array(1) { [0]=> object(stdClass)#14184 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 213

انحياز أوروبا لأمريكا وإسرائيل أفقدها نفوذها واستعادته باستراتيجية متوازنة بين القوة والاقتصاد

الخميس، 28 آب/أغسطس 2025

أدى اندلاع الحرب الإسرائيلية-الإيرانية، وتوقفها بشكل مفاجئ لإعادة تشكيل المعالم الجيوسياسية للشرق الأوسط، وإحياء التساؤلات الاستراتيجية داخل أوروبا وحوض البحر المتوسط. بداية الصراع كانت مع شن إسرائيل هجمات جوية دقيقة داخل العمق الإيراني في يونيو، مُستهدفة منشآت تخصيب اليورانيوم داخل مدن نطنز، وأراك، وفوردو، ومستودعات الصواريخ ا للحرس الثوري. واستهدفت الهجمات، غير المسبوقة في مداها وجرأتها، تعطيل البرنامج النووي الإيراني وإعادة التأكيد على قوة الردع الإسرائيلية.

، سارعت إيران بالرد بشن سلسلة هجمات صاروخية انتقامية وهجمات بالطائرات المسيرة ضد مدن إسرائيلية لتلحق أضراراً بالبنية التحتية العسكرية لإسرائيل، بما في ذلك مدينتي حيفا وتل أبيب، ما أدى لتفعيل أنظمة الدفاع الصاروخي الإسرائيلية متعددة الطبقات. ومع تصاعد وتيرة التوترات الإقليمية، كشفت تقارير استخباراتية عن نية إيران شن موجة ثانية من الهجمات الجوية مُستهدفةً هذه المرة الأصول الأمريكية داخل منطقة الخليج. في المقابل، أطلقت واشنطن عملية " مطرقة منتصف الليل" في 17 يونيو، مُستهدفة منشآت القيادة الإيرانية، والمواقع النووية الإيرانية، وأنظمة الرادار. ليأتي الرد الإيراني، في 19 من يونيو، بإطلاق صواريخ باليستية على قاعدة "العديد " الجوية في قطر، أكبر منشأة عسكرية أمريكية في المنطقة. وبينما تمكنت الدفاعات الأمريكية من اعتراض أغلب الصواريخ الإيرانية، إلا أن بعضها نجح في ضرب بنية تحتية لوجستية رئيسية وإصابة عدد من القوات. فيما يُعد أكثر الهجمات الإيرانية مباشرة على القوات الأمريكية منذ مطلع عشرينيات القرن الجاري ومؤشر على تصعيد خطير.

على النقيض، حافظت أوروبا على موقفها الحيادي إلى حد بعيد. وبالرغم من المصالح الاقتصادية والسياسية الأوروبية الجمة المرهونة بالاستقرار الإقليمي ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل، فشل الاتحاد الأوروبي في التأثير على مسار الصراع أو نتائجه. تستكشف هذه الورقة البحثية الأسباب المعلنة والكامنة وراء الحرب، بالإضافة إلى تقييم تبعاتها على الأمن الأوروبي والمتوسطي، وبحث الأسباب الهيكلية وراء غياب الدور الأوروبي. وفي ختامها، تطرح تسَاؤلا بشأن إمكانية اضطَلاع بروكسل بدور مهم في تشكيل دبلوماسية ما بعد الحرب ومستقبل الاستقرار الإقليمي.

  1. الخلفية: حرب متوقعة ومُتسارعة الخطى

لطالما ظلت التوترات بين إسرائيل وإيران تغلي تحت السطح متخذةً أشكالاً متعددة مثل الحروب بالوكالة، والهجمات السيبرانية، والقرصنة البحرية، إلا أن صيف عام 2025م، شكل لحظة فارقة في تاريخ الصراع: للمرة الأولى، تشن إسرائيل هجمات داخل العمق الإيراني، مُستهدفة منشآت إيرانية نووية في مدن نطنز، وأراك، فوردو، وقواعد جوية ومستودعات الصواريخ للحرس الثوري وهي قوة النخبة العسكرية لإيران والمعنية بكبح جماح المعارضة في الداخل وشن العمليات في محيطها الإقليمي. فيما تسببت الهجمات الانتقامية الإيرانية الفورية واسعة النطاق لتفعيل إسرائيل أنظمة الدفاع الجوي بينما ألحقت ضررًا بالغًا بالبنية التحتية الإسرائيلية وإصابات في صفوف المدنيين في تل أبيب، وحيفا، والنقب.

