القوى المادي والفكري، وشعور أمريكا والدول الغربية بجسامة التحديات القادمة من موسكو وبكين والشعور بأن مرحلة الأحادية القطبية على وشك الانتهاء، وهو ما يجب على وقفها وتعطيلها.
وهناك ممارسة الدول الكبرى لازدواجية المعايير والانتقائية في تطبيق القانون الدولي. من أبرز صور ذلك، سلوك الدول الغربية تجاه الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة من عام 1967م، وسلسلة وقائع العدوان على الشعب الفلسطيني وحرمانه من حقه في تقرير مصيره وفقا لقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة.
أدت هذه العوامل الثلاثة إلى مزيد من الاضطراب في النظام الدولي، وعدم الاقتناع بعدالة سلوك الدول الكبرى والمؤسسات الدولية التي تسيطر عليها، وازداد لجوء الدول إلى القوة والحلول الأحادية بدلا من الدبلوماسية متعددة الأطراف. وترتب على ذلك، إضعاف أو تعطيل مؤسسات النظام الدولي المسؤولة عن تطبيق مبادئ القانون الدولي وقواعد الشرعية الدولية.
أدى ذلك في حالة مجلس الأمن إلى تعطيل دوره بسبب استخدام حق النقض (الفيتو) وتجاوز الدول الكبرى للأطر الجماعية. فمع أن المجلس هو الجهة الرئيسية التي أوكل لها ميثاق الأمم المتحدة مسؤولية التصدي لحالات العدوان من جانب دولة ضد أخرى واتخاذ الإجراءات الكفيلة بردعه ومنعه، بما في ذلك استخدام القوة المسلحة وفقًا للباب السابع من الميثاق، وذلك حفاظًا على السلم والأمن العالمي، فقد عجز المجلس عن القيام بهذا الدور بسبب الانقسامات بين الدول الخمس التي تمتلك حق النقض، واستخدام إحداها له لمنع اتخاذ المجلس للقرار في إحدى القضايا الدولية المعروضة أمامهم. ومن أمثلة ذلك، استخدام روسيا –وبمشاركة الصين أحياناً-هذا الحق في وقف القرارات المتعلقة بسوريا منذ عام 2011م. واستخدام روسيا لهذا الحق في منع أي قرار بشأن حربها في أوكرانيا. وفي المقابل، استخدمت أمريكا حق الفيتو بشكل منتظم لمنع أي قرار لإدانة إسرائيل في المجلس. وادى هذا وذاك إلى تعطيل أعمال المجلس.
وإزاء هذا الفشل، لجأت الجمعية العامة إلى استخدام قرار" الاتحاد من أجل السلام" لبحث الموضوعات التي فشل مجلس الأمن في اتخاذ قرار بشأنها، وهو القرار الذي صدر في عام 1956م، إبان العدوان الثلاثي على مصر، واستخدام بريطانيا وفرنسا حق النقض لمنع المجلس من التدخل لوقف العدوان. وبتوافق أمريكي سوفيتي، أصدرت الجمعية العام هذا القرار الذي يجيز لها النظر في الأزمات الدولية في حالة فشل مجلس الأمن في معالجتها وإصدار قرارات بشأنها. ولكن خلافًا لمجلس الأمن، فإن ما تصدره الجمعية العامة من قرارات ليس له قوة إلزامية.
في هذا السياق، ناقشت الجمعية العامة للأمم المتحدة القضايا الساخنة، كالحرب في أوكرانيا والعدوان الإسرائيلي على غزة، وأصدرت قرارات بأغلبية كبيرة تصل أحيانًا إلى ثلثي عدد الأعضاء، مما يعني تعبيرها عن الضمير العالمي ولكنها لم تدخل حيز التنفيذ لطابعها غير الإلزامي. وأدى ذلك، إلى تراجع مصداقية نظام الأمن الجماعي للأمم المتحدة، وتقويض ثقة الدول المتوسطة والصغيرة في جدوى هذا النظام وبحثها عن سبل أخرى لضمان أمنها، وشجع دول أخرى على إقامة تحالفات لتحقيق أهداف معينة خارج نطاق الأمم المتحدة، كالتحالف الدولي ضد الإرهاب.
