array(1) { [0]=> object(stdClass)#14361 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 213

ضرورة تبني استراتيجية خليجية لتأكيد الاستقرار وتقليل مخاوف المستثمرين الأجانب

الخميس، 28 آب/أغسطس 2025

لم يكن الهجوم الإسرائيلي العسكري المباشر على إيران صبيحة يوم 13 يونيو مفاجئًا بل كان نتيجة حرب امتدت سنتين ولازالت بين إسرائيل وحلفاء إيران من الفصائل العسكرية عقب أحداث السابع من أكتوبر 2023م، ومن ثم تتابعت الأحداث لتصل إلى حرب مباشرة بين إسرائيل وإيران، والمفاجأة الوحيدة في الهجوم الإسرائيلي هو في التوقيت الذي تم خلال مفاوضات مباشرة كانت جارية بين إيران وأمريكا حول الملف النووي الإيراني. إذ كان الجميع يتوقع أن القرار الإسرائيلي سوف تحدده نتيجة هذه المفاوضات بيد أن إسرائيل بادرت بالهجوم قبل انتهاء المفاوضات وهذا بحد ذاته ساهم في تعظيم الآثار والمخاطر على دول المنطقة.

دول الخليج المنضمة في تكتل مجلس التعاون الخليجي وجدت نفسها قريبة جدًا من مصادر النيران في أخطر تحدي تشهده المنطقة، وفي جميع الحروب والصدامات العسكرية هناك آثار وأثمان لا تدفعها الدول المتحاربة فقط، بل يمتد هذا ليشمل دول الجوار الجغرافي حيث يتداخل العامل السياسي مع العامل الجغرافي ليولد المتغير الجيوسياسي، ومع إدراكنا لشمولية هذه الآثار والمخاطر وإنها لا تقتصر على الجانب الاقتصادي فإن المقال سوف يسلط الضوء على الآثار والمخاطر الاقتصادية التي ولدتها حرب الـ 12 يومًا بين إسرائيل وإيران والتي انتهت بإعلان وقف إطلاق النار دون اتفاق رسمي لهدنة أو مفاوضات سياسية مما يبقي على حالة عدم اليقين في المنطقة وقبل البدء في تحليل تحديات ومخاطر آثار هذه الحرب على دول الخليج سوف نبدأ بتقييم مستوى المخاطر الجيوسياسية لهذه الحرب.

اولًا/ تقييم مستوى المخاطر الجيوسياسية

دول الخليج ترتبط بحدود بحرية مع إيران، وبعض دول الخليج ترتبط بحدود برية مع دول تتوسط إيران وإسرائيل (العراق والأردن) والحدود البحرية بين إيران ودول الخليج العربي معقدة ومتعددة الأبعاد، تتشابك فيها عوامل تاريخية، وجغرافية، واقتصادية، وتعتبر منطقة مضيق هرمز، التي تربط الخليج العربي بخليج عمان، ذات أهمية استراتيجية كبيرة حيث يقع مضيق هرمز بين إيران وعُمان، ويمر عبر مضيق هرمز جزء كبير من إنتاج النفط والغاز العالميين، مما يجعله منطقة ذات أهمية حيوية للتجارة الدولية.

 ووفقًا لمؤشر الاقتصاديين الأمريكيين داريو كالديرا وماتيو إياكوفييلو اللذين أعدوا مؤشر المخاطر الجيوسياسية المعروف باسم GPR يتم تصنيف هذه المخاطر إلى ثمان فئات حسب الأهمية وعلى النحو التالي:

ووفقا لمعطيات الجغرافية ومع بدء الهجوم الإسرائيلي على إيران يكون مستوى المخاطر الجيوسياسية لدول مجلس التعاون قد ارتفع من الفئة السادسة (تصعيد الحرب) إلى الفئة الأولى (تهديدات الحرب) وبهذا يكون متغير المخاطر الجيوسياسية حاضر وبقوة في المنطقة خلال الحرب الإسرائيلية – الإيرانية، مما يسهل تتبع تأثير هذه المخاطر.

