يشهد النظام الدولي الحالي تحولات عميقة تعيد تشكيل موازين القوى وتطرح تساؤلات جوهرية حول فعالية القانون الدولي ودور المؤسسات المتعددة الأطراف، ففي ظل عودة المنافسة بين القوى الكبرى وتزايد النزعات الأحادية يجد الشرق الأوسط نفسه في قلب هذه التحولات حيث تتشابك الصراعات الإقليمية مع الديناميكيات العالمية وتتصارع تطلعات الدول العربية نحو الاستقلالية الاستراتيجية مع ضغوط التدخلات الخارجية.
نحاول من خلال هذا المقال تسليط الضوء على التضارب بين سياسات القوة والقانون الدولي والآثار المترتبة على الصراعات الجارية في غزة ولبنان وسوريا وتداعيات الحرب الإسرائيلية-الإيرانية الأخيرة، وأخيراً الدور المتغير للدول العربية في ظل سعيها نحو تقارب إقليمي واستقلالية استراتيجية في عالم متعدد الأقطاب.
النظام العالمي الجديد: القوة في مواجهة القانون وتداعيات السياسة الأمريكية
يُعد عام 2025م ، نقطة تحول محورية في السياسة الخارجية الأمريكية مع توقعات بأن تؤدي الإدارة "ترامب" إلى إعادة تأكيد مبدأ "أمريكا أولاً" مما سيترك بصمات عميقة على القانون الدولي والمؤسسات المتعددة الأطراف هذا التحول الذي يبتعد عن تركيز إدارة "بايدن" على استعادة التحالفات والأطر المتعددة الأطراف، ويُنذر بعودة المخاوف من التخلي بين الشركاء الأمنيين خاصة في ظل توقعات فرض هذه الرؤية بالقوة في النظام الدولي. هذا التوجه يشير إلى تحول محوري من التعددية إلى نهج أحادي الجانب حيث قد تتعامل الولايات المتحدة أو تنسحب بشكل انتقائي بناءً على المصلحة الوطنية المتصورة بدلاً من دعم نظام عالمي واسع النطاق قائم على القواعد.
من المرجح أن تعطي إدارة "ترامب" الأولوية للمصالح الوطنية المتصورة على التعددية فمن المحتمل أن تكون "عائقاً" أمام الاتفاقيات الدولية التي تعتبرها تتعارض مع مصالحها، وعليه جاءت الأوامر التنفيذية الصادرة منذ تولي "ترامب" مقاليد الحكم في البيت الأبيض لتعكس سياسة خارجية شديدة المركزية وتؤكد على السلطة الواسعة للرئيس لحماية المواطنين الأمريكيين والأمن القومي، يمكن تفسير هذا النهج على أنه تآكل للأطر القانونية الدولية والمؤسسات؛ حيث يمكن للولايات المتحدة بما تمتلكه من ثقل هائل على كافة المستويات أن تجعل الاتفاقيات صعبة الحفاظ عليها أو حتى تقوضها بشكل مباشر هذا التأثير التراكمي يضعف الالتزام الجماعي بالمعايير القانونية الدولية.
وعليه فإن المشهد العالمي الحالي يتسم بعودة المنافسة بين القوى العظمى؛ حيث يتزايد تفوق ممارسة القوة الصارمة على المعايير القانونية الدولية الراسخة. يتجلى هذا الاتجاه في مختلف الصراعات والتحديات التي تواجه النظام الدولي القائم لاسيما عودة الحرب واسعة النطاق إلى القارة الأوروبية (الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022م) كان يُعتقد في السابق أنه أمر مستبعد، مما يشير إلى إعادة تركيز خطيرة على سياسات القوة. فضلاً عن تحدى الخصوم الدوليين روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية، المصالح الأمريكية عالمياً من خلال "تكتيكات القوة الصارمة غير المتكافئة والتقليدية" والترويج "لأنظمة بديلة"، وعليه تشكل هذه الجهات الفاعلة أيضاً تهديدات كبيرة للبنية التحتية الحيوية والأمن الاقتصادي مما يزيد المؤشرات التي تسرع من التحول نحو نظام دولي حيث تملي القوة الأفعال أكثر من القانون، ولعل أبرز ما يدلل على ذلك التجاهل التام لما صدر من أراء قانونية من الخبراء القانونين حول شرعية الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران في يونيو 2025م، واعتبارها "غير قانونية بشكل واضح" بموجب ميثاق الأمم المتحدة وعليه يواجه النظام الحالي تزايد حاد لتجاهل القانون الدولي الراسخ المتعلق باستخدام القوة.
