array(1) { [0]=> object(stdClass)#14244 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 212

إطلاق العنان لإسرائيل في المنطقة أو الخيار الخليجي بترجيح الاستقرار والسلام والازدهار بديلًا للصراع

الأربعاء، 30 تموز/يوليو 2025

منذ بداية الثورة الزراعية، كانت سوريا، الواقعة على خطوط تماس كتل استراتيجية، دولية وإقليمية كبرى، ساحة أو شريكًا مهمًا في الصراعات الإقليمية بين القوى الكبرى في العالم القديم.

فحين تكون سوريا ضعيفة يصبح الصراع عليها، وحين تقوى، تصبح ندًا وشريكًا في توازن القوى، ومنبعاً للعقائد والأديان والأفكار التي تشكل تاريخيًا مصدر غناها البشري وأصل ثروتها المكتسبة من ثرائها البشري وموقعها الجيو-استراتيجي.

 

سوريا الآن في أوهن مراحلها، وأضعف لحظات سيادتها. والجديد أيضاً، أن الكتل الاستراتيجية الدولية والإقليمية تمر بلحظة من الصدام بعنف جارف، فيما تتدهور بشكل منقطع النظير مقومات السلام العالمي الهش، لتعود سوريا بعد تحريرها من حكم الأسد، بؤرة صراع شرس، ما قد يهدد مستقبل بناء الدولة السورية.

 

في ظل تداعي مقومات السيادة الوطنية، تصبح خيارات الحكومة السورية في درء المخاطر وتحقيق الاستقرار في علاقاتها الإقليمية والدولية، كمحاولات ربان سفينة مكسرة الأشرعة وفاقدة الاتجاه.  ذلك أنه ما لم يتم ترسيخ السيادة الوطنية السورية، عبر تعزيز السلم الأهلي والتوافق والوطني، وما لم يتم التلاحم بقوة مع الظهير العربي، وعلى رأسه السعودية، فلسوف تتدحرج سوريا، سريعًا، نحو هاوية جديدة.

 

العلاقات الدولية وتحولاتها

 

انقلاب جذري في العلاقات الدولية يشمل بنية المصالح ومقومات القوة والصراع في العالم، يذكرنا بما قبل الحرب العالمية الأولى، التي انتهت بانهيار خمس إمبراطوريات ومنظوماتها الدولية، تساهم عوامل متنوعة في الانقلاب الراهن.

أولها انهيار النظام ثنائي القطب واتفاقات يالطا. ثانيها انهيار المقومات الاقتصادية-والسياسية للسلام العالمي القائم على اتفاقات لمنظومة "بريتون وودز". ثالثها صعود خصوم وأقطاب منافسة عديدة، إلى جانب أمريكا. وفي مقدمتها الهند والصين. رابعها الانقلاب العميق في هيكل النموذج الاقتصادي والسياسي. وخامسها، ولعله أولها أهميةً، الانقلاب العاصف والعميق لثورة الذكاء الكمومي، وما يتبعها من انقلاب في علاقات الإنتاج في ظل منافسة شرسة بين الدول الكبرى، في سياق استتباب نمط جديد من الإمبريالية المعرفية، ليصبح الصراع على الموارد والأسواق مجرد تفاصيل في لوحة الصراع العالمي على اقتصاد المعرفة.

 

سوريا في خضم الصراع الدولي

 

الولايات المتحدة:

تحاول أمريكا تدارك بطرها ولامبالاتها وانحيازها، لتدفع ثمن رهانها على الأزمات، وإدمانها اللعب بذرائع الإرهاب، واعتمادها على التوازنات القلقة لضبط صراعات منخفضة اللهب. إنها تعمل على إعادة تشكيل تحالفاتها الإقليمية ضمن رؤيتها للمنافسة العالمية.

تجد أمريكا نفسها أمام سيناريوهين متناقضين:

الأول: إبقاء المنطقة على أسنة الحراب لتطلق العنان لإسرائيل وتكرس تسيدها الإقليمي بقوة السلاح، في مواجهة أقطاب الصراع الإقليمي – تركيا وإيران – وفي مواجهة العرب كي تضبط التوازنات.

الثاني: الخيار الذي اختطته دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، بترجيح الاستقرار والسلام والازدهار بديلًا لمنطق تأبيد الصراع، كنقيض لمنظومة الحرب الباردة الإقليمية الدائمة، التي أدارتها إيران وإسرائيل لعقود.

