array(1) { [0]=> object(stdClass)#14184 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 212

النقاش الأوروبي يتمحور حاليًا حول زيادة الإنفاق الدفاعي مقارنة بالإنفاق على الرفاه

الأربعاء، 30 تموز/يوليو 2025

لم يحظَ الأمن الدولي والجغرافيا السياسية قط بمثل هذا القدر من التحليل والنقاش المستمر كما هو الحال اليوم. وفي ظل هذه المرحلة التي تتسم بالضبابية وعدم اليقين، من الضروري ألا تستحوذ علينا الرغبة في التوصل إلى حلول سريعة ومُتسرعة. فالتفكير المتأني يكشف عن وجود مبادئ جوهرية تحكم هذه الظواهر.

لقد اعتدنا على سماع مصطلح "نقطة تحول تاريخية" لوصف أحداث معينة، إلا أن التجربة الإنسانية أثبتت أن عدم اليقين يظل العنصر الحاسم والمتحكم في مسار الأحداث. فمن الصعب حاليًا الجزم بأن حدثًا واحدًا بمفرده هو الذي يغير قواعد اللعبة بشكل جذري. بل إن التكيف والتطور المستمر استجابةً للأحداث المتكشفة هو النهج السائد، حيث تختلط المصالح والقيم والأنماط الشخصية، بطرق مُتغيرة، دون أن تفرز نظامًا منطقيًا واقعيًا، وذلك باستثناء بعض الحالات البارزة.

لقد نشأ النظام الدولي، بالشكل الذي طالما عهدناه، في كنف الحرب العالمية الثانية. واختبر منذ ذلك الحين مراحل مختلفة، لذلك ينبغي أن تكون هذه نقطة البداية إذا ما أردنا التوصل لفهم أفضل لما نحن عليه اليوم.

تتلخص السمات الأساسية لهذا النظام فيما يلي: تعدد المنظمات الدولية التي تم إنشاؤها بهدف إدارة السياسات وربط المصالح المختلفة؛ اتباع النهج متعدد الأطراف باعتباره النظام المعمول به؛ التحول التدريجي إلى العولمة كراعي للتجارة الحرة، والتنمية الاجتماعية والاقتصادية. وقد عاصر هذا النظام عددًا من التواريخ المهمة مثل: إنشاء حلف شمال الأطلسي "ناتو" عام 1949م، بموجب معاهدة واشنطن؛ وإنشاء السوق الأوروبية المشتركة عام 1957م، بموجب معاهدة "روما". بالإضافة إلى انهيار الاتحاد السوفيتي أوائل تسعينيات القرن الماضي وما تبع ذلك من تبعات اقتصادية واجتماعية امتد صداها حتى يومنا هذا. ثم انتهاء حقبة الحرب الباردة ووقوع أحداث الحادي عشر من سبتمبر، التي قيل حينها أنها ستكون منعطفًا حاسمًا يسطر فصل النهاية للتاريخ الحديث.  ولكن اتضح أنها لم تكن سوى بداية مرحلة جديدة لمجتمع دولي أكثر تعقيدًا وتشابكًا من حيث التحالفات والخيارات. كما أرست نظامًا " أُحادي القطب" تنفرد الولايات المتحدة فيه بالزعامة العالمية مع اتجاه "المحافظين الجدد" لتصدير نمط الديمقراطية والقيم الخاصة بهم لمختلف دول العالم. ثم جاء الغزو الأمريكي للعراق والجمود المطول الذي أصاب الحرب في أفغانستان ليكشف الغطاء عن محدودية هذا الاتجاه. وأعاد الغموض ليفتك تدريجيًا بالبيئة الدولية التي اتسمت أيضًا بصعود لاعبين دوليين جدد بأشكال شتى؛ دولًا كانوا أو كيانات غير حكومية وذلك بالأخص في مجال الإرهاب الدولي.

 وعلى مدار العشر إلى الخمس عشرة سنة الماضية، اتضح جليًا أن عصر القوة العظمى العالمية الواحدة قد انتهى، وأننا نتجه نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب، نظام لا يخص أحدًا بعينه بل هو ملك للجميع. وتُظهر الصورة الجديدة أن التغلغل، والتعقيد، والتشرذم، غدت السمات المحددة للبيئة الدولية وينطبق ذلك بالأخص على منطقة الشرق الأوسط. كما أدت التغييرات المهمة التي وقعت خلال الآونة الأخيرة والأوضاع الراهنة إلى إعادة رسم ملامح المشهد العالمي.