والجدير بالذكر أن الحجج المستخدمة لتبرير هذه الإجراءات تعتبر في كثير من الأحيان "ضعيفة بشكل لا لبس فيه" وتُشبه تلك المستخدمة في غزو العراق عام 2003م، وغزو أوكرانيا عام 2022م. هذا النمط من التفسير الانتقائي أو الرفض الصريح للقيود القانونية من قبل القوى العظمى يضعف مصداقية النظام القانوني الدولي. فإذا كانت القوى الكبرى وحلفاؤها مستعدين للعمل خارج المعايير القانونية الدولية الراسخة المتعلقة باستخدام القوة، فإن ذلك يضعف الأثر الرادع لهذه المعايير مما يزيد من خطر التصعيد حيث قد تؤدي الإجراءات التي يراها أحد الأطراف غير قانونية إلى تدابير انتقامية مما يؤدي إلى حلقة من العنف، وبالتالي فإن "تزايد التعاون بين هذه الجهات الفاعلة المعادية" يزيد من تعقيد الوضع بالشكل الذي يرفع من احتمالية أن تؤدي النزاعات الإقليمية إلى دفع فاعليين دوليين للتدخل ومن ثم تحول هذه الصراعات إلى مواجهات مباشرة أو غير مباشرة بين القوى العظمى في ظل التجاهل التام لقواعد القانون الدولي.
ويُلاحظ أن الولايات المتحدة وإسرائيل بينما تدافعان غالباً عن "نظام قائم على القواعد" تُفسران القانون الدولي بشكل انتقائي فضفاض عندما يتعلق الأمر بمصالحهما الأمنية مما يخلق معياراً مزدوجاً يقلص من مصداقية النظام القانوني الدولي بالنسبة للدول الأخرى، لا سيما تلك في العالم العربي التي "انتقدت التطبيق الانتقائي للغرب للمعايير الدولية"، ويكشف هذا عن نمط حيث تكون الدول القوية، بينما تدعم القانون الدولي خطابياً، مستعدة لتجاوزه أو كسره عندما لا يتناسب مع أهدافها الاستراتيجية.
تقلبات الشرق الأوسط: تأثير الاستخدام المفرط للقوة على الاستقرار الإقليمي والعالمي
يظل الشرق الأوسط لا سيما في عامي 2024-2025م، مسرحاً لصراع حاد حيث تؤدي الحروب في غزة ولبنان إلى جانب التطورات الدراماتيكية في سوريا والوضع المتأزم في اليمن بالإضافة إلى الوضع في السودان وليبيا إلى تفاقم عدم الاستقرار الإقليمي والأزمات الإنسانية. لقد حطمت هذه المواجهات العسكرية الدامية الآمال المتبقية لتحقيق السلام الإقليمي وكشفت عن "عجز المجتمع الدولي" عن الوصول لحل ملزم وقاطع لهذا الوضع الكارثي؛ فقد انهار وقف إطلاق النار في غزة في يناير 2025م، فعلياً في مارس بسبب الضربات الجوية الإسرائيلية المتجددة، و في لبنان وعلى الرغم من اتفاق وقف الأعمال العدائية في نوفمبر 2024م، واصلت إسرائيل غاراتها الجوية المنتظمة بما في ذلك على بيروت، مما أدى إلى سقوط العديد من الضحايا المدنيين فضلاً عن تدمير البنية التحتية المدنية بما في ذلك المرافق الطبية، ومع دعوة منظمة العفو الدولية إلى التحقيق في جرائم حرب محتملة يبقى أكثر من 92,000 شخص نازحين في لبنان، في وضع يشير إلى تطبيع خطير للصراع حيث أصبحت الأزمات الإنسانية المستمرة سمة دائمة بدلاً من كونها استثناءً خلال هذا الحقبة الزمنية من عمر النظام الدولي.
