array(1) { [0]=> object(stdClass)#14184 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 213

تنويع طرق تصدير الطاقة لتقليل الاعتماد على "هرمز" خطوة استراتيجية مع دعم الوساطات لاحتواء التصعيد

الخميس، 28 آب/أغسطس 2025

منذ بداية العام 2023م، شهدت منطقة الشرق الأوسط تصعيدًا متسارعًا في المواجهة بين إيران وإسرائيل. فقد تحول الصراع لمواجهة عسكرية مباشرة بعد استهداف إسرائيل السفارة الإيرانية في دمشق، بعد أن كانت المواجهة تتم بواسطة وكلاء إيران.  تطور الصراع في 13 يونيو 2025م، حين استفاقت إيران، قبل يومين من موعد اجتماع كان مقررًا لمفاوضات إيرانية أمريكية حول الملف النووي، على ضربة عسكرية في العمق الإيراني، بدأتها إسرائيل ثم تبعها القصف الأمريكي للمنشآت النووية ومراكز التخصيب، ترتب عليه تدمير المفاعل التجريبي لإنتاج الوقود في مجمع نطنز، ومفاعل فوردو، وأعلنت بموجبه واشنطن تفكيك الترسانة النووية والأمنية بشكل كامل. ورغم الرد الإيراني ذي طابع عسكري ومدني، وصلت أهدافه إلى مناطق عدة في الداخل الإسرائيلي، في حيفا، وتل أبيب، وتسببت الضربات في اندلاع حرائق وأضرار مادية في منشآت استراتيجية، ومناطق سكنية، وقد غاب حلفاء إيران عن المشاركة الفعلية، حيث التزمت ميليشيات العراق وحزب الله الحذر، وكانت جماعة الحوثي الطرف الوحيد الذي شارك ميدانيًا، عبر هجمات صاروخية ومسيّرة، تم اعتراضها بالكامل. هذا المشهد يكرّس التفوق العملياتي الإسرائيلي، ويعكس حدود الرد الإيراني في ظل تردد الحلفاء وقوة الدفاعات الجوية في إسرائيل. وبالنسبة لدول الخليج شكل الصراع الإيراني الإسرائيلي انتكاسة كبيرة للجهود الدبلوماسية في المنطقة، نظرًا لأن دول الخليج، وضمن قراراتها الاستراتيجية الهادفة للتركيز على تنميتها الاقتصادية تثمن أهمية الأمن والاستقرار الإقليميين. فقد أثار الهجوم الإسرائيلي على إيران الكثير من القلق وزاد من عدم اليقين، والخوف من احتمال تعرضهم للانتقام الإيراني، الذي قد يجعل البنية التحتية للطاقة هدفًا للصواريخ الإيرانية.

تداعيات الحرب على دول مجلس التعاون الخليجي

لا شك أن الصراع الإسرائيلي / الإيراني له تداعيات استراتيجية على دول المجلس، لكون هذه الدول تقع جغرافياً في قلب التوترات الإقليمية، وتعدّ شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي، فقد وجدت دول المجلس نفسها في منطقة تماس استراتيجية بين تل أبيب وطهران، ومن ثم فإن التصعيد في هذه المواجهة ستكون له بالضرورة ارتدادات على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية لدول الخليج. وقد بدأ التأثير المباشر بإغلاق المجال الجوي لجميع دول المجلس، في أعقاب الغارات الجوية الأمريكية على المنشآت النووية الإيرانية، وفيما أثارته الضربة الصاروخية التي شنها الحرس الثوري الإيراني على قاعدة العديد الجوية القطرية، مخاوف جدية لدى حكومات دول المجلس حول مخاطر الوقوع في مرمى نيران التصعيد المستقبلي.

