array(1) { [0]=> object(stdClass)#14314 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 213

مواجهة التحديات الخليجية بوحدة شاملة وجيش للردع واقتصاد إنتاجي تكاملي

الخميس، 28 آب/أغسطس 2025

يوم الجمعة 13  يونيو الماضي، وجدت دول مجلس التعاون نفسها  في قلب معادلة جيوسياسية معقدة جدًا، تفتح كل الآفاق لإعادة رسم توازنات القوة في المنطقة، وقد تغير موقعها الجيوسياسي، عندما شنت إسرائيل حربًا على إيران بمفاهيم غير مسبوقة، وربما يمكننا القول إنها غير متوقعة، قابلتها إيران بقوة ردع بعد أن تمكنت من امتصاص الصدمة الأولى، ووقفت دول المنطقة والعالم كله في ذهول من نجاح التفكير الإسرائيلي المسبق للحرب ومن طبيعة الأدوات والوسائل المستخدمة فيها، وكشفت قدرة طهران على خوض حرب استنزافية طويلة على عكس إسرائيل التي ظهرت أنها قوة لن تصمد في حرب طويلة، لذلك تدخل الرئيس الأمريكي ترامب لوقف إطلاق النار بسيناريو يميل للمسرحية أكثر منه للواقعية.

وهنا، يتحتم على الدول الخليجية أن تعكف على دراسة هذه الحرب من كل النواحي حتى تقف على مكامن قوتها في حروب سرية ومعلنة واستنزافية في ضوء ما ستخرج به من دروس لهذه الحرب، وإذا ما انفتحنا على مجمل الأحداث الكبرى التي وقعت في المنطقة قبل الحرب الإسرائيلية على إيران، فإن الدراسة الخليجية ينبغي أن تتوسع ويتسع نطاقها الجيوسياسي، وعندها ستظنه  أربعة  أحداث قوية كصيرورات تاريخية، يراد لها إعادة خارطة المنطقة ومستقبلها، وتغيير الأدوار الاستراتيجية للفاعلين الرئيسيين فيها، ودمج إسرائيل في المنطقة، وجعلها اللاعب الأوحد الضامن للاستقرار الإقليمي، والأحداث هي بالتوالي:

 طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023م، ضرب حزب الله في لبنان واغتيال قيادات سياسية وأمنية بارزة بما فيهم حسن نصر الله في 28سبتمبر 2024م، وانهيار نظام الأسد في الثامن من أكتوبر 2024م، وكذلك الحرب الإسرائيلية على إيران في 13 يونيو 2025م، هل كل الأحداث الأربعة مخطط لها أم كان أحداها -وهو الطوفان-الشرارة لتنفيذ مخططات كبرى حيث ما كانت لترى النور إلا بحدث أو حوادث كبيرة؟ الأهم هنا أن تلكم الأحداث تدخل المنطقة في صيرورة تاريخية مستهدفة، المعلوم منها قليل، والمجهول أكبر، لذلك يستوجب استشراف المخاطر بدراسات مجردة لمواجهة التحديات المستقبلية، وهى وجودية، ولا ينبغي لأي دولة خليجية أن تطمئن على نتائج تلكم الأحداث حتى وإن بدأت في صالحها بأي نسبة مئوية، حتى وإن اعتقدت ضمانتها للبعد الدولي الآن، فهو متغير، وحتى في صورته الراهنة فهو ملتبس، فلا تغتر أي دولة بميوله واتجاهاته نحوها الآن، بقدر ما ينبغي الاستفادة منه في صناعة مستقبلها، ومراجعة أفكارها السياسية تصويبًا نحو دروس الحرب وفق أعمال الاستشراف لتوقع مستقبلًا ما لا توقعه حاضرًا.