وفي سوريا عمل السقوط المفاجئ لنظام بشار الأسد وصعود المعارضة السورية على إعادة تشكيل "ميزان القوى الإقليمي" بشكل كبير؛ فقد كان لهذا الحدث عواقب مباشرة على الجهات الفاعلة الإقليمية، لا سيما مساهمته في "تراجع القوة العسكرية والنفوذ السياسي" لحزب الله بسبب فقدان طريق الإمداد العسكري الرئيسي من إيران عبر سوريا، كما أدى سقوط نظام "الأسد" إلى فراغ في السلطة تسعى جهات فاعلة أخرى من الدول وغير الدول إلى ملئه، كما وقد أسفر هذا الوضع عن صراعات جديدة و إعادة اصطفاف كانت بمثابة تحديات تواجه دول المنطقة عند التعامل مع سوريا ما بعد الأسد بسبب الفراغ الأمني المحتمل والجهات المفسِدة.
وفي غزة، فقد قدم القادة العرب رؤية لإعادة الإعمار وتقوم على الاعتراف بالدولة الفلسطينية، لكن قوبل هذا الطرح بعدم قبول وتعنت من الولايات المتحدة وإسرائيل، الأمر الذي يسلط الضوء على الفجوة المستمرة بين التطلعات الإقليمية للسلام وحقائق ديناميكيات القوة الخارجية والإجراءات الأحادية.
وفيما يتعلق بالتنافس الجيوستراتيجي في المنطقة فنحن أمام ضعف وتقلص واضح في شبكة وكلاء إيران الإقليميين على هامش النتائج الواقعية التي رسمتها إسرائيل فيما بعد السابع من أكتوبر 2023م، الأمر الذي دفع إيران للبحث عن "إجراءات انتقامية غير متكافئة مستقبلية" ضد إسرائيل والولايات المتحدة وحلفائها ومصالحها في المنطقة لا سيما الخليج العربي في سبيل التأسيس لأنظمة أمنية جديدة ، وعليه انخرط الأطراف الثلاثة في مواجهات عسكرية مباشرة استمرت 12 يوماً مثلت نقطة تحول حاسمة في الديناميكيات الإقليمية، مؤكدة على الطبيعة الانتقائية لتطبيق القانون الدولي ويسلط الضوء على اتجاه مقلق للقوى العظمى التي تعمل خارج الأطر القانونية الدولية الراسخة مما يؤدي لتآكل القيود القانونية وبالتالي زيادة عدم الاستقرار العالمي وجعل الصراع أكثر قبولاً وأقل قابلية للتنبؤ.
يتفق الاستراتيجيون على أن الصراع حول ميزان القوى في الشرق الأوسط "أكثر ضد إيران ونحو إسرائيل المستعدة لتطبيق القوة العسكرية على نطاق واسع في المنطقة"، وعلى الصعيد العربي فقد جاءت ردود الأفعال العربية دعايةً لخفض التصعيد وحث الأطراف للعودة لطاولة المفاوضات والتي اعتبرت إلى حدٍ ما "لفتة رمزية"، تكشفت بشكل غير مباشر ضرورة إعادة تقييم الدور والأهمية التي تمثلها الدول العربية في تشكيل النظام الإقليمي، فضلاً عن أنها تشير إلى أن الدول العربية بينما تسعى إلى استقلالية استراتيجية أكبر لا تزال قدرتها على التأثير بشكل حاسم في الصراعات الإقليمية الكبرى التي تشمل قوى خارجية محدودة، مما يديم دورة التدخل الخارجي وعدم الاستقرار الإقليمي بما يهدد استقرار وسيادة وسلامة هذه الدول.