أما بخصوص محكمة العدل الدولية وهي إحدى فروع الأمم المتحدة التي أنشئت بمقتضى الميثاق، وتتولى الفصل في النزاعات القانونية بين الدول من خلال أحكام ترفعها إلى مجلس الأمن لتنفيذها، وكذا تقديم آراء استشارية في المسائل التي تعرض عليها، فإن عدم الامتثال لأحكامها وآرائها أدى إلى إضعاف الثقة في النظام القضائي الدولي. وعلى سبيل المثال، ففي عام 2018م، أصدرت المحكمة أمرًا إلى الولايات المتحدة يقضى برفع بعض العقوبات عن إيران لأسباب إنسانية، وذلك وفقًا لاتفاقية وقعتها واشنطن مع إيران في عهد الشاه وكانت مبرر ولاية المحكمة على الموضوع، وكان رد أمريكا لعدم تنفيذ الأمر هو انسحابها من هذه الاتفاقية. وفي عام 2022م، أصدرت المحكمة أمرًا ملزمًا إلى روسيا بوقف أعمالها العسكرية في أوكرانيا، ولكن موسكو لم تلتزم به. وفي عام 2024م، أصدرت أوامر احترازية ضد إسرائيل في الدعوة التي أقامتها جنوب إفريقيا واتهامها إسرائيل بتهمة ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية، وهي الأوامر التي تجاهلتها إسرائيل بدعم أمريكي.
وينطبق نفس الحال على المحكمة الجنائية الدولية التي أنشئت بمقتضى اتفاقية روما عام 1998م، وتسعى لمحاسبة المسؤولين عن انتهاك القانون الدولي الإنساني وارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، ولكن اعترض عملها عدة عقبات، منها: رفض الدول الكبرى-أمريكا وروسيا والصين-الاعتراف باختصاصها وعدم الانضمام إليها، وسعت أمريكا لإخراج رعاياها من ولاية المحكمة فتقدمت بطلب إلى مجلس الأمن في يونيو 2002م، بمنح رعاياها حصانة ضد ملاحقة المحكمة. وفي سبتمبر من نفس العام، صدر قانون أمريكي يقضي بمنع الأجهزة والهيئات الأمريكية من التعاون مع المحكمة، ومنعها من القيام بأي إجراء في الأراضي الأمريكية. ثم سعت لإبرام اتفاقيات مع دول العالم، تتضمن التزام الدولة الأخرى بعدم تسليم أو نقل المواطنين الأمريكيين المتهمين بجرائم ضد الإنسانية أو جرائم حرب إلى المحكمة
ومنها، عدم التزام الدول الأعضاء فيها بأوامرها وتحدي قراراتها، ومن ذلك استقبال المجر لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مارس 2025م، رغم صدور مذكرة من المحكمة في نوفمبر 2024م، بتوقيفه والتحفظ عليه لاتهامه بجرائم ضد الإنسانية في الحرب في غزة.
وبلغ الأمر مداه، عندما فرض الرئيس ترامب في 2020م، عقوبات على مسؤولي المحكمة لمنعهم من التحقيق في أي جرائم حرب تتصل بأمريكا وإسرائيل. ومثّل ذلك، هجومًا مباشرًا على هيبة القضاء الدولي واستقلاله. جدير بالذكر، أن المحكمة أصدرت مذكرة توقيف ضد الرئيس الروسي بوتين في 2023م، بتهمة ارتكاب جريمة حرب بشأن الترحيل القسري لأطفال أوكرانيين، وهو ما رفضته موسكو وتجاهلته تمامًا.
وكل ما تقدم يشير إلى عدم قدرة المؤسسات القضائية الدولية على القيام بأعمالها، ومحاسبة المنتهكين للقانون والمعاهدات الدولية الخاضعة لولايتها.
ثانيًا: الدول الكبرى والقانون الدولي
إن المتابع لمواقف الدول الكبرى تجاه مبادئ القانون الدولي، يلاحظ وجود بونًا كبيرًا بين الأقوال والأفعال، وخصوصًا الالتزام بقواعد القانون الدولي المنظمة لاستخدام القوة في العلاقات الدولية وفض المُنازعات بالطرق السلمية.