وسنتناول دروس الحرب في المحاور التالية "

أولا: عنصر المفاجأة .. ينجح في تحقيق أهدافه السياسية 

خططت إسرائيل لعنصر المفاجأة على إيران منذ عدة سنوات من خلال اختراقها داخليًا، حيث تمكن جهازها الاستخباري / الموساد / من تجنيد إيرانيين على مستويات عليا من بينهم علماء نوويين وأمنيين وعسكريين ونخب، وزرع آخرين من الخارج  ، ونجح من خلاله إقامة منظومات استخبارية كقاعدة عسكرية داخل إيران تم من خلالها تخزين مسيرات مفخخة، يقال أنها صنعت داخليًا أو هربت إليه منذ عدة سنوات، وهى تعرف بالطائرات الانتحارية، وتخفى داخل سيارات أو ورش تصنيع سرية في أطراف المدن الإيرانية مثل أصفهان وطهران، وبها قد اغتالت علماء نوويين بارزين وأمنيين وعسكريين، واستهدفت أنظمة الرادار والمعدات المرتبطة بالدفاع الجوي الإيراني، وهاجمت منشآت نووية وحكومية أخرى .. الخ.

ووفق الكثير من المصادر الإسرائيلية " كهارتس "  ومجلة " ذا اتلانتيك " أن العمليات اعتمدت بشكل كبير على إيرانيين جندهم الموساد، واعترف رئيس أركان الحرب الإسرائيلي إيال زأمير عن عمليات كوماندوس برية إسرائيلية داخل إيران نفذت عمليات سرية خلال الحرب بالتعاون مع عناصر من جهاز الموساد، وموضحًا كذلك أنه تم السيطرة على كل المواقع التي تعمل فيها إسرائيل داخل إيران بفضل التنسيق والتضليل الذي نفذته القوات الجوية والبرية الخاصة، ومشيدًا في الوقت نفسه بتعاون وكالة المخابرات المركزية الأمريكية " clA " على مدى سنوات ،وهذا يوضح لنا قضايا هامة:

  • أن صناعة عنصر المفاجأة كان مخططًا منذ عدة سنوات، وله أهدافه الخاصة، ولم يكن إسرائيليًا خالصًا وإنما ساهمت فيه عدة دوائر استخبارية ...
  • نجاح الدمج بين العمل الاستخباري والسيبيراني والعسكري منذ الساعات الأولى للحرب، وبالذات العمل الاستخباراتي الذي كان له السبق في تحقيق نتائج لا يمكن التقليل منها، وكان له تحولات في الحرب من كلا المتحاربين.
  • الاستهانة والاستهتار الإيراني بالأمور الأمنية، ونضرب هنا بمجموعة أمثلة، كسكن كبار القادة مثل قادة الحرس الجمهوري في منطقة معروفة وواحدة في طهران مما مكن إسرائيل من اغتيال عدد كبير من القادة والعلماء ..الخ   وكذلك القصور الكبير في مراقبة كامل التراب الإيراني وعدم الاستفادة الإيرانية من تجربة الاختراقات الإسرائيلية للبنان، وتحديدًا حزب الله، ويكاد الاختراقان – اللبناني والإيراني - يتشابهان في التفكير والتنفيذ وتوظيف عامل الزمن، فيكفي الاستدلال بالأخير بأن إسرائيل قد استغلت مباحثات الهدنة مع الحكومة اللبنانية وشنت هجماتها على قادة ومنشآت حزب الله في سبتمبر الماضي، وكررت التفكير نفسه مع طهران عشية استئناف مباحثاتهما في مسقط .
  • لعنصر المفاجأة تحقيق هدفين استراتيجيين هما: إدخال القيادة العليا الإيرانية في رعب وجودي ومستدام في ظل أجندات معلنة مثل تدمير برنامجها النووي، وأخرى غير مؤكدة، وتتسرب من عدة مصادر أمريكية وإسرائيلية،  وهى تغيير النظام أو إدخالها في فوضى عارمة وتحويلها إلى نسخة من العراق وليبيا وسوريا ، وقد تحقق الرعب الوجودي بقيام المرشد الإيراني على خامنئي بتحويل سلطاته إلى المجلس الأعلى للحرس الثوري الإيراني وليس للمؤسسات السياسية والأمنية ، ولجؤه مع عائلته إلى ملاجئ تحت الأرض، والآخر أن تشعر إيران أنها في مخاطر داخلية طويلة الأجل.