بادئ ذي بدء، لم يعد بوسعنا تفنيد القضايا بالطريقة المعهودة التي اعتدناها؛ وذلك نظرًا للترابط الوثيق بين قضايا الدبلوماسية، والتجارة، والتكنولوجيا، والعلوم، والبيئة، والطاقة بحيث لم تعد قابلة للفصل. بالتالي، فإن هذا القدر من التشابك يجعل التحليلات والاستنتاجات أكثر تعقيدًا عن أي وقت مضى. ناهيك عن الوقائع المستجدة مثل أزمة التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي والمعلوماتي؛ حيث أصبح انتشار الأخبار العالمية عبر شتى أنحاء الكرة الأرضية لا يستغرق سوى بضع دقائق قليلة. ولكنه اقترن بصعوبة السيطرة على هذا الكم من التدفق المعلوماتي، وكذا التمييز بين الحقائق والمعلومات المضللة. خلاصة القول، نحن نعيش في عالم نرى فيه التغيير يحدث بأم أعيننا وسط تفاعل مستمر بين الحقائق الإيجابية والسلبية، وكذلك بين المخاطر المحدقة والفرص السانحة.

الحقيقة المؤكدة هي أن العولمة ولدت لتظل باقية شئنا أم أبينا، حتى وإن لم تَرُق لنا سماتها الراهنة. مثلما يشكل تزايد عدد الأطراف الفاعلة على الساحة الدولية والدول التي تمتلك ترسانة من أسلحة الدمار الشامل باعثًا للقلق. في الوقت الذي انضمت خمس دول من بين هؤلاء إلى معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، امتنعت ثلاث دول أخرى عن الانضمام، فيما تتجه اثنتان إلى نشر الأسلحة. ولدينا قناعة راسخة بأن استخدام هذا النوع من الأسلحة، حتى ولو بدأ الأمر بمجرد تهديدات ومشاحنات كلامية، كفيل بإحداث كارثة ذات أبعاد غير مسبوقة. من ثم، يتحتم إيجاد سبيل نحو إعلاء الاعتدال، والتعاون، والمصلحة المشتركة، وإن كان القول أسهل من الفعل.

الأوضاع الراهنة

يتطلب تقييم الداعمين الحاليين في مجال الأمن الدولي إدراكًا عميقًا للتحولات الجارية. فقد اكتسبت القضايا الدولية خصائص جديدة، متجاوزة الحدود التقليدية بفعل عوامل مُترابطة ارتباطًا وثيقًا. بالتالي، أصبحت استراتيجيات الاستدامة والتوجيه الاستراتيجي شاغلًا رئيسيًا يقتضي العمل على وضع تحليلات واستنتاجات مُعمقة. على عكس الأيام الخوالي، حيث إن مجرد التفكير في أن سفراء الدول في ذلك الوقت اعتادوا إرسال برقيات لحكوماتهم تحذر من مغبة اندلاع حرب وشيكة، ظنًا بأن هذا ببساطة فحوى دورهم لرسم البسمة على الشفاه، ولعل التاريخ يزخر بالعديد من الأمثلة على ذلك. كما عاصرنا حالة الذهول وعدم التصديق الأولية التي صاحبت الثورة المعلوماتية وسرعة انتشار الأخبار العالمية في أقل من بضع دقائق. ورغم أن ذلك يشكل تطورًا إيجابيًا في حد ذاته، إلا أنه ينطوي على مخاطر تداول المعلومات بشكل عشوائي دون رقابة، وهي ظاهرة أصبحت متكررة الحدوث. مرة أخرى، لقد أصبحت العولمة واقعًا ملموسًا لن يزول، ربما يمكننا ببساطة انتقاد بعض سماتها، لكننا سنواصل العيش تحت مظلتها.

وفي سياق متصل، يشكل انتشار أسلحة الدمار الشامل، التي أصبحت بحوزة العديد من الأطراف الفاعلة الدولية، تهديدًا محتملًا دائمًا. وتُعد كارثة هيروشيما والتفجيرات النووية التجريبية المتعددة دليلًا دامغًا على مستوى الدمار المؤكد الذي تُحدثه هذه الأسلحة. ومن هنا، فإن غياب القواعد المتفق عليها في البيئة العالمية الراهنة يجعل الأمن الدولي عرضة لعدم اليقين، الذي يمثل آفة هذا العصر.

