يقف الاقتصاد الإيراني بعد حرب الاثني عشر يوماً مع إسرائيل عند مفترق طرق حادّ، بين مطرقة العقوبات الدولية الغربية التي تُقيّده وتشل حركته، وبين سندان الأزمات الداخلية المزمنة التي تُعيق تعافيه. فالعقوبات الأمريكية، التي فُرضت على مراحل متعدّدة منذ الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي عام 2018م، لم تترك قطاعًا حيويًا إلّا وأثّرت فيه، بدءًا من قطاع النفط والغاز، مرورًا بالقطاع المالي والمصرفي، وصولًا للاستثمارات الأجنبية المباشرة والقدرة على استيراد التكنولوجيا والمعدّات الجديدة.
ومع مرور الوقت، تراكمت تداعيات الضغوط الخارجية مع تحدّيات داخلية لا تقلّ خطورة، في مقدمتها الفساد، وسوء التخطيط الاقتصادي، والبيروقراطية، مما أدّى إلى بنية اقتصادية عاجزة عن امتصاص الصدمات. وجاءت حرب يونيو 2025م، لتزيد من قتامة المشهد الاقتصادي الإيراني، حيث تضررت العديد من مواقع إنتاج النفط والغاز وخطوط الأنابيب والمصافي ومحطات التصدير التي تشكل قاعدة لبقاء الاقتصاد الإيراني وتعافيه.
سنتناول في هذا المقال الآثار الاقتصادية للحرب الإسرائيلية / الإيرانية على النمو الاقتصادي وعلى الأوضاع المالية والنقدية وعلى قطاع الطاقة، علاوة على تسليط الضوء على التكاليف الاقتصادية للحرب.
أولاً-تداعيات الحرب على مؤشرات الاقتصاد الكلي الإيراني:
مع اندلاع الحرب الإسرائيلية على إيران، تسارعت مؤشرات الانكماش الاقتصادي، حيث خفض صندوق النقد الدولي توقعاته عن النمو الاقتصادي في إيران إلى ( -0.3%) من الناتج المحلي الإجمالي في نهاية العام (بحسب أرقام منتصف يونيو 2025)، بعد أن كان وضع توقعات بنمو يصل إلى (0,3%) خلال الربيع الماضي.
شكل (1) معدل النمو بالناتج المحلي الإجمالي الحقيقي الإيراني (2022-2026) %
ولم يكن الاقتصاد الإيراني، الذي يعاني أصلاً من وضع مُتردٍّ، بحاجة إلى المجابهة العسكرية. فقد انهارت توقعات نمو الناتج المحلي الإجمالي لعام 2025 م، إلى 0.3-%، وهي نسبة بعيدة جداً عن نسبة 3.5% المسجّلة عام 2024م، وفقاً لصندوق النقد الدولي. ومن المتوقع أن يتراجع الناتج المحلي الإجمالي من (401) مليار دولار في عام 2024م، إلى (341) مليار دولار في 2025، بسبب الانخفاض الحاد في قيمة الريال الذي فقد (10%) من قيمته أثناء الحرب.
ومن ناحية الأسعار، شهد التضخم بإيران ارتفاعاً حاداً منذ سنوات، ومن المتوقع أن يصل إلى 43.3% عام 2025م، كما وصل معدّل التضخم خلال شهر يونيو إلى نحو 45%، فيما لا يُتوقع أن يتخطى النمو الاقتصادي الإيراني عام 2025م، صفر%، وهي نسبة تعكس مدى الهشاشة التي يعاني منها الاقتصاد الإيراني الذي لولا حبل النجاة الذي ألقته الصين باستيرادها النفط المُهرب بأسعار متدنية جداً والعراق باستيراد الكهرباء والغاز لتشغيل محطات الطاقة الكهربائية لوصل الاقتصاد الإيراني إلى حافة الانهيار الكامل في ظل عزلة اقتصادية غير مسبوقة في تاريخ الاقتصاد العالمي والتي ستزداد عام 2025م، في ظل التهديدات الأمريكية لأي دولة تتعامل اقتصادياً مع النظام الإيراني.
