شنت إسرائيل هجومها الجوي على إيران (الأسد الصاعد) بعد سنوات من التهديد لتدمير المفاعل النووي الإيراني، ولم تجرؤ على هجومها إلا بعد الضوء الأخضر من إدارة ترامب الذي كان يتردد في استعمال القوة في مجابهة إيران ولكنه اتخذ سبيل الدبلوماسية بوساطة عمانية، وكانت المفاوضات حسب تصريح إدارة ترامب، أن الجولات الخمس كانت إيجابية ولكن إسرائيل لم تعجبها هذه المفاوضات لذلك شنت حربها قبل يومين من الجولة السادسة المقررة في سلطنة عمان وهذا يعكس قلق نتنياهو من صفقة إيرانية / أمريكية لا تريدها إسرائيل.
ولكن يبقى السؤال ما هي الأهداف الإسرائيلية من حربها التي استمرت 12يومًا؟ وهل حققتها، فهي هدفت إلى تدمير المفاعل الإيراني في بلد واسع المساحة ومترامي الأطراف وبعضها محصن في الجبال، وتدمير الصواريخ البالستية ومنصاتها وتقليص القوة الإيرانية وتحجيم نفوذها الإقليمي، وأن تدفع من هجومها إلى نشر الفوضى في البلاد وعدم الاستقرار الداخلي وخاصة باغتيالها القيادات الإيرانية من الصف الأول في الحرس الثوري وهيئة الأركان وفيلق القدس واغتيال علماء المفاعل النووي، حوالي 12 عالمًا نوويًا تم اغتيالهم بل ذهبت إلى محاولة تغيير النظام، خاصة أن الموساد الإسرائيلي اخترق إيران في مختلف الميادين ، إضافة إلى إفشال المفاوضات الإيرانية/ الأمريكية وجر الولايات المتحدة للمشاركة في حربها مع إيران، وهو ما دفع إدارة ترامب بالمشاركة في الحرب في 22 يونيو بقاذفات B-52 لتدمير المفاعل النووي الإيراني، كما أن نتنياهو حاول من حربه إعادة الاعتبار لحكومته وجيشها بعد فشله في عملية طوفان الأقصى التي بدأت في السابع من أكتوبر 2023م، وفشل الجيش في حسم المعركة في غزة وخسائر الجيش والتبعات الاقتصادية التي نتجت من الحرب التي أصبحت حرب استنزاف لإسرائيل .
كل الأطراف الثلاثة تدعي الانتصار
إن إيران وعلى لسان المرشد علي خامنئي أعلنت انتصارها في الحرب، لأنها أفشلت أهداف إسرائيل كما تقول رغم الخسارة من اغتيال العلماء والقادة العسكريين ـ لأنها تستطيع تعويضهم، وتماسك الشعب الإيراني حتى المعارضة أدانت العدوان وتوحد الشعب ضد العدوان، وأن الصواريخ البالستية فعالة والطائرات المسيرة ما زالت تعمل وكشفت شبكات التجسس في البلاد وكما نشر في الصحافة فقد تم اعتقال 700 جاسوس وتبحث عن آخرين بعددهم وأصدرت الحكومة عدة قرارات للحد من التجسس وتأسيس جهاز خاص لملاحقة جواسيس الموساد ومن يتعاون معه في البلاد.
أما بالنسبة لإدارة ترامب، فحسب ما صرح به الرئيس الأمريكي السابق بل كلنتون، فإن الضربة الجوية الأمريكية للمفاعل النووي التي هاجمت ثلاثة مواقع إيرانية، كانت ترضية لنتنياهو أكثر مما هي رغبة أمريكية صادقة لتدمير المفاعل النووي، ولذلك صرح الرئيس ترامب بقوله بأن التقييمات الأولية للاستخبارات الأمريكية وجدت أن الأضرار التي لحقت بمنشآت نووية إيرانية ضربتها قاذفات أمريكية "قد تكون محدودة"، قبل أن يُضيف أن أعمال المتابعة أظهرت أنها "دُمّرت، وسربت الصحافة الأمريكية عن تقارير استخبارية أمريكية، أن فعالية الضربات محدودة مما أزعج ترامب وصرحت مديرة الاستخبارات الوطنية تولسي غلبارد، أن الغارات الأمريكية حققت أهدافها من التدمير ، ويظهر أن ترامب يريد مخاطبة الرأي العام الأمريكي في الضربة الناجحة ولكن هناك أصوات في الكونغرس ظهرت تقول، إن حرب نتنياهو ليست حرب الولايات المتحدة، وهناك انتقاد لإسرائيل في الجامعات الأمريكية ومنظمات حقوق الإنسان، ولكن على كل ترامب تماشى نسبيًا مع نتنياهو وأعلن نهاية الحرب وأمر نتنياهو بعودة الطائرات الاسرائيلية التي كانت في طريقها للغارة على إيران في يومها الأخير من الحرب، وأعلن العودة للمفاوضات مع إيران التي ما زالت مترددة ولكنها لم تغلق باب المفاوضات وأخيرًا تم الاتفاق على استئنافها .
