في إطار حرص جامعة الدول العربية على الحوار بين الشعوب وأتباع الأديان والعمل على التقارب الثقافي، ومجابهة أشكال التحريض على الكراهية الدينية وازدراء الأديان والتطرف والعنصرية والتمييز والذي يسهم في زعزعة الأمن والاستقرار وتغذية الإرهاب ونشوب النزاعات وتأجيجها. وتنفيذاً لقرارات مجلس الجامعة بشأن "التسامح والسلم والأمن الدوليين" عقدت الأمانة العامة للجامعة "المؤتمر الدولي لمكافحة كراهية الإسلام" تحت شعار "الإسلاموفوبيا: المفهوم والممارسة في ظل الأوضاع العالمية الحالية"، بالتعاون مع منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (ايسيسكو)، وسلط المؤتمر الضوء على أسباب انتشار ظاهرة الإسلاموفوبيا، والتي تراوحت ما بين سياسية، إعلامية، واجتماعية، والربط المتكرر بين الإرهاب والتطرف، والجهل بالقيم وتعاليم الدين الإسلامي، والتحريض الإعلامي والسياسي، ، والخوف على الهوية الوطنية، الأمر الذي أدى إلى انتشار مظاهر الرهاب من المسلمين وإطلاق الأحكام المسبقة والصور النمطية المغلوطة والانتشار الواسع لخطابات الكراهية المؤدية إلى العنصرية والتمييزية والتي تصل إلى حد العنف والإرهاب. واستعرض المؤتمر دور المنظمات الدولية والإقليمية والمحلية العاملة في مجال الحوار بين أتباع الأديان والتعددية الثقافية في تعزيز الحوار المستدام بين متبعي مختلف الأديان والثقافات، وتم عرض تجارب المسلمين في عدد من الدول الأوروبية، كما عرضت الدول العربية والإسلامية استراتيجياتها حول أشكال التعايش والتسامح. ويأتي المؤتمر بعد تبني الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا تاريخيًا يحدد الخامس عشر من مارس من كل عام يومًا عالميًا لمكافحة الإسلاموفوبيا، وفي إطار جهود تعزيز الحوار بين الشعوب والأديان والعمل على التقارب الثقافي بين المجتمعات، ومجابهة كافة أشكال الكراهية وازدراء الأديان.
وتضمن برنامج المؤتمر مجموعة من المحاور من بينها ” الإسلاموفوبيا: التعريف بها وعرض أسباب انتشارها، والمظاهر المرتبطة بها، وتأثيرها على الأمن المجتمعي”، والحوار مع الآخر والتقبل والعيش المشترك والسلام العالمي في الإسلام”، ودور المؤسسات الرسمية والتعليمية والمجتمع المدني والتعاون الدولي في مواجهة الظاهرة، والسبل الممكنة لمجابهتها وخطاب الكراهية، إلى جانب استعراض نماذج واستراتيجيات في تعزيز الحوار والتسامح.
وأكد أحمد ابو الغيط الأمين العام للجامعـــة خلال المؤتمر على أن “الإسلاموفوبيا،” التي أصبحت أكثر انتشاراً في السنوات الأخيرة، أضحت ظاهرة خطيرة لا يمكن إغفالها والتغاضي عنها، ومن الضروري تنسيق الجهود لتسليط الضوء على أبعادها ودراسة وتحليل جذورها والبحث عن حلول واضحة وناجعة للتصدي لها، بكل حزم للوقاية منها مستقبلاً.
وأرجع انتشار "الإسلاموفوبيا "، إلى أسباب عدة، منها ما يتعلق بهشاشة التشريعات، والربط المفتعل بين الإرهاب والتطرف، والجهل بالقيم وتعاليم الدين الإسلامي، والتحريض الإعلامي، والتوجس من الآخر، والخوف على الهوية الوطنية، مما أدى إلى انتشار مظاهر الرهاب من المسلمين وإطلاق الأحكام المسبقة والصور النمطية المغلوطة والانتشار الواسع لخطابات الكراهية والعداء.