وتصاعد الصراع ليصبح حرب ثلاثية. وذلك بعد مشاركة أمريكا، التي بدت حذرة في بادئ الأمر، عقب ورود تقارير استخباراتية بشأن مخطط إيراني لشن هجمات صاروخية ضد قواعد أمريكية في العراق، وقطر، والإمارات. وعلى مدار ثلاث ليال، استهدفت القاذفات والسفن الحربية الأمريكية المنشآت الإيرانية النووية الرئيسية، ومراكز القيادة والتحكم الإيرانية، وأجهزة الرادار. وفي حين أنه لم يُراد بهذه الهجمات الإطاحة بالنظام الإيراني، إلا أنها كانت تهدف إلى "إعادة ضبط" الجدول الزمني لبرنامج إيران النووي، وبالفعل نجحت في تعطيل قدرة إيران المحتملة على تحقيق اختراق نووي لمدة تقدر بنحو 18-24 شهرًا. تعد هذه المرة الأولى منذ عام 2003م، التي تقوم فيها أمريكا باستخدام القوة العسكرية المباشرة ضد إيران، والسابقة الأولى منذ اندلاع حرب الخليج عام 1991م، التي تشن فيها القوات الأمريكية هجومًا على دولة ذات سيادة بالتعاون مع شريك إقليمي من خارج حلف شمال الأطلسي “ناتو".

  1. التبعات على الأمن الأوروبي والمتوسطي

بينما لايزال الصراع العسكري متمركزًا داخل منطقة الشرق الأوسط، إلا أن انعكاساته امتدت عبر مختلف أنحاء أوروبا ومنطقة المتوسط. ويمكن تصنيفها إلى ثلاثة مجالات رئيسية: الأمن، والطاقة، والهجرة.

الأمن: عودة القلق من الهجمات الصاروخية

قض التصعيد العسكري الإسرائيلي / الإيراني مضاجع الدول التي تقع ضمن نطاق الأنظمة الصاروخية الإيرانية بعيدة المدى مثل إيطاليا، واليونان، وبلغاريا، خشية أن تكون عرضة لهجمات. ورغم أ لم يتم توجيه أيا من الضربات الصاروخية لأهداف أوروبية، إلا أن بعض مسؤولي الحرس الثوري الإيراني أشاروا إلى الدعم الأوروبي لإسرائيل باعتباره "تواطؤ"، مما أجج المخاوف من رد انتقامي غير متكافئ. حيث تعد القدرات الدفاعية الجوية الأوروبية، لاسيما خارج هيكل القيادة المتكاملة لحلف الناتو، مُفككة وبالية. من ثم، تعالت الدعوات بتطوير منظومة دفاعية صاروخية أوروبية مشتركة، خاصة لدول الجنوب الأوروبي. من جانبه، عزز "الناتو" وجوده بمنطقة شرق المتوسط، ونشر أصول جوية وبحرية إضافية في بحر إيجة وتدعيم قواعده داخل قبرص وصقلية. مع ذلك، ظل التنسيق بين الاتحاد الأوروبي والحلف دون المستوى، ليكشف الستار عن وجود ثغرات في آليات الاستجابة المتكاملة للتهديدات، ويُبرز الحاجة لتطوير عقيدة دفاعية أوروبية مشتركة، فيما يتعلق بحالات الطوارئ التي تحدث خارج محيط عمله.

