array(1) { [0]=> object(stdClass)#14291 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 212

دول الخليج تحتاج التلاحم المؤسسي وسياسة خارجية موحدة والابتعاد عن الصراع لحماية المكاسب التنموية

الأربعاء، 30 تموز/يوليو 2025

يسرد لنا التاريخ قصة لها معنى (ربما لا تكون حقيقية) فقد سأل أحدهم نابليون قبل معركة واترلو الشهيرة 1815م، هل الله معنا نحن الكاثوليك، أو مع الانجليز البروتستانت، رد نابليون (الله مع الفريق الذي لديه مدافع أقوى)!  إنها القوة إذا الصليبية في كل التاريخ الإنساني والتي تقرر نتيجة المعارك والسؤال الذي يطرح في عالم اليوم هو، هل اختل التوازن العالمي، فلم تعد العلاقات الدولية يقينية كما وقت قريب؟  أي قائمة على القانون الدولي والأعراف المُستقرة، أم أن القوة هي القيمة العليا في الصراع؟ وهو سؤال يحتاج إلى استقصاء للإجابة عليه.

نعمت البشرية بعد الحرب العالمية الثانية بمرحلة سلام طويلة، وكانت الحروب التي نشبت بعد تلك الحرب المهلكة، هي في الغالب، حروب محلية، تتدخل فها الدول الكبرى عن بعد، وتحارب لإطالة استنزاف الخصم. التوازن العالمي الذي ساد في مرحلة ما سمي (توازن الرعب) بين الدولتين الكبيرتين، الولايات المتحدة الأمريكية، والدولة السوفيتية الكبرى، كان أساسه تنافس أيديولوجي، إلا أنه كان مضبوطًا بضوابط يحترمها الطرفان، بل أن بعض الدراسات تقول لنا أنهما (أي الطرف الغربي والشرقي) قد اتفاقا على تقاسم النفوذ.

لوقت قصير ظن العالم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، انه أصبح بقطب واحد، سرعان ما اكتشف الجميع أن هناك أقطاب متوسطة أصبحت مع الزمن تكبر، وهنا بدا صراع جديد، يتمحور حول (حجم الكبر ذاك) هل تُترك القوى الجديدة تكبر إلى حد المزاحمة، أو يجري بطرق مختلفة تحجيم تقدمها، وهذا ما يتم اليوم بين الولايات المتحدة والصين، وإلى حد ما بين الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية.

ربما تكون نقطة التحول الظاهر في الخلل في العلاقات الدولية هي الحرب الروسية / الأوكرانية، والتي لا زالت مشتعلة، هذه الحرب التي اشتعلت في فبراير 2022م، فجرت عددًا من المتناقضات في النظام العالمي، واستمرت حتى الآن حوالي أربع سنوات (الحرب العالمية الثانية استمرت 6 سنوات).

منذ حرب أوكرانيا أصبح (النظام العالمي القديم) مهلهل، ولم يعد هناك وفاق على (ضبط اللعبة الدولية) فلم تصبح المنظومة الدولية، كما قدر لها أن تكون، لا مجلس الأمن فاعل، ولا محكمة العدل الدولية، ولا محكمة الجنايات الدولية، تملص منها الجميع، بحجج مختلفة، وأصبحت شعارات الحرية والعدالة والمساواة وحق تقرير المصير، واحترام الحدود بين الدول، لم يعد لها معنى، بل حتى آلية الديمقراطية الغربية، بشكل عام، تم تجاوزها، وأصبح الحديث للقوة فقط، هي التي لها لسان، وتقرر المصائر.

معركة أوكرانيا هي معركة قوة، ومع كل التعاطف الذي يبديه البعض مع الشعب الاوكراني، إلا أن توازن القوة في النهاية هو الذي يحسم، والواقع يقول إن روسيا الاتحادية أقوى كثيرًا من أوكرانيا، كما ان الدعم الأوروبي يتحول تدريجيا لأوكرانيا من مادي إلى معنوي، والمسألة مسألة وقت، حتى يصل الجميع للتضحية بجزء من أوكرانيا في الحد الأدنى للدب الروسي كما يبدو من سلوك وتصريحات الإدارة الحالية في الولايات المتحدة كما هو متوقع، فإن ترامب يفضل كسب التنافس مع الصين، بدلًا من الضغط على روسيا، والتي تعتبرها الأدبيات السياسية الأمريكية أنها دولة أصغر من كبرى !!.

