منذ تولى نظام الخميني السلطة في إيران وإعلانه المشروع الاستراتيجي الإيراني على مستوى المنطقة والذي اعتمد في بدايته على ما يسمى بمبدأ تصدير الثورة والذي تركز على المنطقة العربية بصورة أساسية، وانتقل بعد ذلك إلى إطار مختلف تم ترجمته فيما يسمى بالأذرع الإيرانية في عدد من دول المنطقة تركزت على قاعدة مذهبيه بالدرجة الأولى، وأصبحت أذرعًا عسكرية امتلكت أسلحة وأصبح لها دور مؤثر في اتخاذ القرار في الدول التي انتشرت فيها، وعلى سبيل المثال في لبنان واليمن والعراق وسوريا وكذلك في ضمن المقاومة الفلسطينية خاصة حركتي حماس والجهاد. وقد أعلنت إيران طوال هذه السنوات ومنذ عام 1979م، شعارات كبيرة تتحدث عن إزالة إسرائيل من الوجود وتحرير القدس وفلسطين ورفض أي حلول مطروحة للعودة إلى حدود 1967م، وأرغمت دولًا عربية امتلكت القرار داخلها على تبني هذه الصيغة. من هنا تصاعد حجم المواجهة بين إيران وإسرائيل.
واعتمد البرنامج السياسي والاستراتيجي لإيران على عدد من المحاور الرئيسية كان أهمها تطوير البرنامج النووي للوصول إلى نقطه توازن ردع مع إسرائيل إذا ما حدثت مواجهة عسكرية. والمحور الثاني ارتكز على بناء نظام صاروخي متطور على عدة مستويات، استفاد من ذلك بالتعاون الذي جرى مع كل من روسيا وكوريا الشمالية والصين. وكان المحور الثالث هو نشر قواعد تمركز لإيران في الدوائر المحيطة بإسرائيل وهو ما بدا كأنها خريطة عمليات تتأهب لمواجهة شاملة مع إسرائيل، وكان فيلق القدس والذي أنشأه الجنرال قاسم سليماني هو الإطار الأساسي لمجمل الحركة الإيرانية على هذا المستوى.
وبدأت حرب الظل الاستخبارية بين إيران وإسرائيل منذ سنوات طويلة، واستهدفت المخابرات الإسرائيلية المحاور الثلاثة للمشروع الاستراتيجي الإيراني. وكانت المعركة الأخيرة والتي شاركت فيها إسرائيل والولايات المتحدة والتي طالت أهم مرتكزات المشروع الاستراتيجي الإيراني دليلًا واضحًا على حجم مشاركة المخابرات الإسرائيلية في هذه الحرب، سواء من خلال تهيئة مسرح العمليات أو القيام بعمليات مباشرة استهدفت البرنامج النووي الإيراني بأبعاده المختلفة وعلمائه وفنييه وكذلك قواعد الصواريخ ومصانع إنتاج الوقود، فضلًا عن تخزين طائرات مسيرة داخل إيران تم استخدامها في عمليات مساندة للعمليات العسكرية.
ويثور التساؤل هنا: لماذا بدا هذا التفوق الاستخباري الإسرائيلي على المخابرات الإيرانية؟
الإجابة على هذا السؤال تتحدد طبقًا لتقارير ودوائر استخبارية متعددة، تتضح فيما يلي:
أولًا: طبيعة المجتمع الاستخباري الإسرائيلي ونظيره الإيراني؛ فالسنوات الأخيرة شهدت صياغة ما يمكن تسميته بالمجمع الاستخباري في إسرائيل والذي ضم أجهزة الاستخبارات معًا وبصفة خاصة الموساد وأمان أي المخابرات العامة والمخابرات العسكرية، وأصبحت العمليات التي تقوم بها إسرائيل في الخارج تتضمن مشاركة واسعة للجهازين وتنسيقًا متكاملًا.
ثانيًا: أن هناك تعاونًا وثيقًا ما بين إسرائيل وأمريكا؛ حيث تم تشكيل مجموعة عمل استخبارية ضمت المخابرات المركزية، والمخابرات العسكرية الأمريكية مع كل من الموساد وأمان أي المخابرات العامة والمخابرات العسكرية الإسرائيلية، وتركز عمل هذه المجموعة على إيران، وكانت من محاور حركتها الأساسية هي عمليه جمع المعلومات حول البرنامج النووي الإيراني والبرنامج الصاروخي وأهم القيادات العسكرية والسياسية إلى جانب أهم العلماء النوويين الإيرانيين.