لعل أحد أبرز الدروس المستلهمة من حقبة الحرب الباردة بشكل عام، هو أنه لا أحد في مأمن مادام بمفرده؛ بل ينبغي لنا التحلي بالصبر عند التفاوض والاتفاق على القواعد التي تعزز الثقة المتبادلة وترسي أساسًا أكثر متانة لقوة الردع. ولكن السماح لمشاعر انعدام الثقة والقلق بالتأثير على العلاقات الثنائية والمتعددة الأطراف يجعل من خطر استخدام الأسلحة النووية أمرًا وشيكًا.

 على الجانب الآخر من الصورة، يشهد العالم تنمية اقتصادية غير مسبوقة ومنتشرة عبر قَاراته، بجانب ارتفاع متوسط الأعمار، وممارسات الحد من انتشار الفقر، فضلًا عن الطفرة المعرفية المشهودة بشكل عام. بالتالي، فإن هذه المستجدات الإيجابية المتكشفة تجعل استخلاص استنتاجات حول المسارات المستقبلية مهمة مستحيلة ومحفوفة بالتحديات.

فإذا ما أردنا معالجة قضايا الأمن بطريقة أكثر وعيًا، سندرك أنه لم يعد هناك مكانًا لتلك الصورة النمطية البسيطة المحفورة في أذهاننا لجندي وهو يحمل البندقية. بل إن مفهوم الأمن اليوم يُغطي كافة المحاور المتعلقة بالمجتمعات: صلابة الشعوب، التهديدات الهجينة، المعلومات المضللة، الإرهاب، الاقتصاد الإجرامي، الاتصالات، والصحة. وتشكل أزمة الانقطاع الكامل لخدمات الاتصالات والانترنت في أسبانيا قبل بضعة أشهر مثالًا واضحًا على شكل التهديدات المستقبلية المحتملة.

بالتالي، فإن السؤال هو كيفية مواجهة هذا الواقع المستجد؟ وتشهد الأروقة الأوروبية حاليًا نقاشًا مستمرًا، مدفوعًا بقناعة متنامية بضرورة ألا يتخلف الاتحاد الأوروبي عن الركب العالمي سريع التغير، حيث يتحول ميزان القوة بعيدًا عن كفة القارة العجوز، التي ظلت بالإضافة لحليِفها الأمريكي يَجنيان ثمار السلام المُدرك بعد انتهاء الحرب الباردة حتى نضبت. النقاش الأوروبي الدائر حاليًا يتمحور حول زيادة الإنفاق الدفاعي مقارنة بالإنفاق الموجه للحفاظ على مستويات الرفاه الاجتماعية. وينبغي الأخذ بعين الاعتبار أن الشق الدفاعي يغطي نطاقًا عريضًا من المجالات الأوروبية بما في ذلك الصناعة، والبحث العلمي، والاتصالات، والتحول الرقمي، والبنية التحتية لشتى القطاعات، ومجالات أخرى. كما تعد تلك القطاعات الواقعة تحت بند الأمن مصدرًا أيضًا للبحوث العلمية والوظائف الجديدة. بالتالي، فإن النقاش الدائر، بينما نكتب هذه السطور، يتجاوز ما هو أبعد من المجال الدفاعي، ليٌخاطب ما يعرف بهدف "الاستقلال الاستراتيجي"، وهو الهدف الذي يلامس مجالات يعتقد الأوروبيون أن نفوذهم فيها قد تراجع، مثل استكمال السوق الداخلي، والاتحاد المصرفي، والسوق المالي، والتكنولوجيا المتقدمة، والتحول الأخضر. يعكس هذا النقاش تطلعات وطموحات أوروبية متنامية يجب أن تترجم إلى قرارات ملموسة تُعيد لأوروبا دورها الذي أصبح على المحك، بما يتجاوز الاستدامة المالية ليشمل استراتيجية استدامة شاملة.