والحقيقة، أن الهجوم الإسرائيلي لم يحقق أهدافه، فمنذ قيام إسرائيل لم تتعرض لحرب تدخل ملايين من سكانها للملاجئ وتغلق مطارات إسرائيل وتحدث تدميرًا قويًا داخل مدن إسرائيل لدرجة أنها منعت الصحافة من النشر، وحسب تقرير مؤسسة راند الأمريكية فهناك قتلى قدرتهم على الاقل بثلاثة وعشرين وقدرت الجرحى بثلاثة آلاف إسرائيلي، وقدرت الخسائر بثلاثة مليارات دولار كما أدت إلى الهجرة إلى خارج إسرائيل اختلفت التقديرات أقلها نصف مليون إسرائيلي تركوا البلاد و70% من اليهود الذين كانوا بخارج إسرائيل لم يعودوا وتم تدمير معهد التخنيون (معهد وايزمان) تدميرًا شاملًا والأخطر هجرة العلماء للخارج الذين يعتبرون هم ذخيرة التكنولوجيا الإسرائيلية، ولذلك فالدول الثلاثة تخاطب الرأي العام أنها حققت أهدافها.
مبدأ بيغن: إسرائيل الدولة النووية الوحيدة
إن إسرائيل منذ قيامها أخذت في بناء المفاعل النووي منذ الخمسينيات من القرن الماضي وساعدتها فرنسا في ذلك ثم الولايات المتحدة رغم أن الرئيس كنيدي كان متحفظًا جدًا على المفاعل الإسرائيلي وطالب بتفتيشه وكان له صدام مع رئيس وزراء إسرائيل بن غوريون، ودارت شبهات فيما بعد حول الدور الإسرائيلي في اغتيال الرئيس كنيدي، ولكن الإدارات التي تلت كنيدي غضت الطرف عن المفاعل وتعتبر الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تملك السلاح النووي، وتصمم على منع أية دولة عربية وإسلامية على امتلاك السلاح النووي وتلاحق العلماء العرب لاغتيالهم كما اغتالت العالم النووي المصري يحيى المشد في باريس الذي كان يعمل في المفاعل العراقي، وشنت هجومها على المفاعل النووي العراقي يونيو 1981م، ودمرته وكان بناء المفاعل بمساعدة فرنسية وشنت غارة على سوريا 2007م، لتدمير ما ادعته المفاعل النووي، أما ليبيا فقد قام القذافي بعد احتلال العراق بتسليم ما يتعلق بالمفاعل النووي للولايات المتحدة، ولذلك تعتبر إسرائيل أن امتلاك السلاح النووي يبقى احتكارًا إسرائيليًا، وحتى مفاعل باكستان حاولت تدميره في بدايته وطلبت التعاون مع الهند ولكن الحكومات الهندية السابقة قبل حكومة مودي الهندوسية المتطرفة كانت ترفض التعاون مع إسرائيل ضد باكستان ،وإن تعززت العلاقات في عهد مودي فيما بعد ولذلك باكستان هي الدولة الإسلامية النووية الوحيدة.
ولكن هل تستطيع إسرائيل إيقاف المفاعل الإيراني وتمنعها من القنبلة النووية ـ وحسب ما قاله عالم السياسة الأمريكي الراحل كينث والتز، إن الدولة التي لها إرادة بامتلاك السلاح النووي ستحقق حلمها في النهاية، وعليه فإن العمليات العسكرية التي تستهدف البنية التحتية النووية في إيران، لا تؤدي سوى إلى تقوية عزيمة طهران على استكمال مشروعها النووي، وإعادة بناء منشآتها بطريقة أكثر تطورًا وتحصينًا."