بدأت تظهر نتائج نشاط هذه المجموعة منذ سنوات طويلة، وتم اكتشاف ذلك بوضوح عندما قامت تلك المجموعة المشتركة بوضع فيروس في أجهزه الكمبيوتر الخاصة بمفاعل نطنز أدى إلى تدمير معظم أجهزة الطرد المركزي في المفاعل، كما تمت عمليات انفردت بها المخابرات الإسرائيلية لاغتيال خبراء نوويين حسب ما تم الحصول عليه من معلومات للمجموعة المشتركة وتحفظت أمريكا عن المشاركة في عملية الاغتيال.
ومنذ أكثر من 15 عامًا والنشاط الاستخباري الإسرائيلي يتركز بصورة أساسية على إيران، وقد استفادت المخابرات الإسرائيلية من حجم الانتشار الإيراني في الدوائر المحيطة بها، وحدثت اختراقات واضحة سواء داخل الدوائر الإيرانية في كل من لبنان وسوريا والعراق وكذلك في المجموعات المرتبطة بها، ووضح ذلك بصورة كبيرة فيما جرى من اغتيالات متتالية سواء لقيادات إيرانية أو قوة حليفة لها، أو ضرب أهداف إيرانية في تلك الدول، وتدمير شحنات ومعدات عسكرية فور وصولها. الأمر الذي كشف عن حجم كبير من الاختراق.
على الجانب الآخر لم تكن المخابرات الإيرانية على المستوى المناسب وذلك للأسباب التالية:
أولًا: أن المخابرات الإيرانية عانت، شأنها شأن العديد من القطاعات الحيوية في إيران، مما يمكن تسميته بالازدواجية التي يتميز بها النظام الإيراني؛ فإلى جانب القوات المسلحة يوجد الحرس الثوري الإيراني الذي يتبع المرشد الأعلى بصورة أساسية، ويتميز على القوات المسلحة. كما أن "وزارة اطلاعات" أي المخابرات الإيرانية يتوازى معها مخابرات الحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس بصورة أساسية، الأمر الذي يعكس ضعف التنسيق بين تلك المؤسسات وبعضها، ويؤثر على كفاءة العمل الاستخباري بصورة كبيرة.
ثانيًا: هذه الازدواجية ترتب عليها بطئًا في اتخاذ القرار، وضعف مستوى العمليات الموجهة لإسرائيل في التوقيت المناسب. كما أن عمليات الاغتيال الإسرائيلية للعلماء النوويين دفعت السلطات الإيرانية إلى تكثيف الحماية الأمنية على منازلهم ومقرات أعمالهم، وهو ما كشف بوضوح عن أماكن تمركزهم وأتاح لإسرائيل القيام بعمليات متعددة للاغتيال.
ثالثًا: تتعلق بطبيعة المجتمع الإيراني ذاته والذي يعاني من ضعف التماسك نسبيًا ووجود أعراق وطوائف متعددة مثل الأكراد والبلوش والأحوازيون والذين يعانون من اضطهاد النظام الإيراني لهم والتضييق على ممارساتهم السياسية والدينية. الأمر الذي خلق مناسبة للاختراق الإسرائيلي في تلك الدوائر، ووفر للمخابرات الإسرائيلية ما عجزت المخابرات الإيرانية عن توفيره داخل المجتمع الإسرائيلي.
رابعًا: أي يهودي في العالم يعتبر في نفس الوقت إسرائيليًا، ويمكن لإسرائيل استثماره تحت دعاوى حماية الدولة اليهودية أي حماية إسرائيل، وبالتالي تتوافر لها فرص من خلال عناصر تحمل جنسيات متعددة ومن دول حليفة لإيران أيضًا يمكن أن تتحرك بسهولة داخل إيران خاصة الدول الأوروبية وروسيا والهند وعدد من الدول الآسيوية الأخرى، وبالتالي فإن مجال حركة المخابرات الإسرائيلية كان واسعًا عكس ما يتوافر للمخابرات الإيرانية.