تكمن أهمية عملية إعادة التقييم هذه في أن "تدمير (بعض) قدرات إيران والتحول العام في ميزان القوى الإقليمي في الاتجاه المعاكس سيدفع إيران على الأرجح إلى إعادة تقييم استراتيجيتها الإقليمية بشكل جذري بل وستواصل "إيران الضعيفة والهشة الآن" البحث عن نظام أمني جديد، لذلك لابد للدول العربية والخليجية على واجهة التحديد العمل بشكل فعال وملموس لتصبح الجزء الأهم في المعادلة الأمنية الجديدة في الشرق الأوسط تقوم بشكل أساسي على التحول من المواجهة العلنية إلى نهج أكثر دبلوماسية، أخذاً في الاعتبار أن هذا التكيف قد يؤدي إلى نتيجتين مختلفتين إحداها قد يقود إلى أشكال جديدة من المشاركة للتواصل الدبلوماسي، أو قد يؤدي الأخر إلى أشكال جديدة من التهديد (الإجراءات غير المتكافئة) مما يتطلب من الدول العربية تعديل سياستها الخارجية وفقاً لذلك.
وفيما يتعلق بالتداعيات فإن لتقلبات الشرق الأوسط تداعيات عالمية ملموسة لا سيما فيما يتعلق بالاستقرار الاقتصادي، وأمن الطاقة، وإمكانية نشوب صراع أوسع باعتبارها منطقة النفوذ الدولي الأهم والأكثر حيوية على مستوى العالم، وعليه فمن المتوقع أن تؤدي الصراعات وعدم اليقين السياسي في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى "نتائج اقتصادية ضعيفة" وتباطؤ النمو في 2025م -2026م، والجدير بالذكر أن الآثار الاقتصادية لحالة عدم اليقين هذه ستبدو أكثر وضوحاً في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بسبب نقاط الضعف مثل ارتفاع الدين العام والوضع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والتنموي الهش، الأمر الذي يؤكد أن الصحة الاقتصادية للشرق الأوسط وبالتالي التجارة العالمية وأسواق الطاقة حساسة للغاية للأحداث الجيوسياسية الإقليمية.
التقارب العربي وتوازنات القوى الإقليمية: الملاحة في عالم متعدد الأقطاب
شهدت المنطقة العربية اتجاهاً مهماً نحو التقارب والمشاركة الدبلوماسية، مدفوعاً بالرغبة في قدر أكبر من الاستقلالية الاستراتيجية وفي تجسيد للاستجابة البراغماتية للتحولات الإقليمية والعالمية. بدأ الاتجاه التدريجي للتقارب منذ عام 2021م، مع ذوبان أزمة مجلس التعاون الخليجي، لا سيما مع اتفاق العلا في أوائل عام 2021م، مما أدى إلى الاستعادة الكاملة للعلاقات الدبلوماسية بين الأشقاء، الأمر الذي وضع أساساً لحوار إقليمي بناء وشامل وعلى نطاق أوسع، وفي سياق مدفوع برغبات وأهداف مشابهة جاء التقارب السعودي-الإيراني برعاية الصين عام 2023م، باعتباره أهم جهود التقارب التي شهدتها المنطقة، حيث غير بشكل أساسي طبيعة علاقاتهما من علاقات تتشكل خارجياً إلى علاقات أكثر جوهرية بين الطرفين الأبرز والأكثر محورية في معادلة الأمن الشرق أوسطية، وعليه شهدت هذه المبادرة التي تهدف إلى تقليل التوترات الطائفية وتعزيز النفوذ الإقليمي تعهد المملكة العربية السعودية وإيران بتعزيز العلاقات الثنائية وإدانة العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة والأراضي الفلسطينية بشكل عام ولبنان خلال اجتماع ثلاثي في نوفمبر 2024م.