ونرى أن هناك عامل إقليمي قد تدخل بعد الساعات الأولى للحرب ذهب باتجاه  الاستفادة من تحقيق هدفي عنصر المفاجأة عبر بلورة تفاهمات سياسية بين طهران والرئيس ترامب لاستثمار نتائج عنصر المفاجأة، وكان له تأثير فوري على مسارات الحرب، وسيكون له تحولات تاريخية في العلاقات الأمريكية ـ الإيرانية، ويمكن الاستدلال هنا بمجموعة المعطيات، مثل  امتناع طهران من ضرب أهداف إسرائيلية واضحة كمطارات وزارة الحرب الإسرائيلية وطائرات التزويد بالوقود، كما لم  تستخدم إيران قواعدها الصاروخية الساحلية لضرب مواقع عسكرية إسرائيلية أثناء تنفيذها هجمات صاروخية جماعية، صحيح أن هذه القواعد مصممة أساسًا لضرب أهداف في دول الخليج العربي، لكنها لو كان حربًا وجودية فستوظفها لصالحه ، وستصعد الحرب ضد إسرائيل وأمريكا، كإطلاق أذرعها الإقليمية خاصة في العراق والمساس بأمن وسلامة الملاحية البحرية خاصة في مضيق هرمز .

وحتى في الجانب الآخر، ظهرت الهجمات الإسرائيلية بعد الساعات الأولى للحرب أنها رمزية ومحدودة رغم حجم القوة التدميرية، وذلك من خلال استهدافها عدة مقرات للحرس الثوري وقوات الشرطة وأجهزة الاستخبارات في طهران ومنشآت الطاقة، وكذلك ضربها وفقًا لحسابات الخبراء الروس حوالي 40 منصة إطلاق الصواريخ  من بين أكثر من 400 منصة متاحة، كما يتصاعد الحديث عن صفقات تجارية تقدر بأكثر من تريليون دولار تغري بها طهران ترامب المعروف عنه أنه رجل الصفقات الكبرى، وكل تلكم الاحتمالات ينبغي أن تضع فوق الطاولة السياسية الخليجية الآن على المستويات الفردية والثنائية والمشتركة بصورة مجردة .

وصراحة القول إن نجاح عنصر المفاجأة قبل واثناء الساعات الأولى للحرب قد كان بمثابة السرعة التي تمكنت من خلالها إسرائيل شل نظام الدفاع الجوي الإيراني وتأمين سيطرتها على المجال الجوي الإيراني، واغتيال وتدمير مجموعة أهداف استراتيجية .. مما تمكنت من خلالها تغيير مجرى استراتيجية الحرب وأهدافها العسكرية والسياسية من كلا الجانبين خاصة بعدما فشلت إسرائيل من تحييد الصواريخ الباليستية والمسيرات الإيرانية، ونجاح طهران في استهداف مجموعة أهداف إسرائيلية عسكرية وأمنية ومدنية صنعت الرعب الوجودي الديموغرافي الإسرائيلي، وجعلت من إسرائيل لا تتحمل طويلًا الاستمرارية في حرب استنزافية، مما أصبحت قناعة وقف الحرب مشتركة، وقد نسمع عن نجاح المفاوضات وعن تأسيس علاقات طبيعية بين طهران وواشنطن على الأقل، وليس لدى طهران هنا من خيارات كثيرة، لأنها تعلم حجم اختراقاتها البنيوية طويلة الأجل ، وهى تعلم حجم قوتها  قبل الحرب وبعدها، فحجم قوتها الإقليمية قد قلصت  بصورة تتراوح بين الشمولية والمحدودية كالقضاء على قدرات حزب الله، وإسقاط نظام بشار الأسد، وإضعاف جماعة أنصار الله "الحوثي" في اليمن.

ثانيًا: الأسباب الداخلية .. لنجاح عنصر المفاجأة

لا تزال إيران في حالة الصدمة من اختراق الموساد الإسرائيلي لداخلها، وتحتاج لمدى زمني طويل لتفكيك شبكة التجسس المترامية الأطراف داخل ترابها، فخلال الاثنى عشر يومًا  للحرب أعدمت ستة جواسيس، واعتقلت 700 آخرين، واكتشفت مصانع وطائرات مسيرة، واكتشاف أكثر من 10 آلاف طائرة مسيرة صغيرة في العاصمة طهران لوحدها دون بقية المناطق، وهناك مجموعة أسباب سهلت اختراق إيران، وفي مقدمتها الفقر والبطالة واستغلال الاختلالات البنيوية في تركيبة سكانها، ويبدو أن الكثير منها تم صناعتها من خلال العقوبات عليها على خلفية إصرارها على برنامجها النووي، فمن خلال هذه العقوبات تراجعت صادراتها  النفطية من 2.5 مليون برميل يوميًا إلى حوالي مليون برميل يوميًا عام 2020 م، وأحيانًا إلى أقل من 500  ألف برميل يوميًا، مما انعكس سلبًا على حجم مواردها المالية، ورفع من نسبة التضخم والركود الاقتصادي وانخفاض الريال الإيراني أمام العملات الأجنبية، وشهدت الأسعار ارتفاعًا فوق الطاقة الشرائية للمواطنين .