تنص الخطة التنموية المرتقبة للاتحاد الأوروبي على التوسع شرقًا ليشمل دول البلقان وأوكرانيا. يضع هذا التوسع التكتل الأوروبي مجددًا أمام معضلات صعبة، تتضمن التعامل مع مؤسساته الأساسية. ويبقى التساؤل قائمًا حول المتغيرات الجوهرية ومستقبل العلاقات مع الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب، الذي شن حملة هجومية لاستعادة ما يظن بإنه جزء مهدور من الثروة والنفوذ الأمريكيين. فقد بنى الرئيس الأمريكي حملته على افتراضية أن الولايات المتحدة تدفع ثمنًا باهظًا من أجل نظام عالمي استفاد منه الآخرون. وحتى الآن لا تزال النتائج النهائية لخطته الجديدة للرسوم الجمركية، التي تستهدف في المقام الأول كل من الصين، والاتحاد الأوروبي، ودول أخرى، غير واضحة، وكذلك تبعاتها الاقتصادية على التجارة الدولية. بالنسبة لأوروبا، قد يكون هناك فائض في ميزانها التجاري مع الولايات المتحدة. ومع ذلك، ترى الدول الأوروبية أن المنظور الأمريكي يتجاهل حجم وارداتها من المعدات العسكرية الأمريكية، بالإضافة إلى الاستثمارات الأوروبية الكبيرة التي تساهم في سد العجز العام وتمويل أسواق المال الأمريكية.

 الدور المتطور لحلف الناتو                

يشكل مستقبل حلف شمال الأطلسي "الناتو" أبرز القضايا محل الاهتمام المشترك على جانبي المحيط الأطلسي في خضم الزخم الملحوظ في عام 2025م، للتحول من منظمة تركز على سيادة القانون لكيان صاحب نفوذ والذي لا يزال في انتظار الكلمة الفصل. لقد اضطلع التحالف الغربي على مدار تاريخه بدور فريد في حماية أوروبا من المد الشيوعي والسماح لها بأن تنمو اقتصاديًا واجتماعيًا. بشكل عام، شكل الناتو عاملًا إيجابيًا في " ترسيخ الأمن". ومع نهاية الحقبة الباردة التاريخية، تغير دوره كمنظمة لإدارة الأزمات وواصل التكيف مع تطور البيئة الدولية بطريقة مدهشة. وينبغي دومًا الأخذ بعين الاعتبار أن تحركات الناتو تتم وفقًا لما تقتضيه الضرورات وفي إطار الأولويات المتفق عليها، وليس وفق استراتيجية محددة طويلة الأمد. على سبيل المثال، بدأ التحالف الغربي أولى عملياته " خارج محيطه أو نطاق عمله" على حد تعبير اللورد روبرتسون الأمين العام السابق للحلف، والتي شملت دولا مثل البوسنة عام 1994م، وكوسوفو عام 1999م، وأفغانستان عام 2003م.

من الأهمية بمكان التذكير بالمهام الأساسية الثلاث المنصوص عليها ضمن المفهوم الاستراتيجي لمعاهدة تأسيس الناتو: الدفاع المشترك، وإدارة الأزمات، والأمن التعاوني. وتكتسب المهمة الأخيرة أهميتها لكونها تنطوي على سياسة جديدة تقوم على إقامة شراكات مرنة مع مختلف مناطق العالم. وقد تختلف هذه المهام من حيث درجة كثافتها، وتستند على أساس مزيج من الحوار السياسي والتعاون العملي. وهو ما يمثل أهمية خاصة للمنطقة العربية لما يتمتع به الناتو من سلة أدوات متنوعة تُخول الدول/المنظمات الشريكة الاستفادة من خبراته الطويلة وتجارب الدول الأعضاء وإن لم يُحقق هذا النهج نجاحًا يذكر حتى الآن. مؤخرًا، ركز حلف الناتو جهوده على مجابهة النفوذ الروسي نتيجة عدوان الأخيرة على جزيرة القرم وأوكرانيا بعدما ظل نشاطه مكرسًا تجاه منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وأثمر عن تدشين مبادرة" الحوار المتوسطي" ومبادرة "اسطنبول للتعاون". على الجانب الآخر، لم يظهر النظراء العرب اهتمامًا بالقدر المطلوب، غافلين حقيقة أن هذه الشراكة تعد "طريق ذو اتجاهين" وفي حاجة لمزيد من الوقت كي تتطور -بالشكل الذي يخدم المصلحة المشتركة. وأعتقد أن حلف الناتو نشأ ليظل باقيًا بفضل دوره المستمر في خدمة المصالح المشتركة وتمتعه بعدد من القيم المضافة التي تجعله دَاعمًا أمنيًا فريدًا. فضلًا عن التعاون المستمر بين مختلف الدول الأعضاء منذ عام 1949م، والتوافق التام في قابلية التشغيل البيني للعمليات المشتركة، حتى التي تتم عن بعد، بالإضافة إلى قدرة هذه الدول على تقديم دعم تقني عال المستوى.