الطاقة: تجدد التقلبات في ممر البحر المتوسط

هزة عنيفة ضربت أسواق الطاقة العالمية جراء الحرب، نتيجة تهديدات طهران بغلق مضيق هرمز، الذي يعبر من خلاله خمس شحنات الإنتاج العالمي من النفط. وسجلت أسعار النفط الخام ارتفاعًا مؤقتًا أعلى مستوى 115 دولار للبرميل، فيما قفزت أسعار العقود الآجلة للغاز الأوروبي بنحو 40% في غضون أسبوع فقط. واضطرت دول جنوب أوروبا، إلى إعادة توجيه مسَارها من الخليج، وسارعت لتنويع جهات توريدها من الغاز بالموردين الجزائريين والأمريكيين. كما تأثر دور البحر المتوسط كممر آمن لنقل إمدادات الطاقة، في ظل التحذيرات الأمنية التي صدرت للناقلات العابرة لقناة السويس وشرق المتوسط. ما دفع دولا مثل إسبانيا، وإيطاليا، وفرنسا لإعادة التفكير في مخزوناتها الاستراتيجية، وتنويع مصادر الإمداد. وفتح الباب أمام نقاشات بشأن إعادة إحياء البنية التحتية لخطوط الأنابيب وإنشاء مرافق تخزين الغاز الطبيعي المسال الاستراتيجية في جنوب أوروبا.

الهجرة: شبح الاضطراب وعدم الاستقرار

رغم عدم حدوث نزوح إيران أو العراق إلى الحدود الأوروبية، لاحظت وكالات الهجرة الأوروبية تزايدا في أعداد العابرين عبر الحدود التركية -الإيرانية. كما سجلت طلبات اللجوء من أبناء الشعبين السوري واللبناني، خوفا من نشوب صراع أهلي على خلفية تورط حزب الله في الحرب، زيادات طفيفة، لا سيما إلى ألمانيا والسويد. وبينما لا تزال الأعداد تحت السيطرة، أعاد الصراع لأذهان صانعي السياسات السرعة التي تمتد بها قلاقل الشرق الأوسط إلى المجتمعات الأوروبية. كما حذر المحللون الأمنيون من أن الرد الإيراني قد يتضمن هجمات سيبرانية أو عمليات غير متناظرة تستهدف البنية التحتية الناعمة-المطارات، السفارات، أو محطات الطاقة-داخل الأراضي الأوروبية. ورغم عدم وقوع مثل هذا النوع من الهجمات خلال حرب 2025م، إلا أن مسؤولي مكافحة الإرهاب لايزالون في حالة تأهب قصوى.

  1. الأسباب الحقيقية والخفية: ما وراء الردع

الأسباب المُعلنة: حرصت إيران وإسرائيل على تبرير أفعالهم بالأمن القومي. بحسب الرواية الإسرائيلية فإن الهجمات أتت فعل استباقي دفاعا عن النفس، مُتهمة إيران بإخفاء المعلومات بشأن أجهزة الطرد المركزي المتقدمة والتقدم لامتلاك سلاح نووي. بينما تؤكد إيران أن ما حدث انتهاكا للسيادة الإيرانية و"مخططا صهيونيا-أمريكيا لزعزعة استقرارها"، مُستشهدة بـ الهجمات السيبرانية والحملات التخريبية التي تعرضت لها منذ عام 2021م.

الدوافع غير المعلنة

تعد الدوافع الحقيقية للحرب أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه. بالنسبة لإسرائيل، فإن الحرب تتعلق بإعادة تشكيل قوة الردع الإقليمية وإعادة التفوق العسكري-في ظل تنامي النفوذ الإيراني عبر وكلاء في العراق، وسوريا، ولبنان. على الجانب الإيراني، يتيح الصراع فرصة لحشد الجبهة الداخلية في وقت تشهد فيه البلاد أزمة اقتصادية طاحنة وتصاعد لقوى المعارضة. كما تشمل حسابات المرشد الأعلى تعزيز السلطة على قوى الاعتدال التي تشكك في المغامرة الإيرانية. وهناك أيضًا العامل الخليجي الذي يقل الحديث عنه، في ظل ما اُعتبر دعمًا خليجيًا صامتًا للهجمات الإسرائيلية، في إشارة لاصطفاف إقليمي ضد محور النفوذ الإيراني. وقد شكل هذا التقارب غير الرسمي مفاجأة للعديد من المحللين الأوروبيين، كما عكس مدى تطور المنافسات التقليدية في المنطقة.

أخيرًا، لعبت السياسات الداخلية للجانبين دورًا رئيسيًا في صراعهما العسكري. فمن ناحية، وجد الائتلاف الحكومي الإسرائيلي الهش الذي يواجه معارضة داخلية متنامية تهديدًا خارجيًا وهدفًا يلتف الإسرائيليون حوله. من ناحية أخرى، أتاحت الحرب وسيلة للتيار الإيراني المتشدد لمزيد من التهميش للقوى الإصلاحية وإحكام قبضته على السلطة قبل انطلاق الانتخابات البرلمانية المقررة عام 2026م.