وطالب بضرورة التكاتف، للتعامل مع هذه الظاهرة بحس عال من المسؤولية التي تقع على عاتق كافة المكونات، حكومات ومنظمات دولية وفعاليات المجتمع المدني، علمًا أن الأمم المتحدة استشعرت هذا الوضع المقلق باعتماد يوم عالمي ضد " الإسلاموفوبيا “وإصدار قرار يتضمن مجموعة من التدابير لمكافحة كراهية الإسلام بما فيها تعيين مبعوث أممي خاص، وباعتبارها منظمة إقليمية تعمل تحت مظلة الأمم المتحدة اعتمدت جامعة الدول العربية عدة قرارات على مستوى القمم العربية، وعلى مستوى وزراء الخارجية بشأن إدانة مختلف أشكال التحريض على الكراهية الدينية والتطرف والإرهاب، ومنها مؤخرًا القرار الصادر عن اجتماع المجلس الوزاري بشأن "التسامح والسلم والأمن الدوليين" والذي أعرب عن بالغ القلق إزاء تفاقم خطاب الكراهية والتعصب والتمييز القائم على الدين أو المعتقد بجميع أشكاله ولاسيما تلك النابعة من ظاهرة "الإسلاموفوبيا .
وبين أن الحل في مواجهة هذه الظاهرة يكمن في احتواء الخطابات الشعبوية والممارسات المشينة التي تحرض على كراهية الإسلام بقدر ما تتطلب إحكام النظم القانونية كذلك وضع استراتيجيات في مجالات التعليم والثقافة والتأهيل والحقل الديني بضمان التكوين العلمي المناسب وتملك ناصية اللغات الأجنبية بما يمكن من إبراز سماحة قيمنا ونبل تقاليدنا المجتمعية. فضلًا عن أهمية دور وسائل الإعلام في الترويج لقِيَم التسامح والتعددية وقبول الآخر والتصدي لظاهرة " الإسلاموفوبيا “، فالإعلام المنحاز الذي يضخم كل خطأ وينشر صور سلبية ويغذي الخطابات المتطرفة يزيد الأمر تعقيدًا ويؤدي إلى الأفعال العنصرية التي قد تصل إلى حد الممارسات الإرهابية المهددة للأفراد والمجتمعات.
الحوار الثقافي
من جهته أوضح الأمين العام المساعد رئيس قطاع الإعلام والاتصال أحمد رشيد خطابي على أن جامعة الدول العربية انخرطت بإرادة قوية في التعاون المتعدد الأطراف للدفع بالحوار الثقافي والحضاري، وترسيخ قيم السلام والعيش المشترك، ومناهضة التطرف ونبذ السلوكيات التي تغذيها رواسب الماضي ونزعات الإقصاء والتهميش، بصرف النظر عن جذورها التاريخية والدينية والأيديولوجية، التي تفاقمت بشكل غير مسبوق مع أحداث 11 سبتمبر 2001م، وتكرس انتشارها خلال السنوات الأخيرة كظاهرة اجتماعية مقلقة تحظى بانشغالات المحافل الدولية مع تزايد موجات الكراهية والمضايقات ضد الإسلام والمسلمين.
مشيرًا إلى إنه استغلتها القوى المتطرفة ومنابر صحفية وإعلامية باسم حرية الصحافة، وجعلتها مرتعًا للنمطية والتحريض على الكراهية وازدراء الأديان وتقويض التماسك المجتمعي وافتعال الانقسامات الطائفية. وفي هذا السياق، أوضح أنه تمت الموافقة على إنشاء "مرصد ومنصة مدمجة " كآلية للرصد واليقظة والمتابعة مقرها المملكة المغربية تقوم بإنتاج محتوى إعلامي عربي داعم للقضايا المشتركة وفي مقدمتها مساندة القضية الفلسطينية ومحاربة التطرف والإرهاب والأخبار المزيفة، وتصحيح صورتنا الجماعية، وتثمين موروثنا الثقافي علمًا أن هذه الخطة تتكامل في غايتها مع الأهداف الأساسية لكل من الاستراتيجية الإعلامية العربية والأخرى المشتركة لمكافحة الإرهاب وخطتها التنفيذية. وأنه وبحسب تقرير للوكالة الأوروبية للحقوق الأساسية، فإن 47 % من المسلمين في 13 دولة من دول الاتحاد الأوروبي تعرضوا العام الماضي للتمييز مقابل 39 % عام 2016م، في العمل والتعليم والسكن والأماكن العامة.