روسيا تتدخل اليوم في عدد من الدول، وعلى رأسها الدول الإفريقية، تحت ما يسمى قوات فاغنر، وهي في صراع مع النفوذ الغربي في عدد من المواقع، دون الحديث عن استقلال الدول الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية.

على صعيد الشرق الأوسط الصورة  أكثر وضوحًا، فهناك تأييد ظاهر أو مبطن  للوحشية الصهيونية، والقتل الجماعي للمدنيين في غزة من معظم دول الغرب، ومع ذلك تهدد جماعة وازنة من المشرعين الأمريكان، بمعاقبة أشخاص محكمة الجنايات الدولية أشد العقاب، لأنها تجرأت وأدانت بعض القيادات الإسرائيلية جراء أفعالها في غزة، وأن أدانت، ولو بشكل جزئي، الأفعال التي قامت بها  قيادة حماس، و ليس هناك ردة فعل معقولة لا من روسيا الاتحادية ولا من الصين، تجاه المجازر الإسرائيلية، كل له حساباته المختلفة، غير الحقوق التي يتوجب ان يتمتع بها أي إنسان في أرضه ! أما الدول الغربية، فهي لعدد من الأسباب، لا تستطيع إدانة الصلف الإسرائيلي، بل وتمده بالسلاح والذخيرة والدعم السياسي.

حتى آليات (الديمقراطية الغربية) تتغير جذريًا، في معظم دول الغرب، كثيرا من الدول الأوروبية تنتعش فيها صيحات العنصرية، ونبذ الآخر المختلف وإشاعة الكراهية، وفي الولايات المتحدة تلعب الشركات والأموال الدور الرئيسي في تفضيل أي من المشرعين يجب، أو لا يجب أن ينتخبوا، كما تقوم الإدارة الحالية بتسفير عدد كبير من القاطنين في الولايات المتحدة تحت ذريعة أن وجودهم غير قانوني!

من جهة أخرى تتسابق الدول المتوسطة للحصول على السلاح النووي المدمر ، وكما يحدث في إيران، وكوريا الشمالية، سباق للحصول على هذا السلاح المدمر  يولد  صراعات جانبية، وهناك قلق من إيران  لم يتوفر في  دول نووية أخرى،  هذا القلق قابع في النصوص الدستورية  والسلوك المشاهد على الأرض من الدولة الإيرانية، حيث يؤكد دستورها  أن تصدر الثورة هي مهمة الدولة، حيث تستخدم أذرعها للعبث بالأمن الإقليمي في أكثر من مكان، من البحر الأحمر من خلال تسليح و تجييش الحوثي،  للإخلال بالأمن الاقتصادي الدولي ،إلى البحر الأبيض، من خلال سيطرة على الأرض السورية  سابقًا، و جزء مسلح من الشعب اللبناني، وجزء آخر من الشعب العراقي، عدى ما عرف بالمجموعات النائمة الموالية لإيران في عدد من البلدان العربية، و بصرف النظر عما يعانيه المواطن السوري أو اللبناني او اليمني أو العراقي من شظف العيش، واضمحلال الأمن، والتشرد في انحاء الدنيا، لا بسين ثوب المهانة في غير بلادهم في الغالب وبصرف النظر عن امن الأوطان الأخرى ! هذا وهي في طريقها إلى السلاح المدمر، كيف ستغدو شهيتها إن حصلت عليه بالفعل ؟؟

انها معادلات جديدة تسيطر على عقول السياسيين، مفادها إن لم تكن قويًا، عليك بالاستعداد أن تكون ضحية، ومن يتجاهل تلك الحقيقة البسيطة، فهو بالتأكيد مغيب عما يجري في العالم، ومعجب بموقفه الساذج إلى حد التيه.

 وفي منطقتنا نجد حرائق الحروب البينية، والحروب الأهلية، تشتعل تقريبًا في كل مكان، كما أن ضعف رباط الوحدة الوطنية في عدد من الدول يشكل ظاهرة عامة في معظم اوطاننا، مما يسهل اختراقها. إلا أن المعضلة التي تواجهنا، أن كثيرين لا يقدروا، على فهم التحولات حولهم.