تداعيات الحرب على النظام الإقليمي العربي
إن ما كانت تردده إسرائيل وأمريكا على الخطر الإيراني على أمن المنطقة ما هو إلا تضليل إعلامي لدق إسفين بين الدول العربية وإيران ، فتصدير الثورة الإيرانية انتهى مع الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988م) التي استمرت ثمانية أعوام كان للولايات المتحدة طرف خفي فيها لاستنزاف دول بترولية بشراء السلاح وقلب التوازن الاستراتيجي لصالح إسرائيل، والعلاقات العربية / الإيرانية في السنوات الأخيرة في أحسن أحوالها بعد الدور الصيني في المصالحة السعودية /الإيرانية والتقارب المصري الإيراني، وبعد الحرب فإيران مهتمة في بناء اقتصادها وما دمرته الحرب وتطوير قوتها، كما أن تراجع قوة حزب الله في لبنان يجعل الدور الإيراني في هذه المرحلة التوجه نحو البناء الداخلي والإصلاحات خاصة أنه بعد الحرب طالبت نخب إيرانية المرشد بإصلاحات داخلية وفي سياستها الخارجية، ولكن يبقى الخطر الحقيقي للنظام الإقليمي العربي هي إسرائيل ولقد نقل عن نتنياهو أثناء زيارته لواشنطن بعد الحرب قوله إنها فرصة لإسرائيل للتوسع في هذه المرحلة، ولذلك تشن إسرائيل غارات جوية واغتيالات في لبنان رغم توقف الحرب وتجاوزت القوات الإسرائيلية حدود فك الارتباط في هضبة الجولان وسيطرت على جبل الشيخ وتشن غارات جوية على المراكز العسكرية السورية حتى وصلت غاراتها مؤخرًا على القصر الرئاسي وتعلن تأييدها للدروز في السويداء وتمدهم بالسلاح لتشجيع الانفصال كما تفعل مع الأكراد في العراق وسوريا وتسعى لخط اتصال من الجولان إلى السويداء إلى المجموعة الكردية (قسد) ( مشروع ممر داوود الإسرائيلي ) وبذلك تصبح إسرائيل على تواصل مباشر مع الأقليات العرقية الانفصالية لتشجيعها للتمرد والانفصال وتفكيك الدولة السورية وهو هدف استراتيجي بعيد المدى منذ عقود لتفكيك الدول العربية كما ورد في استراتيجية إسرائيل في الثمانينات. مستغلة انهيار النظام الإقليمي العربي والخلافات الداخلية فيه والصراع الداخلي بين التيارات السياسية في بعض الدول وتشجع كل عمليات عدم الاستقرار والانفصال. وهذا تهديد مباشر لأمن الدول العربية.
مشروع ممر داوود الإسرائيلي لتقسيم سوريا
والخطر الآخر المهم من الجانب الإسرائيلي عملية حرب الإبادة و الاستيطان في الضفة الغربية والفشل في إيقافه يشجع إسرائيل على مشروعها وأحلامها في التوسع، وتحاول إسرائيل من خلال الضغط على إدارة الرئيس الأمريكي بالتوسع في عملية التطبيع مع الدول العربية والإسلامية والخطورة الاستراتيجية أن التطبيع وسيلة لاختراق الدول العربية ومجتمعاتها فيكون التجسس وزرع العملاء وسيلة مهمة لتحقيق أهدافها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية، والحرب الإسرائيلية مع إيران كشفت مدى اختراقها ووسائلها وتجنيد يهود بلباس ثوب إسلامي حتى وصل بعضهم للوعظ في المساجد وهو اليهودي المتخفي تحت العمامة والعباءة، ومن هنا يكون التطبيع لإسرائيل فرصة للاختراق وتحطيم المجتمعات من الداخل بنشر الفساد الأخلاقي والمخدرات بين الشباب وهي وسائل إسرائيلية استعملتها في الأراضي المحتلة رغم فشلها ووعي الشعب عليها بالتربية والوعي الإسلامي، فإسرائيل تشن حربها بكل وسائل الجيل الرابع والخامس والسادس من الحروب بما تملكه من وسائل التكنولوجيا والتجسس الإلكتروني.
إن إسرائيل مشروع استعماري استيطاني متقدم في المنطقة العربية، لإجهاض كل محاولات التنمية والاستقرار في المنطقة العربية ولقد هرع قادة الدول الغربية وعلى رأسهم رئيس أمريكا بعد هجوم طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر إلى إسرائيل مما يظهر حرصهم عليها، ولكنهم تجاهلوا جرائمها وحرب الإبادة والتجويع بالشعب الفلسطيني وذهبت شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان الغربية أدراج الرياح، وهذا يشجعهم على الاستمرار في مشروعهم ليس بالوسائل العسكرية فقط بل بالوسائل الاقتصادية كما قال شمعون بيريس في كتابه " الشرق الأوسط الجديد " فالدول العربية بحاجة لاستراتيجية شاملة لمواجهة هذا الخطر الصهيوني الذي أخذ يكشر عن أنيابه لا فتراس المنطقة علما بأن الدول العربية مجتمعة تملك من مصادر القوة أن تفرض إرادتها لتحقيق مصالحها وتحجيم المشروع الصهيوني الذي ينخر في جسم الأمة.