  1. الصمت الأوروبي: الأسباب والعواقب

برغم من الروابط الأوروبية التاريخية مع إسرائيل وإيران، لم تلعب أوروبا دورًا فعالًا لمنع الصراع، أو احتوائه، أو التوصل لتسوية. ويعود ذلك إلى أسباب هيكلية وسياسية:

غياب التنسيق الاستراتيجي: لا يزال يوجد انقسام بين أعضاء الاتحاد الأوروبي بشأن السياسة المتبعة تجاه الشرق الأوسط. ففي الوقت الذي انتقدت فيه فرنسا الهجمات الإسرائيلية على إيران، دافعت ألمانيا عن حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها. فيما ظلت إسبانيا وإيطاليا على الحياد. بالتالي، أدى هذا التشرذم إلى الحيلولة دون بلورة عمل أوروبي موحد.

الإجهاد الدبلوماسي: بعد انهيار الاتفاق النووي مع إيران الموقع عام 2015م، فيما يعرف بـ خطة العمل الشاملة المشتركة وفشل آلية "انستكس" الأوروبية للتجارة مع إيران (أداة لدعم المبادلات التجارية)، تنامت الشكوك لدى العديد من الدبلوماسيين الأوروبيين بشأن إمكانية التواصل مع طهران. يشار إلى أن "انستكس" هي إحدى الآليات الأوروبية التي صممت من أجل تسهيل التجارة الإنسانية مع الجانب الإيراني من خلال الالتفاف على العقوبات الأمريكية، لكنها لم تنجح أبدًا في تحقيق أي زخم.

التبعية الأمنية: في ظل احتلال القوة الأمريكية مركز الصدارة عالميًا، لجأت الحكومات الأوروبية إلى الاعتماد على الأصول التابعة لحلف الناتو والاستخبارات الأمريكية، مُتخلية عن أدواتها الدبلوماسية المستقلة.

التداعيات:

الآن تنظر إيران إلى الاتحاد الأوروبي باعتباره كيانا عديم الأهمية مما دفعها لتعليق المسارات الدبلوماسية الثنائية مع مجموعة "إي 3" التي تضم كلاً من (فرنسا، وألمانيا، وبريطانيا). في أثناء ذلك، أصبحت إسرائيل تنظر لشركائها الأوروبيين على أنهم أصدقاء وقت السلم-لكنهم شريكا غير موثوق أمنيًا. علاوة على ذلك، فإن الافتقار إلى وجود مبادرة تحت زعامة أوروبية لإدارة التصعيد أو التداعيات الإنسانية الناجمة عنه حصرت دور المؤسسات الأوروبية في إطار رد الفعل بدلا من التوجه الاستباقي. ورغم نقاشات البرلمان الأوروبي بشأن العقوبات والقرارات الإنسانية، إلا أن أيًا منها لم يكن له مردود استراتيجي.

  1. ملف إيران النووي: الضبابية الأوروبية

شكلت الهجمات على منشآت فوردو ونطنز ضربة موجعة لقدرَات إيران النووية، لكنها لم تقض على طموحاتها. فلا يزال برنامجها النووي كامنًا وقاعدتها العلمية محفوظة. وهو ما يترك المجتمع الدولي أمام تساؤل: هل يتم إعادة فتح قنوات الحوار مع إيران أم القبول بوضع "حرب باردة " جديدة؟

التباين في وجهات النظر الأوروبية:

  • فرنسا: تقترح عودة تدريجية للمفاوضات مع تعزيز آليات التحقق والمشاركة الإقليمية الأوسع، بما في ذلك دول الخليج.
  • ألمانيا: تميل للتنسيق بين ضفتي الأطلسي، في انتظار خطوات واشنطن التالية والتركيز على قوة الردع.
  • إيطاليا وإسبانيا: دعا البلدان لتبني تدابير بناء الثقة بما في ذلك انتهاج الدبلوماسية الثقافية والاقتصادية.