 

تغير جذري في العلاقات الدولية

 

أصبحت العودة إلى القوة و الاستخدام النشط لـ ( البني الصناعية و المؤسسات العسكرية ) بين القوى الكبرى تتصاعد، كان بالإمكان التغلب نسبيًا في الحرب الباردة  الكبرى السابقة ،بين المعسكر الغربي و الاتحاد السوفيتي السابق و المنظومة الاشتراكية، بسبب العجز الهيكلي في النظام الاشتراكي السابق، اليوم من الصعب التغلب على الصين، المتسارعة في النمو، هو ليس بالسهولة التي تم بها التغلب على الاتحاد السوفيتي، فالصين تقف على أكتاف الصناعة والتقنية الغربية، فهي تنظر إلى الأفق  الأبعد، كما إنها  (رأسمالية في ثياب اشتراكية)، ما لدينا من فضاء سياسي – اقتصادي دولي، يمكن توصيفه أن ( كلُ يبني قلعته) !!

الولايات المتحدة تبني قلعتها مع ما جاورها من جغرافيا، وليس مقطوعًا عن الفكر الحديث الأمريكي عن ضم كندا، وجرينلاند، وحتى المكسيك، وقناة بنما، و(خليج أمريكا – المسيك سابقًا) تلك هي القلعة الأمريكية التي تريد الإدارة الحالية بناءها، بما فيها رفع الرسوم على البضائع المستوردة.

الصين أيضًا تبني قلعتها مع ما جاورها من جغرافيا، فليس غريبًا أنه بعد رفع نسبة الضرائب الأمريكية على الصادرات الصينية في أوائل عام 2025م، أن قام الرئيس الصيني بجولة في الجوار، لشد العصب الاقتصادي، بل دعا إلى مؤتمر (المتضررين)، وكذلك مؤتمر للأفارقة، في محاولة لبناء القلعة الصينية، أي الصين وما جاورها.

روسيا الاتحادية ترغب في إعادة بناء القلعة التي اخترقت بسقوط الاتحاد السوفيتي، وما حرب أوكرانيا الممتدة لسنوات، إلا جزء من ذلك البناء، جزيرة القرم وجزء من جورجيا في البداية، ثم أخيرًا حربًا طويلة على أوكرانيا، ورغم قبول العالم أن تأخذ جزءًا منها، إلا أن القلعة التي تريد روسيا الاتحادية بناءها هي ليست أقل مما كان للاتحاد السوفيتي السابق من أراضي! بل ربما أكثر جغرافيا.

الاتحاد الأوروبي يتوجه إلى بناء قلعته العسكرية والاقتصادية، وما عودة الحديث عن تسليح أوروبا، وبسط القوة النووية الفرنسية، وعودة بريطانيا إلى أوروبا من الشباك، بعد أن خرجت من الباب، إلا دليل آخر على نية بناء القلعة الأوروبية.

بجانب ذلك نحن أمام ظاهرة صعود العنصرية في الممارسة في الديمقراطيات الغربية، كما أننا أمام توسع امبراطورية الكذب في وسائل التواصل الاجتماعي، التي تجتاح العالم ومنه عالمنا، وتوسع في الإدراك الزائف للجمهور العام. يصاحب ذلك تنامي العجوزات في المجتمعات الصناعية، مما يوجهها إلى مناطق الفائض، وجزء منه العالم العربي، ودول الخليج بالذات !! فيكون التنافس على الشرق الأوسط محتدًا وعلى رأسه منطقة الخليج العربي !! وهو تنافس يحتاج إلى الكثير من الهندسة السياسية الواعية للتعامل معه بحذاقة.

في المجتمعات العربية وخاصة ذات الثقل البشري نلاحظ مجموعة من الظواهر، منها، اضمحلال الطبقة الوسطى، نتيجة الضغوط الاقتصادية، والميل إلى الاستدانة من الخارج، حرب غزة التي اسمرت حتى الآن ما يقارب ثلاث سنوات وآثارها المدمرة على الأوضاع السياسية والاجتماعية في الإقليم، مما يهيئ لبناء منظومة صراعية في البيئة السياسية العربية في المستقبل.