النقطة الأهم على هذا المستوى هو ما يمكن تسميته بالعقيدة السيبرانية لأجهزة المخابرات، فلا شك أن الذكاء الاصطناعي قد عدل هيكلة أجهزة المخابرات العالمية وعلى رأسها المخابرات الإسرائيلية، وغير ولا يزال يغير من طبيعة أعمالها، سواء ما يتعلق بعملية جمع المعلومات أو تحليلها أو جمع الصور وتحليلها أو خلق عملاء افتراضيين داخل الدول الأخرى. وهو ما قامت به إسرائيل في مناطق يغلب على سكانها المعارضة للنظام. وكان الذكاء الاصطناعي في تلك المناطق يجري حوارات مع السكان ويجمع معلومات منهم دون أن يتطلب ذلك حضورًا بشريًا لإسرائيل في تلك المناطق، وهو أمر لا تزال المخابرات الإيرانية في بدايته.
وإذا كانت إيران قد نجحت في تحقيق اختراقات سيبرانية في إسرائيل وفي مناطق أخرى إلا أنها لا يتوافر لديها أي دعم خارجي أو تنسيق مع دول أخرى أكثر تقدمًا في هذا المجال، عكس إسرائيل. ومن الضروري الإشارة هنا إلى أن البرنامج النووي الإيراني والبرنامج الصاروخي الإيراني كانا هدفًا لأجهزة الاستخبارات الأوروبية خاصة الألمانية والبريطانية والفرنسية والإيطالية، ويمثلان هدفًا مشتركًا لها، وهو ما استثمرته إسرائيل بصورة كبيرة.
ولا شك أن عمل المخابرات الإسرائيلية في إيران بدأ منذ سنوات طويلة واستهدف أساسًا جمع معلومات أساسية عن المحاور التي ركزت عليها، وكذلك توفير عملاء محليين يتولون القيام بالعمليات للمخابرات وهو ما لم تدركه المخابرات الإيرانية في البداية.
اكتشفت المخابرات الإيرانية خلال دراستها لما جرى خلال العمليات العسكرية التي بدأت في 13 يونيو حجم الاختراق الإسرائيلي في الدوائر الاستراتيجية الإيرانية، وتم القبض على أحد العلماء النوويين وقيادات عسكرية كانوا بمثابة وكيل محلي للمخابرات الإسرائيلية في إيران. كما تم اكتشاف عناصر تعمل في برامج عسكرية مشتركة مع إيران وكانت مخترقة إسرائيليًا، فضلًا عن مجموعات من المقيمين الهنود والأفغان والذين تم طردهم أو القبض على المتورطين فيهم بصورة مباشرة.
ومن الملاحظ كذلك أن إيران لم تستفد من الدروس الاستخبارية التي تجري في العالم، عكس إسرائيل فقد قامت المخابرات الأوكرانية على سبيل المثال بتخزين أجزاء من طائرات مسيرة بدت وكأنها معدات تجارية داخل مدن روسية وتم تجميعها والقيام بضربة أوكرانية دمرت طائرات استراتيجية روسية. الأمر الذي تكرر بنفس الطريقة في إيران بدخول معدات طائرات مسيرة عبر مسارات تجارية ثم تجميعها لدى عملاء محليين وكانت هي الضربة الأساسية التي تمت إلى منصات إطلاق الصواريخ وهيأت مسرح العمليات للضربة العسكرية الإسرائيلية.
الخلاصة، حرب الظل سوف تستمر بين إسرائيل وإيران. وعندما نتحدث عن إسرائيل فإننا نتحدث بالضرورة عن كل القوى المعادية لإيران بغض النظر عما يجري من تفاوض أو علاقات دبلوماسية. ونشير إلى أن عمل جهاز المخابرات على اتساع العالم يبدأ قبل بداية أي عمليات عسكرية ويمهد لها ويعمل أثناء العمليات العسكرية، وفور توقف المدافع والصواريخ يستمر عمل أجهزة المخابرات بغض النظر عن مسار ما يتم بعد العمليات العسكرية من تفاوض أو تهدئة؛ فعمل المخابرات يستمر في السلم أكثر منه في وقت الحرب وسوف تستمر حرب الظل بأبعادها المختلفة بين البلدين.