ويمكن تفسير هذا التقارب على أنه سعي إقليمي نحو "الاستقلالية الاستراتيجية" بما ينطوي عليه من تنويع اقتصادي وتعزيز للنفوذ الجيوسياسي، مما يدل على استعداد براغماتي للتعامل مع الجهات الفاعلة غير الغربية، كما لعبت دول الخليج العربية أيضاً دور بارز وجاءت في طليعة الدبلوماسية الإقليمية خلال إدارة "بايدن" وحافظت على هذا الدور الحاسم في ظل إدارة "ترامب" وهو ما ظهر جلياً خلال اجتماعات رفيعة المستوى مع القادة الإيرانيين قبيل اندلاع حرب الاثنى عشر يوماً ومن المتوقع استمرار هذا الدور، وعليه تشير هذه الديناميكيات إلى أن تحولات السياسة الخارجية الأمريكية، لا سيما نحو فك الارتباط أو المعاملات، هي محفز مهم للقوى الإقليمية للبحث عن ترتيبات أمنية بديلة وتقليل اعتمادها على واشنطن بما يحقق استقرارها ويحافظ على سيادتها ويحمي مصالحها ويضمن معادلة أمنية عالمية أكثر استقراراً.
وعليه فقد استجابت دول المنطقة للدعوات المتزايدة "بتحمل المسؤولية الجماعية" و"إضفاء الطابع الإقليمي على الأمن والاستقرار والسلام" وتعكس مبادرات مثل الجهود السعودية والإماراتية في اليمن والمشاركة السعودية في سوريا ما بعد "الأسد" والدور العماني والقطري البارز في جهود الوساطة إقليماً ودولياً تحركاً نحو حلول إقليمية جادة تحول هذا التقارب إلى خطوة مهمة في العلاقات داخل الإقليمية وللاستقرار على المدى الطويل، ويكون لها أدوار أكثر تأثيراً على الصراعات التي تقودها القوى الإقليمية الأقل عقلانية مثل (إسرائيل/ إيران) أو القضايا الراسخة بعمق (مثل القضية الفلسطينية.).
وعليه يُعد السعي لتحقيق الاستقلالية الاستراتيجية من قبل الدول العربية سمة مميزة للمشهد الإقليمي المتطور باستمرار حالياً، حيث تتنقل هذه الدول في عالم متعدد الأقطاب يتسم بتحولات في الضغوط الخارجية ورغبة في تشكيل مصيرها الخاص، وتعمل بشكل جيد لقد بتنمية علاقات سياسية ومؤسسية قوية مع الولايات المتحدة بينما توازنها بشكل متزايد مع الصين، وتعمق الروابط التجارية والمالية واللوجستية مع النظام الدولي ككل يتجلى هذا النهج العملي في دورها كـ "وسيط قوي" في صراعات مثل الهند وباكستان، مدفوعاً بالمصالح التجارية بدلاً من الأطر الدينية. هذا يوضح تحولاً واضحاً من الاصطفاف التقليدي إلى سياسة خارجية أكثر مرونة وتوجهاً نحو المصالح حيث يتم إعطاء الأولوية للتعامل مع شركاء متنوعين لزيادة النفوذ والاستقرار في بيئة متعددة الأقطاب.
على الرغم من هذه الجهود، فإن الحرب الإسرائيلية-الإيرانية "كشفت عن إن نظاماً إقليمياً جديداً حيث تملي إسرائيل المعايير الأمنية بشكل أحادي فيه "غير مرحب به على الإطلاق" للدول العربية، التي طالما انتقدت التطبيق الانتقائي للغرب للمعايير الدولية إلا أن هذا الانتقاد لابد أن يكون مصحوبًا بسياسات إصلاحية حقيقية على كافة المستويات في الداخل العربي؛ وذلك في سبيل تقليص الفجوة المتزايدة في الوكالة الجيوسياسية والمرونة الاقتصادية داخل العالم العربي والتي قد تؤدي إلى تباين في أولويات السياسة الخارجية والقدرات. ومن المُلاحظ أن اقتصادات الخليج العربية تخطو خطوات واثقة ديناميكية وموجهة نحو الخارج مدعومة بمرونة وقيادة عالية، في حين تظل مناطق أخرى مثل المشرق والمغرب تعيش حالة من الركود نتيجة لعوامل عدة بعضها يتعلق بالمكون الداخلي وجلها يعد انعكاس للفوضى الدولية الحالية.