فخلال زيارته لدول الخليج، حاول ترامب، ترجيح الخيار العربي الخليجي ورسم مع الأمير محمد بن سلمان الملامح الرئيسية لهذه الاستراتيجية.

لكن انجراف واشنطن، للانخراط المباشر في صراع إيران وإسرائيل، وقصفها للمنشآت النووية الإيرانية، شكل ارتدادًا عن مقومات هذا التحول. ثم لعل واشنطن تعلن اختيار السيناريو الثالث أي مزاوجة السيناريوهين السابقين، وفي رأينا أن هذا الخيار خطر جدًا، لأنه يحمل قدرًا كبيرًا من عدم الاستقرار للمنطقة ولسوريا بشكل أخص.  

 

أمريكا وصراعها مع الدول الكبرى الأخرى

 

في خضم هذه التحولات رفع استعراض أمريكا للقوة الكاسحة ضد المنشآت الإيرانية، درجة الاحتدام والتضارب، فيما رأته هذه الدولة هجومًا في عقر دارها. رغم اضطرار ترامب لإعفاء صادرات الطاقة الإيرانية إلى الصين، تجنباً للمزيد من استفزاز الصين ولدفعها للوقوف صراحة إلى جانب إيران، إلا أن مراكز الأبحاث ومراكز دعم القرار في بكين وموسكو موحدة رأيها أن التورط الأمريكي يشكل تهديدًا مباشرًا لكل منهما وخطرًا يحيق بتحالفاتها وبمشاريعها الاستراتيجية، لبناء نفوذها بما في ذلك طريق الحرير أو مشاريع الطاقة.

 

الصين: تجد نفسها أمام خيارات حرجة، إذ تشكل منطقة الشرق الأوسط الممر الواعد لمشروع الحزام والطريق. لتجارتها القوية مع دول الإقليم، في مجال الطاقة أو الأسواق، فإن 75٪ من حاجاتها للمواد الأولية والطاقة، و62٪ من صادراتها تمر ببحار الإقليم. ولا ينحصر التهديد الأمريكي للمصالح الصينية على الجانب الاقتصادي، بل يمتد ليشمل مجمل المطامح الصينية لبناء فضاء جيو-سياسي وجيو-اقتصادي في الشرق الأوسط.

وإذ تصبح سوريا البؤرة الفعلية لهذه الصراعات، وإذ تتحول لثقب أسود يجر مجمل التناقضات الدولية المكثفة في الإقليم، لا تجد الصين مفراً من دخولها لخضم الوضع السوري.

وبعد أن ضغطت الصين طويلًا لإخراج المقاتلين الإيجور من تركيا، انتهى الأمر بدفعهم نحو مناطق المعارضة السورية، والمناطق المشرفة على المواقع العسكرية الروسية، ليصبحوا بعدها ضمن الجيش السوري الجديد. 

روسيا:

روسيا من جهتها، وبعد إغلاق مضائق الدردنيل التركية إثر الحرب الأوكرانية، وبعد السابع من أكتوبر 2023م، وبعد إسقاط النظام السوري السابق، والحرب الأهلية في ليبيا والسودان، تجد أن أمريكا عاكفة على تقزيمها، وتحجيمها لإخراجها من الإقليم وتفكيك مصالحها.

 

لذلك تتحين روسيا الفرص، ريثما تتحول الأمور لصالحها في لحظة ما. لكنها تحاول عدم استفزاز الحكومة الراهنة ولا القطع معها. ويبدو أن روسيا لا تزال، على المدى المتوسط تنتظر انقشاع الوضع، بعد غزة وضربات إيران، كي تحسم خياراتها، وتنتج استراتيجيتها النهائية تجاه التحولات في الإقليم، وبالذات، سوريا.

 

الهند: لا تكتمل اللوحة الدرامية، دون الحديث عن الهند. ورغم المغريات التي قدمتها أمريكا لضم الهند لمنظومة تحالفاتها الاستراتيجية، وإبعادها عن روسيا ودفعها لسياسة أكثر مواجهة مع الصين، ورغم اندفاع واشنطن لتحويل جنوب الهند لباحة للتقنية الأمريكية، لا يبدو أن الهند ستنخرط في صراع المعسكرات لصالح أمريكا، ولا يبدو أن الهند ستبني حساباتها الاستراتيجية في الشرق الأوسط من باب التصادم مع النفوذ الصيني.