لم تُبد إيران، اليائسة من سلبية الدور الأوروبي، اهتمامًا يذكر. وبينما لا تزال أمريكا هي المحاور الرئيسي، ويبدو أن أقصى ما يمكن لأوروبا القيام به هو تقديم الدعم اللوجيستي.

  1. المفاوضات المستقبلية: هل الدور الأوروبي مُعتد به؟

السؤال الذي يدور في أوروبا حاليًا، هل سيكون للقارة العجوز دور تضطلع به في إطار أية مفاوضات مستقبلية مع إيران؟ إن المكانة الفريدة التي ينعم بها الاتحاد الأوروبي كجهة فاعلة غير عسكرية وذات أهمية اقتصادية، تؤهله للقيام بدور وسيط ذي مصداقية. مع ذلك، فإن انعدام الثقة الإيراني في الكتلة الأوروبية، لاسيما عقب فشل إنفاذ خطة العمل الشاملة المشتركة وآليات التخفيف من العقوبات لا تزال تشكل عقبة أساسية. رغم ذلك لا يمكن الاستهانة بنفوذ أوروبا الاقتصادي. حيث يظل الاتحاد الأوروبي محتفظًا بمكانته كثالث أكبر شريك تجاري لإيران، وبإمكانه توفير مبادرات مهمة بما في ذلك الاستثمار في البنية التحتية، والتعاون في الرعاية الصحية، والتكنولوجيا. وفي حال قررت إيران العودة لطاولة المفاوضات، فمن المرجح أن يتم دعوة أوروبا لتكون ضامنًا لتخفيف العقوبات المفروضة على طهران وربما الإشراف على العودة التدريجية لامتثال طهران بوعودها بموجب إطار جديد بشأن برنامجها النووي.

وبإمكان أوروبا القيام بجهود الوساطة بين واشنطن في طهران إذا حدث تغيير سياسي في الداخل الأمريكي قاد لتبني نهج أقل تدخلًا في شؤون الدول الأخرى. فضلًا عن إمكانية قيام الممثل الأعلى للشؤون الخارجية الأوروبية بوضع صيغ جديدة للحوار الإقليمي بما في ذلك المسارات الثلاثية ومتعددة الأطراف، إذا تم تدعيمه ببعثة أوروبية أكثر تطورا داخل المنطقة الخليجية. ولكن في حال ما لم تبرهن أوروبا على قدرتها على الدفاع عن مصالحها الاستراتيجية، بدلا من الاكتفاء بترديد ما يقوم به الحليف الأمريكي، فإن نفوذها سيظل محدودا.

  1. مراقب أم جهة فاعلة؟

تكشف المواجهة الأخيرة بين إيران وإسرائيل عن ضبابية الدور الأوروبي في الصراعات الدولية. فعلى الرغم من أن الاتحاد الأوروبي لم يتوانَ عن التباهي بقيم التعددية والنظام العالمي القائم على القواعد، إلا أنه يواجه صعوبة في ترسيخ مكانته كقوة فاعلة في ظل الصراعات التي تهيمن عليها القوة العسكرية. مما يطرح تساؤلًا جوهريًا حول ما إذا كانت أوروبا قد تحولت إلى مجرد مراقب، وهو ما يؤمن به العديد من المحللين في واشنطن وتل أبيب. وقد رسّخ هذا الغياب الأوروبي عن التأثير في مجريات الصراع وجهة النظر القائلة بأن القوة الصلبة هي الرادع الأوحد للتهديدات في المنطقة. حتى دول الخليج، المنفتحة تقليديا على القوة الناعمة الأوروبية، تتجه الآن صوب الاتفاقات الثنائية مع الصين أو الولايات المتحدة عوضًا عن الاعتماد على بروكسل. ويُخشى أن يصبح هذا المنظور نبوءة ذاتية التحقق.  فإذا استمرت أوروبا في التردد، والتأخر في الاستجابة، وعدم الاستثمار بالشكل الكافي في الشراكات الإقليمية، ستخسر ما تبقى لها من مصداقية. ولكن إذا ما أخذ الاتحاد الأوروبي على عاتقه العودة مجددًا للانخراط الاستراتيجي والاستفادة بما لديه من موارد وفقًا لرؤية ثاقبة وجهود منسقة، بإمكانه استعادة مكانته كقوة اقتصادية ومعيارية داخل منطقتي البحر المتوسط والشرق الأوسط.