واستمرار ارتفاع مستويات التضخم خلال النصف الأول من العقد الحالي ساهم في التدني المستمر للقوة الشرائية للمواطن الإيراني التي أطلقت شرارة الكثير من الاحتجاجات الشعبية. في ظل تزايد أسعار المواد الغذائية الأساسية، كالحليب والدجاج والفواكه والخضراوات، حيث يمكن أن تصل هذه الزيادات إلى (50%) وحتى (100%) في الضروريات الأساسية.
وفي ظلّ هذا المشهد القاتم، تتزايد الضغوط على الشارع الإيراني، حيث وصل نسبة الإيرانيين الذين يعيشون تحت خطر الفقر نحو (30%) من إجمالي السكان وفق تصريح لوزير العمل الإيراني، وتتراجع القدرة الشرائية، ويشتدّ الغضب الشعبي، في وقتٍ تواجه فيه الحكومة خياراتٍ محدودةً جدًا بين شدّ الأحزمة، أو مواجهة تصاعد الاستياء الاجتماعي الذي يهدّد بالتحول إلى أزمة سياسية داخلية، في ظل معدلات بطالة تخطت (10%) كمعدل عام و (40%) بين الشباب وفق التقديرات المستقلة، بينما الرقم الذي أعلنته السلطات الرسمية هو (7.2%) و(14.3%).
ثانياً-تأثيرات الحرب على الأوضاع النقدية والمالية في إيران:
شهد الريال الإيراني انهيارًا حادًا بلغ مستويات قياسية من التدهور منذ بداية الهجمات؛ حيث فقد أكثر من 10% من قيمته في السوق السوداء خلال أيام، إذ لامس سعر الدولار مليون ريال في نهاية يونيو 2025م، بعدما كان قبل اندلاع المواجهة العسكرية الأخيرة بحدود 600 ألف ريال. هذا التراجع الحادّ في قيمة العملة لم ينعكس على أسعار السلع المستوردة فحسب، وإنما ضرب أيضًا ثقة المواطنين الإيرانيين بعملتهم المحلية، وانخفض مؤشر بورصة طهران بنحو 24 ألف نقطة، وقفز سعر الذهب بشكل كبير وسط مخاوف من توسع واستمرار الحرب.
تقف الحكومة الإيرانية اليوم في ظل نتائج حرب الاثني عشر يوماً أمام مأزقٍ تمويليّ خانق، إذ تعتمد بصفة رئيسة على صادرات النفط لتمويل الموازنة العامة، لكن هذه الصادرات تخضع لعقوباتٍ صارمةٍ تُقيّد الكمية والأسواق والأسعار. وهذا الأمر يدفع إلى بيع النفط بخصومات كبيرة، أو عبر ترتيبات مقايضة مع دول كالصين وفنزويلا، ما يقلل من العائدات الفعلية ويزيد من هشاشة المالية العامة. وفاقمت الحرب من الضغوط على الموازنة العامة الإيرانية التي تعاني أصلاً من عجز قبل الحرب، حيث يتوقّع أن يصل إلى (5.5%) من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2025م، وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن إيران بحاجة إلى سعر نفط يبلغ (163) دولارًا للبرميل لموازنة ميزانيتها، أي أكثر من ضعف السعر العالمي الحالي لسعر البرميل.
كما تواصل حصّة إيران من التجارة العالمية انكماشها، حيث انخفضت من (0.76%) في 2008 إلى (0.39%) عام 2024م، كما تتزايد ندرة الشركاء التجاريين لإيران، حيث أشار تقرير لمديرية الخزانة العامة إلى أنه قد تمّ توزيع (80%) من الصادرات على (21) دولة، في عامي 2003و2004م، مقارنة بـ (7) دول فقط عامي 2023 و2024م. وفي مواجهة نقاط الضعف الهيكلية في تجارتها الخارجية، تشبّثت إيران بصادراتها النفطية إلى الصين، مما أدّى إلى اعتمادها على مشترٍ واحد بشكل رئيسي، وبالسعر الذي يفرضه والذي غالباً ما يكون منخفضًا عن السعر العالمي.