يمكن أن يؤثر هذا التباين الاقتصادي والمؤسسي على القدرة الجماعية للعالم العربي على تأكيد نفوذه بقوة في إطار النظام الدولي والإقليمي الجديد، الأمر الذي يؤكد على أن الاعتبارات الاقتصادية ليست مجرد نتيجة للاستقرار ولكنها محرك أساسي للسياسة الخارجية مما يؤدي إلى نهج أكثر توجهاً تجارياً وأقل جموداً أيديولوجياً في العلاقات الإقليمية.
وعليه يُعترف بشكل متزايد بضرورة الأمن الإقليمي الجماعي داخل العالم العربي مما يمثل فرصاً كبيرة وتحديات مستمرة، يعكس الاعتراف بأن "المسار الوحيد القابل للتطبيق نحو الاستقرار والأمن في المنطقة يكمن في تعزيز الحوار والمبادرات المنسقة والدبلوماسية المشتركة بين دولها المؤثرة للدعوات المتكررة إلى المساءلة الجماعية وإضفاء الطابع الإقليمي على الأمن والاستقرار والسلام" فهماً ناضجاً بأن القوى الخارجية لا تستطيع وحدها ضمان الأمن الإقليمي، هذا التحول نحو "إضفاء الطابع الإقليمي على الأمن" والتخلي عن "السلبية" هو تطور مهم يشير إلى فهم ناضج للتحديات الإقليمية وضرورة الحلول المحلية تعتمد في المقام الأول على الحوار وخفض التصعيد حتى بين الخصوم التاريخيين، مما قد يكون نموذجاً لأطر أمنية إقليمية أوسع تمهد الطريق لبنية أمنية إقليمية أوسع وأكثر شمولاً لتحقيق الاستقرار في البلاد ودعم إعادة الإعمار، وبالمثل، فإن الأرضية المشتركة التي تم العثور عليها في قضايا مثل حرب غزة وجهود جامعة الدول العربية من أجل دولة فلسطينية يمكن أن تعزز التضامن الإقليمي.
خاتمة
في الختام، يُظهر تحليل المشهد الدولي المتطور أن الشرق الأوسط يقف عند مفترق طرق حاسم حيث تتصارع ديناميكيات القوة العالمية مع تطلعات إقليمية متزايدة نحو الاستقلالية. إن التحول المتوقع في السياسة الخارجية الأمريكية نحو نهج "أمريكا أولاً" يُنذر بمزيد من التآكل في القانون الدولي والمؤسسات المتعددة الأطراف، مما يدفع الدول إلى الاعتماد بشكل أكبر على القوة الأحادية أو التحالفات الانتقائية. وبالتالي مزيد من التجاهل للقيود القانونية الدولية من قبل القوى الكبرى.
في المقابل، تستمر الصراعات في غزة ولبنان وسوريا في تأجيج الأزمات الإنسانية وتغيير موازين القوى الإقليمية، لا سيما بعد سقوط نظام "الأسد" وتراجع نفوذ حزب الله والمحور الإيراني بشكل عام، وعليه دفع الواقع الدول العربية، وخاصة دول الخليج، إلى السعي بنشاط نحو استقلالية استراتيجية أكبر من خلال مبادرات التقارب الإقليمي هذه المبادرات مدفوعة بدوافع اقتصادية ورغبة في بناء آليات أمن إقليمية جماعية مما يشير إلى فهم ناضج بأن الأمن لا يمكن أن يعتمد فقط على الضمانات الخارجية.
إن مسار الشرق الأوسط في السنوات القادمة سيتوقف على قدرة الدول الإقليمية على تجاوز الانقسامات الداخلية والتحديات الخارجية، وتحويل مبادرات التقارب إلى أطر أمنية جماعية فعالة، ففي عالم تتضاءل فيه موثوقية التحالفات التقليدية وتزداد فيه أهمية الدبلوماسية البراغماتية والتعاون متعدد الأطراف الإقليمي، فإن نجاح هذه الجهود سيحدد مدى قدرة المنطقة على تحقيق الاستقرار والازدهار في ظل نظام عالمي يتسم بالتقلب وعدم اليقين.