  1. استراتيجية أم فراغ استراتيجي؟ خارطة الطريق الأوروبية

لم تُصدر بروكسل بعد خارطة طريق واضحة للتعامل مع إيران والمنطقة في مرحلة ما بعد الصراع. إنّ الدعوات لضبط النفس والحوار لا يمكن أن تكون بديلاً عن سياسة أوروبية مُحددة. من الضروري صياغة وثيقة استراتيجية متعددة المسارات، بالتعاون مع حلف الناتو والعواصم الأوروبية وأدوات السياسة في الاتحاد الأوروبي، لتُحدّد بوضوح مصالح القارة الأوروبية وخطوطها الحمراء ومبادراتها الهادفة لتحقيق الاستقرار الإقليمي.

وهكذا ينبغي أن تشمل الاستراتيجية المستقبلية ما يلي:

  • إطار متجدد وقابل للتنفيذ لمراقبة البرنامج النووي يضم جهات فاعلة إقليمية
  • عملية أمنية بحرية تحت قيادة أوروبية داخل منطقة شرق البحر المتوسط
  • حضور أوروبي دبلوماسي دائم في طهران ومبادلات ثقافية هيكلية.
  • منتديات أوروبية-خليجية مشتركة بشأن الانتقال الطاقي، والحوكمة الرقمية، والتعليم.
  • الاستثمار في القدرات الأوروبية الدفاعية المحلية التي تركز على الدفاع الصاروخي والاستجابة للتهديدات الهجينة.

من ثم، فإن ما تحتاجه أوروبا لاستعادة نفوذها داخل المنطقة يقتضي إعادة ضبط استراتيجي وليس تغيير تدريجي.

الخاتمة:

 من الصمت للتموضع الاستراتيجي: أزمة المصداقية الأوروبية

كانت الحرب الإسرائيلية-الإيرانية 2025م، جرس إنذار للجميع. الإسرائيلي والأمريكي، حيث ساهمت الحرب في إعادة التأكيد على قوة الردع من خلال استخدام القوة الحاسمة. وبالنسبة لإيران، فقد شكلت اختبارًا لقدرتها على الصمود ووضعها الإقليمي. وفيما يخص أوروبا، كانت الحرب أشبه بلحظة الحساب. فهل يستطيع الاتحاد الأوروبي الاكتفاء بدور المتفرج؟ أو أن بإمكانه بناء هوية أمنية تتجاوز نطاق القوة الناعمة؟ لم تعد هذه التساؤلات تحمل طابعًا بحثيًا أو أكاديميًا بقدر ما أصبحت ضرورات استراتيجية تستلزم الاستجابة.

ومن خلال مطالعة البيانات الأخيرة الصادرة عن بعض كبار مسؤولي الاتحاد الأوروبي والمسؤولين المحليين، قد يتسنى تفسير أسباب تأرجح بروكسل حاليًا على حافة فقدان الأهمية الاستراتيجية:

  • أورسولا فون دير لاين (رئيسة المفوضية الأوروبية) وصفت الوضع بأنه" مقلق للغاية" داعية الأطراف إلى " ممارسة ضبط النفس، وعدم التصعيد، والامتناع عن الرد". وشددت على ضرورة " عدم امتلاك إيران قنبلة نووية" و" السبيل الوحيد لإنهاء الأزمة هي العودة لطاولة المفاوضات".
  • المستشار الألماني فريدرش ميرتش جدد التأكيد على دعم أوروبا لأمن إسرائيل وقال:" يجب علينا ضمان عدم تطوير إيران أسلحة نووية" وأثنى على إسرائيل لقيامها بما وصفه "بالعمل القذر نيابة عنا في إيران". وأكد الحاجة إلى العودة للسبل الدبلوماسية وخفض التصعيد لتفادي انعدام استقرار إقليمي أوسع نطاقًا.
  • الممثل الأعلى لشؤون الاتحاد الأوروبي الخارجية والأمنية كاجا كالاس، سارعت بعقد اجتماع طارئ لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، وجددت التأكيد على التزام أوروبا بأمن إسرائيل وحذرت من مخاطر التصعيد. وشددت على التواصل الدبلوماسي مع تل أبيب وطهران كمسار لخفض التصعيد.
  • التقى وزراء خارجية ألمانيا، وفرنسا، وبريطانيا، والاتحاد الأوروبي بوزير الخارجية الإيراني في جنيف، مؤكدين توافر الرغبة لدى إيران لمواصلة الحوار. في حين أصر وزراء الدول الأوروبية الثلاث على مشاركة امريكا في أية مناقشات مستقبلية، رهنت إيران مشاركتها بوقف العمليات العسكرية الإسرائيلية.
  • استمرار انقسام الموقف الأوروبي: بينما حرصت فرنسا على تأطير دعمها لحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها بأنه مشروط بضبط النفس، تبنت ألمانيا موقفًا أشد تكاتفًا مع تل أبيب. لذا، أدت الانقسامات بين القوى الأوروبية إلى إضعاف الصوت الأوروبي في الوقت الذي تشتد فيه الحاجة إلى الوساطة الشاملة.