إذ يشير تاريخ الهند القديم والحديث، إنها لطالما كانت ترسم مصالحها باستقلال كبير. وبحسب مقولة دبلوماسية هندية معروفة إن "السياسة الهندية هي هندية وحسب".

ورغم العلاقات الهندية / الإسرائيلية الوثيقة نرجح حتى الآن، أن تجنح الهند عمليًا لدعم الرؤية العربية وخطة الاحتضان العربي لسوريا الجديدة. لكنها تعطي أهمية كبيرة للعلاقات التقنية مع إسرائيل، وتبدي نشاطًا ميدانيًًا على الأراضي السورية لدرء مخاطر القوى الجهادية.

 

سوريا -الذخيرة التاريخية للإقليم والساحة الإجبارية لتوافقاته وصراعاته

 

لطاما كانت الجغرافيا السورية جسرًا بين عدة حضارات قوية عسكريًا واقتصاديًا وديموغرافيًا.

لذلك كان عليها أن توازن، بين إمبراطوريات ثرية وقوية. إمبراطوريات ما بين النهرين وإمبراطوريات الفرس، من جهة، وبين إمبراطوريات الفراعنة ثم الإغريق ومن بعدهم الرومان والبيزنطيين من جهة أخرى.

 

ولطالما كانت سوريا، ممراً لطريق الحرير والتوابل، بكل ما يحمله من انتقال للتجارة والثروة والأعراق، والثقافات، والأديان، والقيم. فانتعشت بلاد الشام، ثقافة وقيمًا روحية وتجارة وأسفاراً. لكن سوريا حين تضعف، كانت تسحق، ديموغرافيًا واقتصاديًا وسياسيًا تحت وطأة صراعات الدول القوية. لكن، حينما كان يدب الضعف في كلا جناحيها الاستراتيجيين شرقًا وغربًا -المتمثلين بممالك الشرق والغرب، كانت سوريا، تجمع قواها الممتدة حتى جزيرة العرب، وصولًا لنهري دجلة والفرات، وتسارع لملء الفراغ الاستراتيجي عسكريًا وسياسيًا وفكريًا. تلك كانت ملامح اللحظات البراقة من نهوض التدين في بلاد الشام وصولًا للحظة البزوغ الماجد للدين الحنيف.

 

بقيت بلاد الشام قرونًا طويلة بعد ظهور الإسلام تتمتع بنسبة عالية من التسامح تجاه التفاوت العقائدي والاثني، بل حصلت عمليات قسرية للعقيدة الدينية في لحظات محدودة جدًا وتم ذلك دون ضغط على البنية الاثنية المتنوعة لبلاد الشام.

بعد استقلالها، عن الإمبراطورية العثمانية ثم الاستعمار الفرنسي مع نهاية الحرب الثانية، تمتعت سوريا باستقرار نسبي في ظل توافقات يالطا وما تلاها، حيث صارت سوريا من نصيب المدارات الروسية. لكن سرعان ما اختلت تدريجياً مقومات هذا الاستقرار. كانت بدايتها سقوط الاتحاد السوفيتي وغزو العراق.

في حينه سارع النظام السوري السابق لكسر الهوة مع أمريكا، وفرض نفسه كقوة تدخلية وأداة إقليمية موثوقة ومخولة كوسيط قوة، سواء في لبنان أو لضبط الفلسطينيين، أو تجاه إسرائيل، أو موازنة العلاقات بين إيران ودول الخليج العربي. إلى اندلاع الثورة السورية.

 

بعد ثلاث سنوات من اندلاع الثورة السورية، جنحت أمريكا نحو تفويض روسيا بالوضع السوري من منطق (خذها لكن أصلحها).

وسرعان ما جاءت تحولات عاصفة أدت لسحب البساط الأمريكي من تحت التفويض الروسي.

كان أولها الحرب الأوكرانية، وثانيها السابع من أكتوبر 2023م، بل، ثمة رأي قوي أن سقوط هاريس في واشنطن، قد سرع في حصول التحول السوري أمام خشية الديمقراطيين من إعادة تفويض روسيا في الإقليم.