خطاب الكراهية
وذكر الدكتور سالم بن محمد المالك، المدير العام ” للإيسيسكو ” أن التصدي لـــ” الإسلاموفوبيا ” لا يمكن أن يتم دون تفكيك جذري لهياكل التحيز والكراهية وبمعزل عن تضافر جهود الحكومات والمنظمات الدولية والإقليمية والأكاديميين والخبراء .. معتبرًا أن الظاهرة لم تعد شأناً خاصًا بالمسلمين فقط، بل تحديًا يهدد المجتمعات، ويقوض جهود بناء عالم يسوده العدل والسلام، وأن الأوضاع العالمية الراهنة، بما فيها الصراعات الجيوسياسية المعقدة وتصاعد التيارات المتطرفة التي تستغل الخوف وعدم اليقين، وتنامي خطاب الكراهية على الإنترنت الذي ينتشر بسرعة فائقة، تساهم في تفاقم ظاهرة الإسلاموفوبيا. علمًا أنها ليست مشكلة تقتصر على المسلمين وحدهم، بل تحد يواجه الإنسانية وتهدد المجتمعات وتقوض جهود بناء عالم أكثر عدلاً وسلامًا.
وأوضح أن المؤتمر يأتي في وقت أحوج ما نكون فيه إلى تضافر الجهود لمواجهة ظاهرة متنامية تهدد نسيج مجتمعاتنا وتقوض ركائز السلم والأمان في عالمنا المعاصر. ذلك أنه ليس وليد صدفة، بل هو استجابة حتمية لدعوات دولية وإقليمية متتالية تعبر عن قلق عميق إزاء تفاقم خطاب الكراهية والتعصب والتمييز القائم على الدين أو المعتقد.
وذكر أن الإسلاموفوبيا ليست مجرد كلمة أو مصطلح أكاديمي، بل هي ظاهرة حقيقية ذات تداعيات خطيرة تقف وراء تزايد المظاهر العدائية تجاه المسلمين، واستهداف المنشآت الدينية والمساجد والمصلين في عدة مناطق حول العالم بالإضافة إلى انتشار التمييز والعنصرية تجاه أتباع الدين الإسلامي في حياتهم اليومية.
و أن الظاهرة وضعت العالم أمام مخاطر عديدة أهمها تغذية العنف كما أنها تشكل بيئة خصبة لتطرف الأفراد والجماعات، وتساهم في خلق حلقة مفرغة من الكراهية، فضلًا عن تقويض التماسك الاجتماعي، وإعاقة الحوار بين الحضارات وتآكل حقوق الإنسان والمواطنة.
وشدد على أن الأوضاع العالمية الراهنة، بما فيها الصراعات الجيوسياسية المعقدة وتصاعد التيارات المتطرفة التي تستغل الخوف وعدم اليقين، وتنامي خطاب الكراهية على الإنترنت الذي ينتشر بسرعة فائقة، تُساهم بشكل كبير في تفاقم ظاهرة الإسلاموفوبيا. حيث أصبح من السهل جدًا نشر المعلومات المضللة وتشويه الحقائق مما يُعزز الصور النمطية السلبية ويُفاقم من حدة هذه الظاهرة.
دمج المسلمين
وأوضح الدكتور سلامة جمعة رئيس جامعة الأزهر أن من أهم وسائل مكافحة "الإسلاموفوبيا" العمل على دمج المسلمين في المجتمعات التي يعيشون فيها بحيث يكونون أفرادًا منهم ويشعرون أنهم مواطنون لهم ما لأهل البلاد التي يعيشون فيها وعليهم ما عليهم، وليسوا أقليات منبوذة، لافتًا إلى أن هذا الدمج يخول لهم المشاركة في الحياة السياسية في الغرب، ويكون لهم دور مؤثر في تنمية مجتمعاتهم وينخرطون في الحياة العامة، وأن يصبح لهم وزن في الحياة. ذلك إنه من شأنه أن يجعلهم قوة لهذه البلاد التي يأمنون فيها على أنفسهم وأولادهم وأموالهم، وأن يطرد عنهم الشعور بكثير من المعاني السلبية التي تبعث في نفوسهم الاضطهاد والكراهية وأنهم غير مرغوب فيهم.