 

                                          عوامل ضعف النظام العربي

 

من عوامل ضعف النظام العربي هو التوجه إلى المحلية، مع تضخم الحديث عن الهوية المحلية، مما يسبب ضعف القدرة على التعاون الفعال، كما أن الظاهرة الديمغرافية لافتة في عدد من دول الثقل السكاني العربي، توقع تناقص محتمل في عدد السكان في المستقبل بسبب (العزوف عن الزواج، يصل بين 24 إلى 30 %) في بعض الدول العربية، وسوف يبدأ التناقص في عدد سكان تلك البلاد تدريجيًا في العقود القادمة، بسبب الضغوط الاقتصادية، خاصة في مصر والمغرب.

ويساعد على فهم الاضطراب في المنطقة العربية، أحد مؤشراته أن 25% من المبعوثين الدوليين لحل النزاعات هم للدول العربية، فقط ليبيا على سبيل المثال استهلكت حتى الآن عشرة مبعوثين دوليين، عدا اليمن والسودان وغيرهما من أماكن الاضطراب وفشل الدولة، التي تزيد الفقر، وتحرم أجيالًا من التعليم.

في حساب المتغيرات علينا عدم تجاوز تأثير فائض القوة الإسرائيلية على الإقليم، وهو فائض قوة علمي، ودولي أيضًا، فتخصص إسرائيل ما يقرب من ثلاثين بليون دولار سنويا للبحث والتطوير، في حين أن مجموع الرقم العربي لا يتعدى النصف، معظمه في دول الخليج، ولا زال البعض مصرًا على أن (الصراع ديني) في حين أن الصراع قاعدته علمية !!. الإسلام الحركي مؤثر سلبي في الصورة، هو الفاعل الصامت في جملة المتغيرات، فهو هناك بمشروعه التاريخي المناقض لمسيرة التاريخ، البعض يقلل من خطورته على الاستقرار، لكن هو أساس الصراع في اليمن وفي السودان وفي العراق، وأماكن أخرى من عالمنا العربي  .. تلك مصفوفة العوامل المؤثرة على ضعف الساحة العربية.

 

                                         الصراع من الظل إلى العلن

 

ثم انفجرت الحرب بين إيران وإسرائيل، ففي الأشهر القليلة السابقة (يونيو 2025م) كان المسرح يتحضر إلى صراع مباشر بين إسرائيل وبين إيران، المقدمات كانت واضحة، والأمر كان يحتاج إلى الإجابة على السؤال متى؟  وليس الإجابة على السؤال لماذا؟

 وقعت الواقعة المتوقعة، واشتبك الطرفان في صراع مباشر، ودخلت الولايات المتحدة على الخط ليس مداورة بل مباشرة، (السبت 21 يونيو 2015م) ومع تلك الأحداث انقسم الرأي العام العربي إلى قسمين لا يستطيع أحد أن يجزم نسبة تلك القسمة، ولكنها موجودة، بعضها يضع اللوم كليًا على إسرائيل المعتدية ومن خلفها أمريكا، وبعضها يجد مبررًا للحدث المعاكس، ويرى أنه لو قامت إيران بالاستفادة من الحوار الأمريكي – الإيراني، لربما كان الجميع قد تفادى هذا الصراع المميت.

دول الخليج قاطبة شجبت الاعتداء الإسرائيلي على إيران، وطالبت بضبط النفس، والتحول إلى الدبلوماسية النشطة من أجل إيجاد حلول للملفات العالقة، وهي ملفات متعددة، على رأسها الملف النووي، وأيضًا الصواريخ طويلة المدى، وثالثًا التدخل في شؤون الجوار، فدول الخليج تعرف كم من الأثمان يمكن ان تدفع في حال استمرار الصراع المسلح.

القضية الجوهرية هنا هي محاولة طرف من الأطراف في هذه المنطقة (إيران) بناء إمبراطورية جديدة في الوقت وفي الزمن الذي تجاوز فكرة الإمبراطوريات، وارتكزت هذه الفكرة على مقولات تاريخية لم تعد قادرة على حل المشكلات التي تواجه الشعوب، فقد فقدت مبرر وجودها.