 

تركيا: كانت على النقيض من إيران، تعتمد في بناء شرعية النظام التركي، واستقرار نموذج الدولة واستراتيجيتها الإقليمية، على عوامل جيو -اقتصادية أصيلة، أكثر من اعتمادها على العوامل العقائدية التعبوية الواهية. إذ يشكل تعظيم الميزات الجيو-استراتيجية لتركيا التي يمكن القول إنها إحدى أهم الجغرافيات في العالم، جوهر السياسات بعيدة المدى للأمة والدولة التركية.

من هذا المنظور، تعتقد من النخب التركية أن الموقع الاستراتيجي لتركيا، وقوتها الاقتصادية، يجب أن يوظف لتصبح تركيا شريكًا موضوعيًا في اقتصاديات الطاقة والتجارة، وحماية الطرق البحرية وتحالفات الإقليم.

فمع احتفاظها بعلاقات دبلوماسية نشطة مع إيران وروسيا وإسرائيل، تمكنت تركيا من جعل نفسها ضرورة لا غنى عنها بالنسبة للغرب، سواء عبر تدخلها النشط في سوريا، ثم في دورها الاستراتيجي ضد روسيا سواء في أرمينا ووسط آسيا، ثم ليبيا ثم السودان، أو بعد الحرب الأوكرانية، عبر إغلاق مضائق الدردنيل أمام الأساطيل الروسية، ثم دعمها لأوكرانيا بالمسيرات، وأخيرًا مساهمتها الحيوية في عملية إسقاط نظام الأسد.

بذلك تعتقد تركيا بمقدورها، أن تصبح شريكًا مباشرًا في تشكيل سوريا والإقليم من خلال ما حققته من موقع حيوي في استراتيجية الغرب وعلى الخاصرة الجنوبية لحلف الأطلسي وشرق المتوسط بشكل خاص.

تتطلع تركيا لمحيطها الاستراتيجي من منظور الفرص والمخاطر الناجمة عن الفراغ الاستراتيجي الناجم عن الانسحاب الإيراني والروسي في الهلال الخصيب، لكنها تنظر بريبة إزاء التسييد الإسرائيلي، لتجد في إسرائيل الخصم وربما المنافس الوجودي الاستراتيجي الأخطر. 

 

إيران:

كان انهيار النظام السوري السابق، انقطاع "كعب آخيل" في خريطة النفوذ الإيرانية. لكن ذلك، لا يعكس كامل اللوحة الكاملة للتحول العاصف في الحال الإيراني.

فلقد حصل انكشاف استراتيجي جوهري لإيران كما تداعت العقيدة الاستراتيجية الإيرانية المستندة على نشر الثورة ودور الأذرع كخنادق ترفع قدراتها التفاوضية وتعظم موقعها الإقليمي. سيفرض هذا الانكشاف الفادح حتمًا تبدلًا عميقًا في الفكر الاستراتيجي وفي نموذج السلطة في طهران، بل وفي الهيكلية العقائدية الحاملة للنظام.

ثمة جدل عميق بين نخب السلطة الإيرانية الآن حول هذا الانكشاف. ويدور الجدل حول جدوى تصدير الثورة في حين يصل التهديد لعقر طهران، وحول مجمل عملية التموضع الإقليمي لطهران وتحالفاتها شبكة أولوياتها الإستراتيجية.

 

في الحال الراهن، تقف طهران أمام خيارين حادين: فإما أن تقرر القيادة تحويل إيران لحال شبيه بفيتنام أو العراق 1991م، وإما أن تلتفت بجدية لأمنها القومي كدولة طبيعية والانكفاء الاستراتيجي للاستثمار بل في مقومات الأمن القومي الإيراني ذاته.

 

بل يلاحظ بشكل ملفت في إيران بعد حربها المباشرة مع إسرائيل، صعود الخطاب العقائدي القومي بديلاً للخطاب العقائدي وتعزيز قيم الدولة القومية، دولة الأمة، بديلًا عن الدولة الميليشيوية. لتصبح قضية إعادة تعريف الدولة الإيرانية ودفاعاتها القومية وبنيتها الاقتصادية هي الركيزة الحاكمة لأولويات العقيدة الاستراتيجية الإيرانية الناشئة.

لم يحسم هذا الصراع بعد

إذ يقف على الجانب الآخر جيل قديم وبيروقراطية عسكرية متجذرة ومنتفعة، تريد تعزيز العصبية العقائدية الشيعية واستعادة بناء "فروع الثورة الإيرانية" حتى النصر.