ميثاق استراتيجي
بينما طالب مهاجري زيان، رئيس الهيئة الأوروبية للمراكز الإسلامية، بضرورة تعزيز التعاون بين المؤسسات الإسلامية في أوروبا ورابطة العالم الإسلامي لوضع ميثاق استراتيجي مشترك لمكافحة الإسلاموفوبيا. فضلًا عن إنشاء مرصد أوروبي دائم لرصد خطاب الكراهية والانتهاكات ضد المسلمين، كذلك العمل على دعم الشباب المسلم الأوروبي لاقتحام مجالات السياسة والإعلام والثقافة بروح إيجابية فاعلة. فضلًا عن تطوير الخطاب الدعوي ليكون مبنيًا على الاندماج والتعايش، لا الانغلاق والانفعال، وذكر أن “الإسلاموفوبيا ليست صراعًا بين الإسلام وأوروبا، بل معركة بين قيم التعايش وقوى الإقصاء”، داعيًا إلى تحويل التحديات إلى فرص لبناء جسور جديدة بين المسلمين ومجتمعاتهم الأوروبية.
مدافع عن التسامح
واستعرضت مريم بنت سعيد العامرية، رئيسة قسم الإعلام الرقمي بوزارة الأوقاف بسلطنة عمان، جهود السلطنة في مكافحة الإسلاموفوبيا من خلال عرض عدة محاور تمثلت في الإطار القانوني والتشريعي، مشيرة إلى تضمن القوانين العُمانية حرية الدين والمعتقد، وتجريم التحريض والكراهية، والخصوصية العمانية في الخطاب الديني والدبلوماسي والتي تقوم على الوسطية والاعتدال، وتجنب الجدل الطائفي، مؤكدة على دور الإعلام كأداة مواجهة، موضحة إسهام البرامج الإعلامية في تعزيز صورة الإسلام والمُسلمين، وتعزيز قيم التعايش وأكدت أن عُمان ليست مجرد مدافع عن التسامح، بل رائدة في نشره على الصعيدين المحلي والدولي، مما يجعل تجربتها نموذجًا ملهمًا في عالم يواجه تحديات الكراهية والتطرف.
مظاهر عدائية
من جهته أكد المستشار يوسف مشاري مدير إدارة الثقافة وحوار الحضارات بالجامعة أن المؤتمر يناقش مرجعيات الإسلاموفوبيا ومنابتها، ومحاضنها، وأسباب انتشارها في الغرب، وتقديم الحلول الناجعة للمحافظة على الاستقرار الدولي، وتقديم تصور عام حول رؤية جامعة الدول العربية بشأن خطة التحرك الإعلامي في الخارج ودور الإعلام في مكافحة الإسلاموفوبيا وأهمية المعالجة المهنية والمسؤولة لخطاب الكراهية في وسائل الإعلام كذلك عرض الرؤية العربية لتجريم ازدراء الأديان والإساءة للأنبياء والشخصيات والمقدسات الدينية كذلك استعراض جهود الجامعة في مكافحة خطاب الكراهية والإرهاب .
كما قدم المؤتمر على حد قوله عددًا من التوصيات كان على رأسها ضرورة التكاتف للتصدي للظاهرة التي تحمل الحقد الأسود للآخر المسلم، بحيث يتم التعامل معها بحس عالٍ من المسؤولية، وكل من موقعه، سواء كانوا حكومات أو منظمات دولية فضلًا عن مؤسسات المجتمع المدني والقادة الدينيين والإعلام.
ختامًا: حاول المؤتمر أن يعرض بشكل من التفصيل كل الوسائل التي بدورها تساهم في دعم هذه الظاهرة الخطيرة وقدم عبر الكثير من المشاركات الطرق العلمية والسياسية والإعلامية والتربوية التي تساهم في الحد من انتشار هذه الظاهرة بل وحاصرتها والقضاء عليها وذلك عبر نشر قيم الإسلام التي تدعو إلى التسامح ونبذ العنف والكراهية والبعد عن التطرف والعنصرية.