إيران بلد كبير وله تاريخ عريق وأيضًا لديه اقتصاد رغم الحصار الا أنه اقتصاد منتج، ويبشر بالكثير، فلو تحولت هذه القدرة إلى طريق السلم والتآلف، لاستفادت منها شعوب المنطقة قاطبة، الشعوب الإيرانية والشعوب العربية المجاورة وحتى غير المجاورة.

إلا أنه هناك مشكلة تواجه الباحث في هذا الأمر، ولها مدخلان المدخل الأول هو النصوص، والمدخل الثاني هو السلوك الإيراني!

في النصوص يتضمن الدستور الإيراني نصوصًا صريحة وردت في ديباجة الدستور، وأيضًا في بعض مواده اختصارها بأن الدستور يمهد الطريق لاستمرار الثورة الإسلامية في الداخل والخارج، ولا يقتصر على حدود إيران، بل يسعى إلى توسيع نطاقها إلى سائر البلدان، وخاصة ما يشار إليه بالمستضعفين في العالم!

المادة ثلاثة من الدستور الإيراني في أهداف الدولة تقول (إعداد الظروف المناسبة لتوسيع العلاقات الأخوية بين المسلمين كافة، ووحدة الشعوب الإسلامية، ودعم المستضعفين في مقابل المستكبرين في العالم).

والمادة الحادية عشرة تقول (تعتبر الحكومة الإسلامية في إيران أن المسلمين أمة واحدة، وتلتزم ببذل كل طاقتها لتحقيق الوحدة السياسية والاقتصادية والثقافية للعالم الإسلامي)،

أما المادة 152حول السياسة الخارجية فتقول( السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية تقوم على أساس رفض كل أشكال الهيمنة والخضوع وحماية استقلال البلاد والدفاع عن حقوق جميع المسلمين وعدم الانحياز إلى القوى الكبرى وإقامة علاقات سلمية متبادلة مع الدول غير المعادية)،  أما النص المباشر لتصدير الثورة فهو في المادة 154 وتقول هذه المادة ( تعتبر الجمهورية الإسلامية نفسها ملزمة دائما بالنضال المشروع للمستضعفين في وجه المستكبرين، في أي بقعة من العالم )وتضيف هذه المادة  نصًا يقول (ولا تتدخل في شؤون الدول الأخرى) وهو نص ملتبس ومتناقض على أقل تقدير !!

هذه النصوص صريحة أو ملتبسة، هي (نصوص وصاية) بجانب السلوك، شكلا معًا قلقًا ليس لدى دول الجوار وما بعدها، ولكن أيضًا تشكل قلقًا لشرائح واسعة من شعوب تريد أن تقرر مصيرها بنفسها.

فيما عرف بالربيع العربي ظهرت كتابات إيرانية كثيرة تقول بأن الربيع العربي هو امتداد للثورة الإيرانية، وقد وجدنا الفشل الذريع لذلك الربيع من التجارب الفاشلة التي خاضتها شعوب المنطقة العربية.

أما المدخل الثاني وهو السلوك، فليس خافيًا، حيث مرت سنوات طويلة قامت فيها الجمهورية الإيرانية بدعم وتدريب وتمويل مجموعات من القوى المحلية في عدد من الدول العربية، تتبنى أفكار الثورة الإيرانية، تحت شعارات مختلفة، وفي كل هذه الدول عطلت أعمال الدولة، وتراجع الاقتصاد، وتمزق النسيج الاجتماعي، وقد انتهت هذه التجربة بخسارة فادحة للجميع كما هو ظاهر للعيان.

الخيار الآخر أن تنظر الدولة الإيرانية بعين نقدية إلى أن التجربة الطويلة أنهكت الاقتصاد الإيراني وأنهكت أيضًا الشعوب الإيرانية وعزلتها، كما أثارت الشكوك من السياسة الإيرانية في الجوار، وفي الغالب تراجعت مؤشرات التنمية في المناطق التي تدخلت فيها إيران، كما ان (النموذج الإيراني في الحكم) ليس مغريا لأي عاقل.

كان الأمل أن تتحول الثورة إلى دولة، وهذا الأمل لا زال قائمًا، ولكنه يحتاج إلى شجاعة في الداخل الإيراني وإلى القول بأن ما تم قد كفى، وأنه آن الأوان للعودة إلى الدولة الوطنية المسالمة، التي تسعى لبناء تنمية تفيد شعبها، وأيضًا الشعوب المجاورة.