إن محاولة استشراف تداعيات اتفاق سلام محتمل مع روسيا أمر في غاية الصعوبة، ومن غير المنطقي الاعتقاد بأنه سيؤدي إلى تغيير جذري في طبيعة حلف الناتو. شخصيًا، أستبعد تمامًا إمكانية قيام تحالف بين واشنطن وموسكو يستهدف مواجهة الصين دون مشاركة أوروبا. فقد أكدت قمة الناتو الأخيرة في لاهاي على الدور المحوري للتحالف الغربي، مما دحض التوقعات التي كانت تشير إلى عكس ذلك. إضافة إلى ذلك، توصلت الدول الأوروبية إلى اتفاق حول وضع سقف جديد لزيادة الإنفاق الدفاعي. ورغم أن هذا قد يُترجم على أنه نجاح يُحسب لواشنطن، إلا إنه يبرهن على أن الناتو لا يزال كيانًا ذا أهمية وقادرًا على تسطير بداية فصل جديد في تاريخه الممتد، والتكيف مع رياح التغيير التي لا تزال تعصف بالبيئة الدولية الراهنة.

السؤال التالي المُلح هل سيتم إضفاء صبغة أوروبية على التحالف الغربي؟ بالطبع لن نتمكن من إصدار أحكام مبسطة خلال بضع سطور قليلة. فإن مسألة الهوية الأوروبية للتحالف الغربي لم تكن وليدة اللحظة ولطالما كانت موضع نقاشات في السابق. حيث تحظى فكرة الدعامة الأوروبية لحلف الناتو باستحسان عام نظرًا لأنها تحمل بعض المنطق، ولكن ينبغي صياغة المفهوم بأسلوب أكثر دقة. ورغم أنها لا تمثل قضية أولوية حاليًا، لكن من المهم أن نلمس حراكًا وقبولًا من قبل الحلفاء الأوروبيين للاضطلاع بقدر أكبر من المسؤوليات تحت مظلة الشراكة المستمرة بين جانبي الأطلسي.

 ينطوي مفهوم الدعامة الأوروبية لحلف الناتو على العمل على بناء علاقة أفضل وأكثر تنظيمًا مع الاتحاد الأوروبي، حيث تعتلي السياسات الخارجية والدفاعية تدريجيًا مكانة أكثر أهمية. وتُناقش أهدافًا جديدة تمنح صوتًا مسموعًا للدول ذات التاريخ العريق، الراغبة في تجديد مسؤوليتها في الشؤون العالمية. بالتالي فإن النقاش بشأن "الاستقلال الاستراتيجي" لأوروبا يتجاوز ما هو أبعد من مجرد "الشق الدفاعي".

التساؤل الأخير المطروح يدور حول كيفية تطور ميزان القوى العالمي: هل سيستند إلى المقايضات واستخدام القوة بمعزل عن القيم المشتركة، أم أن هناك سبيل لضمان عدم خروج النزاعات عن السيطرة وتعزيز الاستقرار العالمي بمنهج أكثر تنظيمًا؟

لنبدأ بالنظر إلى مواردنا العالمية المشتركة: كوكب الأرض، المحيطات، المناخ، الفضاء، والفضاء الإلكتروني، وغيرها. يجب أن نتفق على أن مستقبلنا لا يمكن أن تحدده النزعة الأنانية الوطنية أو عقلية الربح المطلق غير المقيد. فعندما نتناول قضية الأمن، يكون هدفنا الأسمى هو تعزيز الثقة المتبادلة والتفاهم والتعاون. إنها مهمة شاقة تتطلب حنكة وجهدًا متواصلًا، ولا يمكن لأي طرف تحقيقها بمعزل عن الآخرين. باختصار، يمثل "الأمن التعاوني" النهج الأمثل لنظام دولي مستدام.

مقالات لنفس الكاتب