لكني أحسب الكفة تميل لصالح التيار القومي الإيراني.

إسرائيل:

لا تزال إسرائيل تعيش سكرة الغبطة وغرور عنجهية القوة على الجميع في الإقليم. لكن غرور القوة هذا، يجعلها تتشرنق في عزلة حقيقية. ففي حين تدعي إسرائيل أنها تستطيع الاكتفاء بدعم القوة الأمريكية المهيمنة، فإن احتدام الوضع الدولي يجبرها على الانكفاء في الشرنقة الأمريكية في عالم متعدد الأقطاب. وفي حين تنكفئ أمريكا على ذاتها بشكل ملفت، تترقب قوى دولية عديدة العودة لقلب المجن في الإقليم.

ينطبق ذلك على أوروبا التي تجد في سياسات إسرائيل العبء الاستراتيجي. وينطبق على روسيا والصين حيث تجد مراكز الأبحاث فيهما أن إسرائيل، وخاصة بعد ضرب إيران، صارت جزءًا عضويًا من الاستراتيجية الأمريكية التي تحاول إخراج هذه الدول من الإقليم.

بل تمر العلاقات السطحية بين إسرائيل والدول العربية التي مضت مخلصة نحو السلام معها، بأزمة عميقة.

في هذا السياق، تشير المصادر الإسرائيلية لحالة من الغبطة الكبيرة من سرعة التقدم في المفاوضات مع الحكومة السورية. وليس من الواضح بعد طريق الوصول لاتفاق ينهي عمليًا الصراع مع إسرائيل بشكل نهائي. بل ينظر البعض في إسرائيل أن السلام مع الحكومة الراهنة في سوريا سيعني تداعي مقومات المشروع الإسلامي الإقليمي القائمة على العداء للغرب وإسرائيل، مما يشكل فرصة وبداية لإخراج الصراع العربي الإسرائيلي من أجندة الإسلام السياسي، لتنحصر هويته في توجهاته المذهبية الداخلية. ولا تخفي مراكز الأبحاث الإسرائيلية استعدادها للمخاطرة بتجربة حكم ثانية تشبه تجربة تأسيس حماس في غزة.

لكن إسرائيل تعمل على الأرض من أجل تعزيز الاختراق الأمني والمعلوماتي والمالي لسوريا، ودرء مخاطر المقاتلين الجهاديين السوريين والأجانب، وهو ما تقوم به بشكل فعال عبر عمليات القصف والاغتيال، وضمان عدم السماح بتسليح استراتيجي للجيش السوري، وإبعاد السلاح الثقيل لمسافة كافية عن حدودها، وإذ تسير مفاوضات السلام السورية ــ الإسرائيلية بشكل متسارع، ستوفر هذه الاتفاقات فرصة نادرة بالنسبة لإسرائيل فيم محاولتها لاستبعاد تركيا عن المشهد السوري، وقطع الطريق على إمكانية تحويل سوريا لمنصة استراتيجية لها.

 

سوريا في خضم العاصفة الكاملة

 

بذلك، تتقاطع، دوليًا وإقليميًا النصال على النصال فوق الجسد السوري الواهن. في حين تعاني سوريا من انهيار صارخ ومتعدد المحاور، لسيادتها وقرارها الوطني.

إذ يمكننا أن نحصي أكثر من أربع عشرة قوة عسكرية غير موالية للعاصمة دمشق. بعضها يمثل دولا مثل إسرائيل وتركيا وروسيا وأمريكا وحلفائها الأطلسيين، وبعضها يمثل قوات محلية حماية ذاتية لمكونات مختلفة اثنية وطائفية وعشائرية، وبعضها أيضاً يعكس طيفًا واسعًا من الميليشيات الجهادية من الإيجور وأنصار السنة وصولا إلى داعش، ونذكر في آخر المطاف قوات بلاك ووتر الأمريكية غير الحكومية العاملة في دمشق وغيرها على الأراضي السورية.

إذا، في غمرة هذا الضعف والتشتت، تتقاطع وتتصادم في سوريا عدة مشاريع كونية متناحرة.

 

حروب طرق الطاقة:

ثمة صراع محتدم حول خطوط نقل الطاقة المتوفرة بكميات هائلة من وسط آسيا وإيصالها إما للمتوسط او المحيط الهندي.