ونتيجة لذلك من المتوقع أن ينخفض الفائض في ميزان الحساب الجاري كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي نتيجة لانخفاض الصادرات السلعية الإيرانية بسبب العقوبات الاقتصادية الأمريكية ومن دول الاتحاد الأوروبي من (2.7%) عام 2024 إلى (0.9%) في نهاية العام الجاري لعام 2025.
شكل (3) ميزان الحساب الجاري كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي (2021-2025) %
ثالثاً-تأثير الحرب الإسرائيلية الإيرانية على قطاع النفط بإيران:
تأثر قطاع النفط والغاز، الذي يشكل عصب الاقتصاد الإيراني، بشدة خلال الحرب، فقد كلف انخفاض صادرات النفط خلال الحرب إيران 1.4 مليار دولار أمريكي من الإيرادات المفقودة. وتعرضت بعض منشآت النفط والغاز الحيوية الإيرانية، بما في ذلك حقل غاز جنوب فارس الرئيسي، لضربات مباشرة. وتراجعت صادرات النفط بنحو 26% لتصل إلى (1.1) مليون برميل يومياً، مما خفض العائدات الحيوية للحكومة. وتصاعدت أزمة وقود داخلية بسبب وجود نقص يومي وصل إلى 670 ألف برميل خاصة مع تعطل بعض المنشآت جراء الغارات الإسرائيلية.
خسارة الإيرادات النفطيّة، التي تمثّل حاليًّا ما يقارب 50-60% من الإيرادات الحكوميّة، و80% من إيرادات العملة الصعبة في البلاد، فضلًا عن نحو 40% من إيرادات التصدير والتجارة الخارجيّة. هذه النسب الثلاث، تشير إلى الاتجاه الكارثي الذي ستأخذه الأمور بالنسبة للتوازنات النقديّة والماليّة في إيران، بمجرّد المساس بعمليّة إنتاج النفط.
رابعاً-تقديرات التكاليف الاقتصادية للحرب الإسرائيلية الإيرانية
تشير تقديرات الأيام الأولى إلى أن الحرب تكلف نحو مليار دولار يومياً من الخسائر لكل طرف في النزاع، وقدر صندوق النقد الدولي تكلفة الحرب بين إسرائيل وإيران بـ (2,5%) من الناتج المحلي الإجمالي خسائر في اقتصاد البلدين، وهي أكثر لدى إيران التي تكبدت خسائر ضخمة بالبنية التحتية الحربية، التي أنفقت عليها مئات مليارات الدولارات على مدى سنوات، من تطوير برنامج نووي على حساب التنمية ورفاهية الشعب. وكلفت الصواريخ وحدها إيران حوالي 800 مليون دولار أمريكي يومياً، أي أكثر من موازنة الدفاع المُقدرة لمدة 12 يومًا، بناءً على التخصيصات السنوية البالغة (23.1) مليار دولار أمريكي لشهر مارس 2025-2026.
وصفوة القول فإن حرب الاثني عشر يوماً قد أثقلت كاهل موارد إيران المالية وبنيتها التحتية. وتكبدت تكاليف مباشرة من النفقات العسكرية وأضرار الحرب، وتكاليف غير مباشرة كانخفاض قيمة العملة، وارتفاع التضخم، وفقدان عائدات النفط، وتآكل قوتها العاملة العلمية والعسكرية. كما أدت هذه الضغوط إلى تفاقم نقاط الضعف الاقتصادية القائمة مسبقًا في إيران. ومن المتوقع تشديد الخناق على الحياة اليومية للمواطن الإيراني في ظل
العقوبات الاقتصادية الأمريكية الجديدة التي فرضها ترامب على أي دولة أو شخص يختار شراء النفط أو البتروكيماويات من إيران، حيث لن يسمح له بممارسة الأعمال التجارية مع الولايات المتحدة.