كما تراجع الناتج المحلي الإجمالي بصورة كبيرة، وطبقًا لتقارير صحيفة "دنياي اقتصاد" بلغ الناتج المحلي الإجمالي لإيران عام 2020م، حوالي 240 مليار دولار، مقارنة بـ445 مليار دولار في 2017م، ويعكس هذا الانخفاض تأثير العقوبات على معظم القطاعات الاقتصادية، بما في ذلك الصناعة والتجارة، وكذلك على  الحد الأدنى للأجور، إذ بلغ للعامل المتزوج بما في ذلك جميع المزايا ما يعادل 143 دولاراً تقريباً،  وبالنسبة للأفراد في مناصب مثل مدير البنك ورئيس القسم ومدير الاستثمار ونائب الفرع يكسبون في المتوسط ما يعادل 460 دولاراً تقريباً، فيما بلغت نسبة الفقر  30 %– رسميًا – مع تقديرات ترفعها إلى 75 %، وإيران دولة متعددة الأعراق والأديان واللغات في ظل تعداد سكاني  يبلغ 91.5 مليون نسمة .

ومن البديهيات أن تنجح الاختراقات الإسرائيلية وغيرها في كل مناحي البنيات الإيرانية بما فيها العليا، وذلك في ضوء ما تنفقه طهران على ميليشياتها في الخارج من أموال طائلة، فمثلا حسب بعض المصادر تنفق 830 مليون دولار سنويًا لحزب الله غير بقية أذرعها في المنطقة، ومؤسساتها الناعمة في العالم، وهذا كان على حساب داخلها، وبالتالي فلا غرابة من نجاح الاختراقات، وما ظهر فوق السطح لا يعكس ما تحته من اختراقات إقليمية وعالمية.

 

الدرس الثالث: الطائرات الباليستية و المسيرة .. تصنع مستقبل الحروب

وهذا الدرس العسكري وجدناه متداولًا عند الخبراء وفي الكثير من التحليلات، حيث تثبت الحرب الاثني عشر يومًا أن من يمتلك صواريخ فرط صوتية وطائرات مسيرة سيتفوق على أنظمة الدفاع، وآفاقها المستقبلية تشير إلى أنها ستخرج حاملات الطائرات العملاقة من الخدمة، فالصاروخ الفرط صوتي والصواريخ المضادة للسفن والمسيرات رخيصة الثمن كفيلة بتدميره ، وفي الحرب الاثني عشر تمكنت الصواريخ فرط صوتية على تجاوز الدفاعات الجوية التقليدية، وضرب أهداف استراتيجية خلال دقائق، لان سرعتها تفوق سرعة الصوت، وقد غيرت قواعد اللعبة الاستراتيجية بين إسرائيل وإيران، وهى كذلك مستقبلًا في أي حرب مقبلة.

رابعًا: دبلوماسية القوة

وهو مذهب جديد، وقد أخذ يتبلور في السياسة الخارجية الأمريكية، ومن حيث الاسم يتداخل مع عدة مسميات فإحداها يطرح بالاسم نفسه، وآخر بمسمى دبلوماسية الزوارق الحربية، لكن له معنى مختلف حيث يعني التهديد باستخدام القوة كوسيلة للتأثير على قرارات الدول الأخرى، وتحقق أهداف سياسية، أما المذهب الذي نقصده هنا، وقد تم تطبيقه في الحرب الإسرائيلية على إيران يتلخص في المعادلة التالية: اضرب بقوة، اضرب بدقة، ثم اجلس للتفاوض من موقع قوة. وقد تبناه نتانياهو على إيران دون الاستعانة بحلفاء غير ترامب، لذلك تم الاستعداد له منذ عدة سنوات، وتنفيذه كان مثاليًا لو لا القدرة الإلهية التي حصنت الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة من الاستهدافات في الساعات الأولى للحرب، لكنها نجحت في صناعة الرعب المتبادل، وإنضاج مسار العودة للمفاوضات.