بشكل عام، لا يعكس الموقف الأوروبي نفوذا بقدر ما يَنُم عن حذر. فلم تتوان أي من فون دير لاين أو كالاس عن الدعوة للتحلي بالهدوء والدبلوماسية، لكن أيا منهما لم تلعب دورا رادعا أو تمارس نفوذا استراتيجيا لتغيير مسار الأحداث. في حين كرست تصريحات المستشار الألماني للتبعية الأمنية على غرار نموذج حلف الناتو بدلًا من سياسة أوروبية مستقلة.

المسار الدبلوماسي لا يزال مرهونًا بالمشاركة الأمريكية. عكست اجتماعات جنيف رفضا إيرانيا للتفاوض مع الجانب الأوروبي فقط. وقد تصبح المبادرات الأوروبية عرضة للتهميش أو التجاهل ، ما لم يتم تعميق التعاون بين ضفتي الأطلسي.

قوة أوروبا الكامنة ملموسة لكنها غير مُستغلة. تُشير التصريحات بشأن تعليق العقوبات، وتدعيم أطر المساعدات، والتعليق الرمزي لمشاركة إسرائيل في مبادرة "هورايزون" للبحث العلمي (كما اقترحت المفوضية الأوروبية بسبب المخاوف المتعلقة بالأوضاع في غزة) إلى أن بروكسل تمتلك أدوات، وأنها على أتم استعداد لاستخدامها، ولكن فقط في مجالات محدودة ومثار جدل سياسي.

وهكذا تقف أوروبا عند مفترق طرق حاسم. فبينما يدرك قادتها جيدًا التهديد الذي يمثله امتلاك إيران للأسلحة النووية، وضرورة معالجة الأوضاع الإنسانية المتدهورة للعمل على خفض التصعيد، لا تزال تصريحاتهم تفتقر إلى مبادرات فعلية ملموسة، وهو ما يعكس حالة من التردد وعدم اليقين.

إن الانتقال من دور المتفرج إلى طرف فاعل يقتضي من أوروبا:

  • استراتيجية موحدة للدول الأوروبية الثلاث زائد واحد "E3‑plus strategy" بشأن إيران، توازن بين ضمان أمن إسرائيل، وتقديم حوافز دبلوماسية موثوقة.
  • الالتزام برعاية المفاوضات مع الجانب الإيراني، سواء من خلال صيغ خطة العمل الشاملة المشتركة الحالية أو الترتيبات الجديدة، وليس مجرد الاكتفاء باستنساخ الموقف الأمريكي.
  • وضع آلية إنفاذ أوروبية واضحة وموثوقة، مثل ربط إتاحة بعض المزايا مثل برامج الاتحاد الأوروبي التجارية أو البحثية، بامتثال طهران بمعايير القانون الدولي ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل.

أخيرًا، إذا ما واصلت أوروبا التأرجح بين التحفظ السلبي والانحياز المتردد للسياسة الأمريكية أو الإسرائيلية، سيستمر نفوذها في الانحسار. من ثم، فإن السبيل أمام بروكسل من أجل استعادة دورها كقوة معيارية وصانعة للنظام الإقليمي، لا مجرد ملاحظة هامشية ضمن سرد جيوسياسي خاص بأطراف أخرى، لن يتأتى سوى من خلال انتهاج استراتيجية منسقة وهادفة.

مقالات لنفس الكاتب