وجدت أمريكا في غزوها لأفغانستان فرصة عبر باكستان لكنها فشلت. ووجدت روسيا في إيران ممرًا عبر بحر قزوين مرورًا بشمال العراق وسوريا نحو جيهان التركية لكنها فشلت نهائيًا بسقوط النظام السوري. وهي لا تزال تسعى لإيجاد ممر نحو المحيط الهندي عبر إيران.

من جهتها، وبعد أن فوضت أمريكا، تركيا بمناهضة السياسات الروسية في القوقاز ووسط آسيا، شجعت الانعطاف الكازاخي الكبير بعيدًا عن روسيا ونحو أذربيجان وتركيا، ثم تمكنت تركيا من توجيه ضربة ساحقة للقوات الروسية في أرمينيا، وأمنت بذلك ممرًا مباشرًا للطاقة وسكك الحديد نحو ميناء جيهان التركي. لكن هذه الحرب لا تزال حادة ومنعقدة وتدور من جديد حول سوريا.

 

حروب خطوط التجارة:

يتقاطع مشروعان كونيان في الإقليم. الحزام والطريق الصيني وصولا نحو أوروبا. ثم الطريق البديل -طريق التوابل -الذي تروج له الولايات المتحدة انطلاقًا من الهند نحو الجزيرة العربية نحو أوروبا أيضاً. في هذا السياق، تمكنت الصين من افتتاح خط حديدي نحو إيران مرورًا بباكستان. وحمل الانعطاف الحاد لباكستان نحو إيران خلال الصدام مع إسرائيل، وبعيدًا عن الخلافات الطائفية، الكثير من المؤشرات الصينية، بل والروسية. في هذا الصراع تقع سوريا على الطرف المتوسطي لكل هذه المشاريع.

 

حروب الممرات البحرية:

وتحتدم بذلك الصراعات على خطوط النقل البحرية والبرية السورية. ويتجلى ذلك بوضوح من خلال التنافس الأوروبي / الروسي والأمريكي – البريطاني والتركي على عقود النفط السوري، والموانئ السورية. وبسرعة ملفتة تدخل إسرائيل على خط الممرات التجارية ومستقبلها في سوريا.

 

حروب النفوذ والتفويض الإقليمي:

ما بين التسييد الإسرائيلي والصعود التركي تتشابك الحراب في سوريا، شمالًا وشرقًا وغربًا وفي طرابلس-لبنان، وكذلك في الساحة الاستراتيجية للشرق الأوسط وشرق المتوسط. وتنخرط الولايات المتحدة وأوروبا مباشرة، هذه المرة، وعبر أدوات عديدة في هذه الصراعات للهيمنة على هذه الخطوط.

 

طوق النجاة العربي

 

تبحث سوريا الواهنة عن بر سكينة وأمان. بر لا يجد فيها مكسر عصى، بل بر يخرجها من العواصف، كي تسير نحو التعافي.

يشكل الخيار الاستراتيجي الذي اختطته المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي بالقطع الحاسم مع استراتيجيات تأبيد الصراعات العقائدية والمذهبية البينية في المشرق العربي، والانعطاف نحو تعزيز بناء الدولة الأمة والدولة الوطنية، واعتماد نهج بناء السلام والاستقرار والتنمية والازدهار الوطني والإقليمي، أقول هذا النهج هو رد حاسم على الانكشاف الاستراتيجي الإقليمي لسوريا، بل إنه الخيار الحيوي، والممر الإجباري لسوريا نحو بر الأمان.

ساعدت وتساعد مقاربة السعودية وغيرها من دول الخليج بشكل حيوي عملية التحول السلمي لسوريا الجديدة، مما يتيح احتضان هذا التحول، وامتلاك القدرة على توجيهه والتأثير فيه بعيدًا عن قوى التطرف العقائدي، وبما يؤمن تحييد العديد من عوامل الصراع الإقليمي والدولي على سوريا. وذاك طوق النجاة الوحيد لسوريا الجديدة

كما تعد التحولات المؤسسة التي يقودها سمو الأمير محمد بن سلمان ولي عهد المملكة العربية السعودية مصدر إلهام حقيقي لسوريا الجديدة. ويعتبر نجاح إعادة التموضع الاستراتيجي للمملكة عامل دعم رئيسي يؤثر جوهريًا في الخيارات المتاحة أمام سوريا.

إنه شاطئ الأمان الوحيد لسوريا.

مقالات لنفس الكاتب