ثانيًا: حرب قصيرة المدى تخلف آثارًا اقتصادية بعيدة المدى

على الرغم من أن الهجوم الإسرائيلي على إيران كان خاطفًا وسريعًا إلا أنه في تقديرنا أن هذه الحرب خلفت تأثيرًا اقتصاديًا له أبعاد استراتيجية وذات تأثير بعيد المدى يحتاج لمعالجات وسياسات اقتصادية تتناسب مع هذه الآثار والتي يمكن حصرها بشكل رئيسي على النحو التالي:

  • اضطراب في سوق الطاقة ومخاوف في قطاع التصدير

تعرضت أسواق الطاقة إلى اضطراب واضح خلال الحرب فعلى مستوى الأسعار شهدت الأسعار قفزات متسارعة خلال فترة قصيرة لتصل إلى 80 دولارًا في ذروة الحرب ثم عادت لتتراجع فور إعلان وقف إطلاق النار إلى 74 دولارًا ومن ثم 67 دولارًا لتعكس اضطرابًا وأسعار في الأ سعار خلال فترة لا تتجاوز الشهرين.

 

إن التقلبات الحادة والسريعة في أسعار الطاقة تشيع حالة عدم اليقين بالنسبة للمستثمرين الأجانب وتربك من الخطط الميزانيات العامة كما أثرت الحرب على قطاع تصدير الطاقة عندما هددت إيران بإغلاق مضيق هرمز وإن كان هذا في سياق الضغط السياسي ولم يتم تنفيذه، إلا أنها ذكًرت دول الخليج أن المنفذ الرئيس للصادرات النفطية التي تشكل عصب هذه الاقتصادات سوف يبقى دائمًا تحدت التهديد مما يشكل مخاطر مرتفعة على اقتصاديات هذه الدول. كما شهدت حركة السفن والشحن إلى تقلبات حادة ووفقًا لصندوق النقد الدولي تراجعت حركة سفن الشحن عبر مضيق هرمز من 60 سفينة في اليوم خلال شهر مايو 2025م، إلى أقل من 30 سفينة في النصف الثاني من شهر يونيو كما تراجعت ناقلات النفط عبر نفس المضيق من أكثر من 150 ناقلة في شهر مايو 2025م، إلى أقل من 70 ناقلة خلال العمليات العسكرية وهذا يعكس حجم الضرر الاقتصادي في قطاع التصدير.

  • تهديد سياسات التنويع الاقتصادي وتنفيذ الرؤى الاستراتيجة

أدركت كل دول الخليج أنها لا يمكن لها أن تستمر على مصدر رئيس واحد في تمويل الإيرادات العامة وخطط التنمية الاقتصادية لذا وضعت رؤى اقتصادية استراتيجية   وقد ركزت هذه الرؤى على سياسة التنويع الاقتصادي وتقليل الاعتماد على قطاع الطاقة وتحقيق تنمية مستدامة، وبالفعل خطت أغلب دول الخليج خطوات جادة في هذه السياسات واتجهت إلى تطوير قطاع السياحة والمعارض والسياحة العلاجية والطيران المدني والضيافة، وبالفعل بدأت مؤشرات التنويع الاقتصادي تظهر تقدم واضح في دول مجلس التعاون، ووفقًا لأحدث البيانات الصادرة عن المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربي، شكّل قطاع السفر والسياحة حوالي 11.4% من الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة في عام 2024م، وسجلت السعودية نموًا بنسبة 102% في عدد السياح الأجانب خلال الربع الأول من 2025م، وأن القطاع غير النفطي في دول مجلس التعاون بدأ يشكل أهمية نسبية جيدة في النمو الاقتصادي حيث توقعت الوكالات الدولية أن يصل النمو في دول مجلس التعاون إلى 4.5% بحلول عام 2026م، مدفوعًا بالقطاعين النفطي وغير النفطي، إلا أن كل هذا تعرض لمخاطر  كبيرة عقب الحرب، فعلى سبيل المثال وخلال الهجوم الإيراني غير المسبوق على قاعدة العديد في دولة قطر  أغلقت كل من البحرين والإمارات والكويت مجالها الجوي،  ووفقًا لتصريح الرئيس التنفيذي للخطوط القطرية اضطرت الخطوط الجوية القطرية أن تعلق جميع رحلاتها الجوية بأثرٍ فوري عقب إغلاق غير متوقع للمجال الجوي . واضطرت الخطوط الجوية القطرية أن تُحوّل على الفور أكثر من 90 رحلة من رحلاتها الجوية، ولا يتوقع أن تكون هذه الإجراءات في صالح حركة دخول السائحين او قطاع الضيافة وتنظيم المعارض مما يشكل تحديًا لخطط التنويع الاقتصادي.  