مع الأسف بأن هذا الأمر لم يتم التجاوب معه، وإن قال به القلة من النخب الإيرانية، وتم اختيار العناد السياسي، وهو في الغالب مبني على أوهام، ليس لها علاقة بالواقع المعاش.

إذا نظرنا إلى هذا الصراع اليوم فإن هناك خسارة فادحة للشعوب الإيرانية، وأيضًا خسارة فادحة لشعوب المنطقة، لأن الصراعات، وخاصة المبنية على أوهام أيديولوجية، عادة لا تنتج إلا الخيبة.

تلك سردية قد لا يوافق عليها البعض، ولكن بالنظر إلى ساحة المعركة، والإمكانيات المتوفرة فإن الخسارة لا بد واقعة إن استمر الصراع لفترة طويلة. خاصة أن هناك رأي عام في عدد كثير من الدول، يرى أن من الحكمة ألا تذهب الدولة الإيرانية إلى السلاح النووي، لأنه في نهاية الأمر سوف يخلق سباقًا نوويًا في المنطقة، ويهدد أمن وسلامة الشعوب.

من المؤمل أن تتغلب الحكمة في نهاية الأمر، ويصل الجميع إلى قناعة أن هناك حقوق يجب الاعتراف بها كمثل حقوق الشعب الفلسطيني، وحقوق أخرى للشعوب التي من حقها أن تعيش بسلام وتسير في درب التنمية دون تهديد أو وصاية.

 

أين تقف دول الخليج في هذا الخضم المتلاطم

 

لا شك أن التغيرات الإقليمية والدولية الحادثة سوف تؤثر على دول الخليج، لأن الأحداث الكبرى أصبحت تقع قريبًا منها، وهي الاشتباك الأمريكي / الإسرائيلي / الإيراني، قد يؤدي إلى تفاقم الصراع، وقد حاولت الدول الخليجية أن تقدم النصح للجارة الإيرانية، وأن ما سوف يأتي (عظيم) والركون إلى الحكمة أفضل من الذهاب إلى الصراع، في ظل اختلال التوازنات الكبرى في القوة العسكرية، إلا أن النصائح ذهبت سدى، حتى اشتعلت الحرب.

تقلق دول الخليج من السياسيات الإيرانية في (تصدير الثورة) وقد تحملت الكثير من (الحماقات) جراء ذلك التوجه الأيديولوجي، الا انه مع الأسف حتى الآن لم تتغلب الحكمة في طهران على تلك الأفكار القريبة إلى الوهم، كما أنه لا يجب التقليل من (فائض القوة الإسرائيلي) والذي قد يؤثر في وقت ما في منطقة الخليج.

تحتاج دول الخليج في هذه المرحلة إلى التلاحم المؤسسي الوثيق، ورص الصفوف في السياسة وفي الاقتصاد ،وفي الاستراتيجية، من أجل إبقاء هذه المجتمعات بعيدة عن الصراع ، وحماية المكاسب التنموية التي تحققت حتى الآن، وأيضًا سياسية خارجية موحدة تجاه الملفات الساخنة، والذهاب إلى عقيدة جامعة أساسها تعظيم الجوامع، و تصغير المختلف عليه ،بل تذويبه، وتوعية للشعوب أن مصالحها واحدة، وتجويد التعليم والاهتمام بالبحث العلمي، وإشاعة العدل، عدم الانزلاق إلى الأحادية في اتخاذ القرارات المصيرية، والاهتمام بالصغائر والشكليات، في خضم هذا الصراع الهائل الدائر حولنا  هو خشارة للجميع وتعريض أمن المنطقة إلى مخاطر، فهناك الكثير من السرديات المفارقة للعصر و للعقل،  تنشط حولنا، وتدخل المجتمعات إلى مداخل مظلمة، ويؤلب جزء  من المجتمع على الجزء الآخر ، ما  تترك الأمن هشًا و صيدًا للقوى الإقليمية و الدولية، المستعدة للقفز من النافذة، وتصطاد في المياه العكرة .

مقالات لنفس الكاتب