فاذا بدأنا بالولايات المتحدة، نجد أن مواقفها أصبحت أكثر انتقائية في تطبيق هذه القواعد، وخاصة بعد انتهاء الحرب الباردة. وترافق ذلك مع ازدياد دور ووزن المحافظين الجدد والإعلان عن مشروع "القرن الأمريكي الجديد" عام 1997م، والذي هدف إلى دعم القيادة الأمريكية للعالم ومسؤوليتها في الحفاظ على نظام دولي جديد يضمن أمن الولايات المتحدة ورفاهيتها وقيمها
فقامت بالعديد من عمليات الاغتيال أو خطف واعتقال أشخاص متهمون في قضايا إرهابية من الدول التي يعيشون فيها ونقلهم إلى الولايات المتحدة لمحاكمتهم، معتمدة على تفسيرات تعطي للسلطات الأمريكية حق تنفيذ القوانين الأمريكية خارج أراضي الإقليم الأمريكي. ووجهت ضربات عسكرية ضد العراق والسودان وأفغانستان في 1998م، بعد تفجير سفارتيها في كينيا وتنزانيا. وفي أكتوبر 2001م، شنت هجومًا عسكريًا على أفغانستان لمعاقبة حكومة طالبان على دورها في دعم العمليات الإرهابية في 11 سبتمبر في نيويورك، وذلك دون تفويض من الأمم المتحدة.
كما قامت الولايات المتحدة بالتعاون مع بريطانيا بغزو العراق عام 2003م، دون تفويض من الأمم المتحدة أيضًا، وبدعوى الدفاع الوقائي تجاه امتلاك العراق في عهد صدام حسين لأسلحة الدمار الشامل، وهو ما لم يتم تقديم إثبات لصحته، وقامت باستخدام الطائرات المسيرة لضرب مواقع واغتيال شخصيات اعتبرت أنهم يمثلون تهديدًا لمصالحها في دول عديدة منها باكستان واليمن والصومال، وذلك بدون تفويض دولي أو وجود حالة حرب مع هذه الدول. وفي يونيو 2025م، شنت هجومًا جويًا على إيران استخدمت فيه أحدث وأشد أسلحتها فتكًا ضدها، دون تفويض من الأمم المتحدة
قامت أمريكا أيضًا بتوجيه ضربات جوية عسكرية ضد سوريا في عامي 2017-2018م، واغتيال قاسم سليماني قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني في يناير 2020م، بالقرب من مطار بغداد، واستخدام العقوبات الاقتصادية الأحادية والتي فرضتها على إيران وفنزويلا وكوريا الشمالية وسوريا وروسيا دون غطاء شرعي من مجلس الأمن.
ورغم أن إدارة بايدن، التي بدأت في يناير 2021م، سعت إلى تأكيد الالتزام الأمريكي بقواعد القانون الدولي وتأكيدها المستمر على أن الانقسام الأساسي في عالم اليوم هو بين الدول الديمقراطية التي تلتزم بقواعد القانون الدولي واحترام حقوق الإنسان والدول الاستبدادية والدكتاتورية-وعلي رأسها روسيا والصين-التي لا تلتزم بهذه القواعد، فإن موقفها المخالف للقانون الدولي تجاه عديد من القضايا لم يتغير، مثل تأييدها السياسي ودعمها العسكري لإسرائيل في عدوانها على غزة منذ أكتوبر 2023م، والذي اعتبره كثير من تقارير المنظمات الدولية أكبر عملية تدمير منظمة في القرن الحادي والعشرين والتي تضمنت ممارسات الإبادة الجماعية وارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
واتصالا بذلك، استمرت واشنطن في رفض الانضمام إلى عدد من المعاهدات الدولية الهامة المنظمة لبعض جوانب العلاقات الدولية، مثل اتفاقية قانون البحار عام 1982م، واتفاقية حظر الألغام المضادة للأفراد لعام 1997م، واتفاقية المحكمة الجنائية الدولية عام 1998م، ولم تصدق على معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية على الرغم من أنها وقعت عليها في عام 1996م، وذلك إضافة إلى الانسحاب من عدد من المنظمات الدولية في ظل إدارة الرئيس ترامب، والتي سبق الإشارة إليها.
يتسم الموقف الأمريكي بازدواجية المعايير فهي تنتقد روسيا في عدم احترامها سيادة أوكرانيا، ولكنها لا ترى في تدخل إسرائيل العسكري في دول ذات سيادة كلبنان وسوريا موقفًا يستحق الانتقاد. أضف إلى ذلك، عدم التزامها ببعض قواعد منظمة التجارة الدولية عندما لا تجد في ذلك مصلحة لها، وقيام الرئيس ترامب في عام 2025م، باستخدام الرسوم الجمركية بشكل متزايد لتحقيق أهداف سياسية تجاه الخصوم والحلفاء على حد سواء.