خامسًا: الاستفادة الخليجية من دروس الحرب

عززت الحرب الاثني عشر يومًا حتمية تغيير دول مجلس التعاون الخليجي الست مساراتها التي عرقلت مسيرة تحقيق الوحدة الأمنية والعسكرية الجماعية ، والعودة سريعًا إلى تحقيق ميثاق مجلس التعاون الخليجي الذي وضعه جيل التأسيس الراحل في عام 1981م، فكل الأحداث القديمة/ الجديدة التي وقعت في المنطقة تدلل على نفاذ فكرهم وعمق استشرافاهم، وما تطرحه تلكم الدروس من تحديات وجودية أمنية وعسكرية وسياسية يمكن استيعابها من خلال وحدة خليجية شاملة بجيش كبير يمتلك كل وسائل الردع وإمكانيات حروب الاستنزاف ومنظومة أمنية وسيبرانية لحماية الدول الست من الاختراقات المختلفة في ضوء تجربة الاختراقات الإيرانية، وفي ضوء مستقبل الحروب، وكذلك باقتصاد خليجي إنتاجي تكاملي غير تنافسي، بحيث تتحول الدول الست إلى نطاق جغرافي محصن من قبل الدول الست .

ويستوجب على كل دولة خليجية أن تطرح التساؤل التالي: ما مدى اختراقها الداخلي حتى الآن؟ فانكشاف حجم الاختراقات الإيرانية يشرعن طرح هذا التساؤل كحتمية في ضوء تحولات خليجية تؤسس بيئات للاختراقات الأجنبية من البوابة الاقتصادية من خلال مسارين متزامنين، دولي، حيث التحولات الاقتصادية العالمية تجعل من دول الخليج وجهة استثمارية مثالية عالمية، ومحطة إقامة آمنة للرأسماليين وأسرهم ، وانتقال معهم هوياتهم وأيديولوجياتهم، والسماح لهم بإقامة مؤسساتهم الدينية والتعليمية والخيرية، والآخر محلي بوجود خطط خليجية طموحة تهدف إلى التقليل من الاعتماد على النفط والغاز وتطوير قطاعات جديدة مثل التكنولوجيا والطاقة المتجددة والبنية التحتية دون أي تكامل أو تنسيق خليجي ـ خليجي، بل سباق محتدم على الفرص وسحب المنافع الاقتصادية .

 وخلال السنوات الماضية انتقلت الدول الخليجية الست إلى تكامل أوسع مع الأسواق العالمية، وتم إدراج دول المنطقة ضمن مؤشرات الأسواق الناشئة مثل مؤشر إم إس س أي العالمية، وهذه التحولات تعمل على إعادة صناعة المجتمعات الخليجية، من خلال تغيير دور الدولة الرعائي إلى النيوليبرالي عبر الانتقال من مجانية خدمات أساسية للمواطنين إلى مدفوعة الأجر وفرض ضرائب وزيادة الرسوم والجبايات، وهذه كبرى التحولات الاجتماعية في الخليج لأنها تمس جوهر منظومة الولاء والانتماء، وتعومها أفقيًا بعدما كانت رأسية دون منازع.

و نجم عن هذه التحولات مجموعة ظواهر متنامية كالبطالة والدخول الضعيفة وتدني مستويات المعيشة وتآكل الطبقة الوسطى مع التباين بين الدول الست، وبروز هذه الدول مفتوحة على الأفكار والأشخاص والأموال بصورة تفتح ديمغرافيتها وجغرافياتها على كل الاحتمالات للاختراقات الداخلية والخارجية، علمًا أن هذه الحقبة تمنح  للدول الست فرصًا تاريخية غير مسبوقة للتحرر من الهيمنة الغربية، وبناء اقتصاد جديد متحرر من ممرات التوريد والاستثمار التقليدية، والتوجه نحو التكامل وفق أجنداتها التاريخية، وبعيدًا عن صندوق النقد الدولي، فمن السهولة الممكنة الآن أن تتحول الدول الست إلى لاعب دولي محوري ستكون مساهمته فاعلة في إقامة اقتصاد عالمي جديد.

مقالات لنفس الكاتب