وعلى الجانب الاقتصادي، ورغم أن التصعيد العسكري سبب ارتفاع أسعار النفط بنحو 9٪ ووصل سعر خام برنت إلى 75 دولار للبرميل في اليوم التالي للضربات الإسرائيلية، ورغم التأثير الإيجابي لارتفاع أسعار النفط على الاقتصاد الخليجي، إلا أن المخاطر الجيوسياسية على الحكومات الخليجية، تفوق مكاسب أسعار النفط في المدى القصير. ويبقى الأمر الأكثر إثارة للقلق هو اضطرابات تدفق النفط عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره حوالي 25٪ من النفط العالمي المنقول بحرًا. وقد سبق أن هدد الإيرانيون مرارًا بإغلاقه، ولو حدث ذلك فسيكون له تأثير كبير على أسواق النفط.  ورغم أن بعض المحللين يرون أن الإغلاق قد لا يكون واردًا، إلا أن إيران سبق أن عطلت الشحن الذي يمر عبره، وأعاقت الموانئ التي تزود السفن بالوقود الإقليمية، مثل ميناء الفجيرة في الإمارات. وبالرغم من أن بناء السعودية والإمارات خطوط أنابيب للنفط الخام لتصدير النفط الخام مع تجاوز مضيق هرمز، وقد تمكنت المملكة من إرسال 5 مليون برميل يوميًا عبر خط الأنابيب بين الشرق والغرب إلى ينبع، في حين أن البديل للوصول إلى الأسواق الآسيوية، يتطلب من السفن عبور باب المندب، الذي قد يواجه خطر شن الحوثيون حملة ضد السفن العابرة. أما بالنسبة للإمارات، فيمكن لخط أنابيب، أبو ظبي للعمليات البترولية، أن يتجاوز مضيق هرمز، بإرسال حوالي 1.8 مليون برميل يوميًا إلى الفجيرة لتصديرها لاحقًا، ولا تملك مرافق قطر التي تبلغ طاقتها 77 مليون طن متري سنويًا من الغاز الطبيعي، ومحطة جزيرة داس في أبو ظبي التي تبلغ طاقتها 6 ملايين طن متري سنويًا خيارًا لتجاوز هرمز.مما قد يتم عزلها عن الأسواق الدولية في حالة قامت إيران بغلق المضيق.

 ويعتقد العديد من المحللين أن التهديد الإيراني بضرب المصالح الأمريكية وإغلاق مضيق هرمز، هو أداة ضغط سياسي ونفسي، "أكثر من كونها خطوات استراتيجية مدروسة".  لأن الإغلاق هو قرار اقتصادي واستراتيجي عالي الكلفة، ففي حين أنه قد يؤدي إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع أمريكا والدول الغربية، يمكن أن يضر بمصالح الصين والهند، الشركاء الرئيسين لإيران، ويخنق الاقتصاد الإيراني ذاته، الذي تمر صادراته من النفط عبره.   

كما أن التوتر الأمني وعدم اليقين حول التطورات المستقبلية، قد تُفضي إلى تراجع مؤشرات الأسواق المالية وتهدد الثقة الاستثمارية، خصوصاً في قطاعات الطيران، والطاقة، والسياحة في المنطقة، وأن توسّع ساحة المواجهة قد يضاعف عمليات استهداف متبادل عبر الوسطاء أو عبر هجمات سيبرانية وهو ما قد يدفع إلى خلق صراعات لا ترغب دول المجلس في أن تكون طرفاً مباشراً فيها.

يبدو أن الهدف الأساسي للتصعيد الإسرائيلي هو إضعاف إيران في الإقليم، ولا تخفي إسرائيل نيتها بإعادة تشكيل الشرق الأوسط، وفق ديناميات جديدة تخدم مصالحها، وتزيل المعوقات التي تعطل رؤيتها، وتلك تتوافق مع الرؤية الأمريكية الخاصة بالسلام والمشاريع الاقتصادية الكبرى، ومع "الدعم الأمريكي للعمل العسكري الإسرائيلي، من المتوقع أن تكون إسرائيل، الضابط الوحيد لإيقاع الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط على أساس تصورها للسلام أو الأمن، أو مستقبل الإقليم. (شفيق شقير:2025).

ويرى العديد من المحللين أن الحرب الإيرانية-الإسرائيلية الإقليمية هي المحطة الفاصلة في إعادة تشكيل القوى العاملة في الشرق الأوسط من جديد، وأن هناك قناعة تامة بأن لحظة التغير قد حانت، "وأنه لا مفرّ من إعادة رسم قواعد القوة والهيمنة الجديدة في الشرق الأوسط". وهناك اعتقاد بأن إيران "تخوض حربها الأخيرة لاستعادة هيبتها وإدارة خسارتها، بالبحث عن الفرص التي من شأنها أن تعيد لها حضورها على المستوى الإقليمي. وفي ظل هذه التحولات يظلّ الموقف الأمريكي هو الموقف الحاسم الذي يشكّل طبيعة الصراعات ونتيجتها، في حال أخطأت طهران الحسابات، يظلّ الحسم الأمريكي يشكّل المصير النهائي "(السكري وشعبان: 2025).