  • رفع مستوى مخاوف المستثمرين الأجانب

الحروب والعمليات العسكرية من أقسى العوائق أمام تدفقات الاستثمار الأجنبي، وثقة المستثمرين الأجانب التي يتم بناؤها عبر سنوات لا تلبث الحروب أن تهدمها خلال ساعات، ودول الخليج لاتزال تعاني من بطء تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة وإن أغلب هذه الاستثمارات تركز على قطاع الطاقة لذا فإن هذه الحرب سوف تترك آثارها على ثقة المستثمرين الأجانب في المنطقة، مع الجدير بالذكر أن السعودية والإمارات تستعد لتطوير وجذب الاستثمارات في حقل الذكاء الاصطناعي. ففي فبراير 2025م، أعلنت السعودية عن استثمارات تتجاوز 20 مليار دولار. وتسعى الإمارات بحلول عام 2031م، أن يساهم الذكاء الاصطناعي بأكثر من 96 مليار دولار في الناتج المحلي الإجمالي وهذا كله لا يمكن تحقيقه بدون بيئة استثمارية آمنة ومستقرة.

 وإذا كان هذا لا يمكن قياس تأثيره سريعًا على مستوى الاستثمار المباشر إلا أنه  فيما يتعلق بالاستثمارات غير المباشرة في أسواق المال قد ظهر وبشكل سريع تأثير هذه الحرب على أسواق المنطقة فحالة الخوف وعدم اليقين لدى المستثمرين ألقت بظلالها على جميع الأسواق المالية في المنطقة فتراجعت أغلب المؤشرات وخصوصًا في قطاع البنوك والعقارات وقدرت خسائر بورصات الخليج جراء الحرب بنحو 55 مليار دولار ، وإذا استطاعت الأسواق فيما بعد تعويض خسائرها إلا أنها لم تستطع تعويض السمعة الدولية بخصوص البيئة الآمنة التي تتمتع بها هذه الدول.

سياسات مقترحة لمعالجة آثار الحرب

الحرب القصيرة تركت آثارًا بالغة نتوقع أن تمتد لفترة طويلة وأخرى سوف تظهر لاحقًا لذا المعالجات يتعين أن ترتكز إلى البعد الاستراتيجي:

  • تعزيز التعاون الاستراتيجي بين دول المنطقة والبحث في استراتيجية سياسية وأمنية تتوافق مع المتغيرات الجيوسياسية في المنطقة.
  • تبني استراتيجية إعلامية تركز على إعادة الثقة بالاستقرار الأمني والسياسي والاجتماعي في هذه الدول من أجل تقليل مخاوف المستثمرين الأجانب.
  • الاستمرار وبوتيرة أعلى من السابق في سياسة التنويع الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل تحسبًا لأية طوارئ في قطاع تصدير الطاقة.
مقالات لنفس الكاتب