تتبنى روسيا خطابًا سياسيًا يؤكد على ضرورة احترام قواعد القانون الدولي، واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها، وتنتقد أمريكا والدول الغربية لعدم التزامها بذلك. وأكدت دومًا على ضرورة احترام ميثاق الأمم المتحدة ودور مجلس الأمن باعتباره الجهة التي خَولها الميثاق حفظ الأمن والسلم في العالم.
ومع ذلك، فقد قامت من جانبها بأعمال مشابهة، مثل تدخلها العسكري في مولدوفا وجورجيا عام 2008م، وانتهاكها لسيادة أوكرانيا في عام 2014م، وضمها منطقة شبه جزيرة القرم إلى إقليمها، ثم شنها حربًا شاملة على أوكرانيا ابتداء من فبراير 2022م، وسيطرتها على أجزاء من أراضيها وضمها إلى إقليم الدولة الروسية، وذلك دون إعلان حالة الحرب مع أوكرانيا. هذه الحرب أكملت عامها الثالث في فبراير 2025م، ومازالت مستمرة حتى كتابة هذه السطور في يوليو من نفس العام. وجدير بالذكر، أنه ترتب على ذلك فرض الاتحاد الأوروبي لعقوبات اقتصادية أحادية على روسيا.
بررت روسيا حربها في أوكرانيا بدعاوى مختلفة، مثل الدفاع عن حقوق الأقلية الروسية في أوكرانيا، أو الاستجابة لطلب سلطات الدونباس لحماية شعبها، أو أن سياسة الحكومة الأوكرانية للانضمام إلى الحلف الأطلنطي تمثل تهديدًا مباشرًا لأمنها. ولكن أغلب دول العالم لم تأخذ بتلك المبررات، وصوتت 141 دولة في مارس 2022م، في الجمعية العامة في الأمم المتحدة بإدانة التدخل الروسي في أوكرانيا ودعوتها لسحب قواتها منها.
ووجهت الدول الغربية اتهامات لروسيا بشأن دعمها لنظام بشار الأسد في سوريا عسكريًا وسياسيًا حتى سقوطه في ديسمبر 2024م، وأنها صمتت على الانتهاكات الجسيمة لهذا النظام في مجال حقوق الإنسان وممارسة الاعتقال العشوائي وتعذيب المساجين، وأنها انتهكت القانون الدولي الإنساني في بعض أنشطتها العسكرية ضد مواقع المعارضة في سوريا.
اتسم السلوك الروسي أيضًا بازدواجية المعايير، وانتهكت قواعد القانون الدولي عندما تعارضت مع مصالحها، ورفضت اختصاص محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية في قضايا تتعلق بها. وعلى غرار الولايات المتحدة، فإن سلوكها يعكس عقلية القوة والسعي لحماية أمنها القومي وزيادة نفوذها الإقليمي على حساب قواعد القانون الدولي.
تعتبر الصين الأقل انتهاكًا للقانون الدولي مقارنة بأمريكا وروسيا، ربما لأنها ما زالت تركز على تطوير مصالحها التجارية والاقتصادية في العالم، وعدم التدخل في الصراعات والحروب. تنطلق الصين في سياستها الخارجية من مبدأين رئيسيين، هما: مبدأ احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، ومبدأ المساواة بين الدول وإدارة العلاقات معها على أساس المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة، مستندة في ذلك إلى تجربتها الطويلة مع النفوذ الغربي والهيمنة الاستعمارية على مقدراتها والتي تشارك فيه عشرات الدول في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية.
ولذلك، فإنها تعارض التدخل في شؤون أي دولة ما لم يكن بإذن من مجلس الأمن، وعارضت فرض عقوبات أحادية من جانب دولة أو مجموعة من الدول، وسياسات تغيير الأنظمة بالقوة من الخارج. ومع الازدياد الهائل في القدرات العسكرية الصينية، فإنه نادرًا ما استخدمتها في شكل عمل عسكري أو حرب إقليمية ضد دولة أخرى، بل كان الاستخدام في سياقات محددة مثل دعم قوات كوريا الشمالية ضد الجنوب إبان الحرب الكورية 1950-1953م، ودعمها لقوات فيتنام الشمالية والفييت كونج ضد فيتنام الجنوبية في الستينيات، أو مشاركة قواتها في عمليات حفظ السلام تحت إشراف الأمم المتحدة.