 موقف دول المجلس من الحرب

اتسمت العلاقة الخليجية / الإيرانية طوال السنوات الماضية بالتوتر نظرًا لتدخل إيران، من خلال وكلائها في المنطقة، وفي شؤون عدد من الدول الخليجية والعربية. إلا أن التوافق الذي أُبرم بين الرياض وطهران في 10 مارس 2023م، أسّس لهدنة بين الطرفين. ونظرًا لأن دول المجلس تدرك أن انهيار النظام الإيراني، سيخلق الفوضى، ويشكل خطرًا على استقرار المنطقة الجيوسياسي والاستراتيجي، فقد أدانت في موقف موحّد، الهجوم الإسرائيلي على إيران، واعتبرته انتهاكاً للقانون الدولي، وعدوانًا غاشماً يهدّد أمن المنطقة واستقرارها، وبذلت الجهود الدبلوماسية لوقف الحرب والتصعيد من خلال التحرك الدبلوماسي والوساطات السياسية في المحافل الإقليمية والدولية، والتواصل مع الشركاء الإقليميين والدوليين لفرض ضغوط ديبلوماسية من أجل إنهاء الأزمة. وعكس سرعة إدانة دول المجلس الضربات الإسرائيلية على إيران، النية في نقل رسالة واضحة لإيران في أنها لا تؤيد أية أعمال عسكرية ضدها.

من الواضح أن دول المجلس تفضل الحلول الدبلوماسية وتسعى للحفاظ على علاقات مستقرة وعملية مع طهران، باعتباره أمرًا ضروريًا لاستقرار المنطقة وحماية المصالح الوطنية، في ظل الصراع الإقليمي الذي تتعرض له المنطقة. وعلى الرغم من أن الصراع الأخير أظهر أهمية التوافق الخليجي الإيراني، إلا أن احتمال جولة جديدة من الأعمال العدائية بين طهران والتحالف الأمريكي / الإسرائيلي، يزيد المخاوف بشأن المسار طويل الأمد للعلاقة الخليجية الإيرانية. حيث تتخوف دول المجلس من أن يكون الرد الإيراني المستقبلي ضد المصالح الأمريكية في المنطقة، قد يكون أكبر من ردها على قاعدة العديد الجوية، مما قد يعرض دول المجلس لمواجهة مباشرة وأضرار جانبية.

إن أي استهداف غير مباشر أو زيادة مستوى المخاطر على البنية التحتية للطاقة، من منشآت نفط وغاز ومحطات تكرير وتحلية وموانئ، سواء من إيران أو من وكلائها الإقليميين، قد يشكّل ضغطاً كبيراً على الحكومات الخليجية لتعزيز الحماية العسكرية والأمنية لهذه المنشآت، لهذا فإن الأمرَ يستدعي مراجعةً استراتيجيةً فورية لتحديد المُتغيرات الإقليمية، ومراجعة الأدوار للدولِ الخليجية والعربية للعملِ كجبهةٍ موحدة في مواجهة التهديدات الخارجية والتحدِّيات الداخلية، والدفع بمبادرةٍ أمنيةٍ إقليمية. وتتعدد الخيارات أمام دول الخليج للتعامل مع تداعيات هذه الحرب ولتحصين دولها وتأمين مصالحها فهي تمتلك حزمة متنوعة من الأدوات السياسية والأمنية والاقتصادية للتعامل مع تداعيات التصعيد شريطة استخدام هذه الأدوات بحكمة، ودون التفريط في جاهزيتها الأمنية والاقتصادية. فهي تحتاج إلى ضرورة التركيز على التأهب الأمني والدفاعي عبر تعزيز المنظومات الدفاعية الجوية والبحرية، وتحسين مستوى التنسيق الاستخباراتي مع الحلفاء الدوليين، تحسّبًا لأي عمليات عسكرية أو تهديدات عبر الطائرات المسيّرة أو الصواريخ كما أشار العريمي (2025م). وعلى الرغم من نجاحِ بعض المبادرات الأمنية مِثل التحالفِ الدولي في مياه الخليج في تحييد خطرِ تعرُّض إيران لحرِّية الملاحة وتهديد ناقِلات النفط، ونجاحِ تحالفِ دعم الشرعية في اليمن جزئيًا في وقفِ تمدُّد جماعة أنصار الله الحوثي وسيطرتها على اليمن، فإن العديدَ من المبادرات الأخرى واجهت صعوباتٍ وتحدِّياتٍ، وبعضها لم يرَ النور.

وقد يعد تنويع طرق تصدير الطاقة بهدف تقليل الاعتماد على مضيق هرمز، خطوة استراتيجية رغم محدوديتها، ومخاطرها، والتي تم بموجبها تطوير موانئ بديلة في بحر العرب والبحر الأحمر لكل من سلطنة عُمان والسعودية، والإمارات، إلا أنه يبقى التحرك الدبلوماسي النشط في المحافل الإقليمية والدولية، ودعم الوساطات السياسية، مؤشرًا إيجابيًا لاحتواء التصعيد. وفي نفس الوقت فإن تعزيز الأمن السيبراني لحماية المنشآت الحيوية من أي هجمات إلكترونية محتملة، يعتبر أمرًا ضروريًا لا يقل خطورة عن التهديد العسكري المباشر.

مقالات لنفس الكاتب