ومع ذلك، بدأت الصين في ممارسة سلوك القوى الكبرى عندما تتعارض مصالحها مع القانون الدولي. ومن ذلك على سبيل المثال، رفضها عام 2016م، لقرار التحكيم الدولي في القضية التي رفعتها الفلبين بشأن بحر الصين الجنوبي الصادر عن لجنة تحكيم بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، حيث قضى الحكم بعدم شرعية الادعاء التاريخي للصين في هذه المنطقة، واعتبرته خاطئًا وغير ملزم واستمرت في تكريس وجودها العسكري في المنطقة.
واتهمت الدول الغربية بكين بانتهاك اتفاقية الحكم الذاتي المبرمة في 1984م، بين الصين والمملكة المتحدة، والمعروفة باسم "دولة واحدة ونظامين" والتي ضمنت نظامًا للحكم الذاتي في مدينة هونج كونج لمدة خمسين سنة بعد استعادة السيادة الصينية عليها في عام 1997م، بفرضها قانون الأمن القومي 2020م، والذي أوجد قيودًا على الحريات العامة لسكان المدينة، باعتبار أن هذه الاتفاقية هي معاهدة دولية.
وبصفة عامة، فإن الصين تسعى لإقامة التوازن بين التزامها العلني باحترام قواعد القانون الدولي ومؤسسات النظام الدولي القائم، وبين رغبتها في عدم فرض قيود على اختياراتها الاستراتيجية، وعلى رأسها قضية تايوان والصين الواحدة، فلم تنضم إلى بعض المعاهدات مثل معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية عام 1996م، ومعاهدة حظر الأسلحة النووية عام 2017م.
وفي نفس الوقت، تعمل بشكل سلمي على إعادة تشكيل قواعد النظام الدولي وفقًا لرؤيتها للعالم وذلك من خلال منظمة شنغهاي والبريكس ومبادرة الحزام والطريق، لكي تصبح أكثر توافقًا مع قيمها ومصالحها كدولة ونظام سياسي يختلفان عن نظم الديمقراطية الغربية.
يبين هذا التحليل أن القاسم المشترك الذي يجمع بين الدول الكبرى في عالم اليوم هو إعلان التزامها بمبادئ القانون الدولي، ولكن مع انتقائية في التطبيق حسب رؤية ومصالح كل منها. فكل منها يبرز انتهاكات الآخرين للقانون الدولي ويندد بها. في الوقت الذي ينتهج فيه نفس المسلك ويجد لنفسه المبررات التي تسوغ له ذلك، وأنه عندما تتعارض المصالح القومية للدولة مع هذه المبادئ والقواعد فإن الأولوية تكون للأولى. أدى هذا إلى إضعاف المكانة الأخلاقية للدول الكبرى، وعدم تصديق العالم لها عندما يشير خطابها السياسي إلى احترام القانون الدولي.
الأخطر من ذلك، أن هذا التطور هو ليس مجرد حالة مؤقتة ولكنه يعكس تحولات بنيوية أعمق في هيكل النظام الدولي وتغير ثقافته واتجاهاته. وصحيح أن وصول الرئيس ترامب إلى الحكم في عام 2017م، عجل ببروز هذه الحالة، إلا أن خروجه من السلطة بعد رئاسته الأولى لم يؤد إلى انتهائها وعودة الأمور إلى سابق عهدها، مما يعني أن النظام الدولي يدخل مرحلة جديدة من التطور وإعادة التشكيل تختلف عن المراحل السابقة. وهكذا، فإن النظام الدولي القائم على القواعد أصبح اليوم أكثر هشاشة وضعفًا من أي وقت منذ انتهاء الحرب الباردة، فقواعد القانون الدولي هي انعكاس لأوضاع وتوازنات القوى في مرحلة معينة، لذلك فعندما تتغير هذه التوازنات، فإن هذه القواعد إما أن تتغير أو تتعرض للإهمال والتجاهل.
أدى كل ما تقدم إلى تراجع سلطة القانون والمؤسسات المعبرة عنه، فعندما لا تتفق الدول الكبرى، وتحديدًا تلك التي تمتلك حق النقض في مجلس الأمن، على تعريف واحد للقواعد وطرق إنفاذها، فانه يجعل هذه القواعد عرضة للتسييس والتفسيرات المتضاربة مما يحول دون تطبيقها. وفي هذه الحالة، لا تقدم الدول الكبرى صورة القدوة والنموذج.






