array(1) { [0]=> object(stdClass)#14291 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 213

الجيوش القادرة على المرونة والتكامل والابتكار هي الأجدر بالنصر في ساحة تتسم بالتعقيد

الخميس، 28 آب/أغسطس 2025

تعتبر المواجهة العسكرية التي جرت بين إيران وكل من إسرائيل وأمريكا واستغرقت اثنتي عشر يومًا من أكبر المواجهات الجيوسياسية التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط. فقد بدأت بـضربة شنّها الجيش الإسرائيلي على منشآت نووية إيرانية في 13 يونيو، وشملت اغتيال عدد من القيادات العسكرية في الجيش والحرس الثوري وكذلك عُلماء الذرة العاملين في البرنامج النووي، وحملت اسم "عملية الأسد الصاعد". ثم تطورت إلى حرب تعددت فيها المستويات ومسارح العمليات، وشملت المجالات السيبرانية والجوية والبحرية.

شاركت أمريكا منذ البداية في الحرب بأعمال المخابرات والاستطلاع والتخطيط الاستراتيجي، ثم تدخلت بشكل مباشر في 22 يونيو بعملية جوية معقدة حملت اسم " مطرقة منتصف الليل"، واشترك فيها أكثر من 125 طائرة، وست قاذفات عملاقة من طراز الشبح B-2، التي أسقطت 14 قنبلة يزن كل منها 30,000 رطل، على مواقع المفاعلات النووية الإيرانية الموجودة تحت الأرض، والتي اعتبرها رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية أكبر عملية تنفيذية من نوعها نفذها الجيش الأمريكي منذ الحرب العالمية الثانية. وجاء رد إيران في شكل إطلاق صواريخ باليستية، وطائرات مسيرة، وهجمات سيبرانية.

أبرزت هذه المواجهة التغير الذي أصاب الحروب المعاصرة، والتي أصبحت حروبًا هجينة، متعددة المجالات المادية والرقمية تتطلب من وزارات الدفاع وهيئات الأركان في العالم إعادة النظر في تنظيم قواتها المُسلحة والعلاقة بين فروعها والتنسيق بينها على المُستوى الاستراتيجي والعملياتي. ولا بد أن خبراء السياسية والاستراتيجية العسكرية والأمن القومي في إيران، يعكفون على دراسة ما حدث في مجريات الحرب، ويعملون على استخلاص الدروس المستفادة لحماية أمن بلادهم، وهي دروس عديدة ومتنوعة. وسوف أعرض في هذا المقال إلى ثلاث نقاط هي الدروس العسكرية، والدروس السياسية، ودروس الحرب وإلى أي مدى يستعد الطرفان لجولة قادمة.  

أولًا: الدروس العسكرية

  1. مستقبل شكل الحروب ومنهج إدارتها: خلال حرب يونيو 2025م، شنت إسرائيل أكثر من 200 غارة على إيران، استهدفت 100 هدف، شملت مواقع نووية ونظم رادار وإطلاق صواريخ، وأهداف مدنية، وهجمات سيبرانية وأعمال تخريب. وما كان يُمكن أن يحدُث ذلك لولا أنه سبقها عملية جمع معلومات دقيقة عن هذه الأهداف على مدى شهور ورُبما سنوات. ليس فقط من خلال أقمار التجسس ولكن أيضًا من خلال مُشاهدات العملاء على الأرض وتقاريرهم. فضلًا عن تطوير إسرائيل لنظام محكم للتنسيق بين الطائرات والمخابرات والحرب الإلكترونية والهجوم السيبراني، وبدعم من الأقمار الصناعية الأمريكية، وبرامج الذكاء الاصطناعي.

وهكذا، فإن إحدى سمات الحرب الحديثة، هي إدماج القدرات العسكرية التقليدية مع القدرات الرقمية والتكامل فيما بينها. ومن ثم، فإن الجيوش القادرة على المرونة والتكامل والابتكار سوف تكون الأقوى، والأجدر بتحقيق النصر في ساحة أمنية تتسم بالتغير والتعقيد. وأعتقد أن الخبراء الإيرانيين توقفوا كثيرًا أمام هذه النقطة لتحديد الثغرات التي استغلتها إسرائيل لتداركها والحيلولة دون تكرار ذلك مُستقبلًا.

وفي المُقابل نجحت إيران في إطلاق أعداد كبيرة من الطائرات المُسيرة التي وصلت إلى العُمق الإسرائيلي، مخترقة نظم الدفاع الإسرائيلي الثلاثة، وهي القبة الحديدية ومقلاع داوود ونظام السهم، التي تكلفت مليارات الدولارات. رغم ذلك، فإن ما حققته الطائرات المُسيرة الإيرانية كشف عن قصورها في مواجهة هجوم متكرر بأعداد كبيرة من الطائرات المُسيرة رخيصة الثمن. تشير التقارير الأمريكية والإسرائيلية إلى حاجة إسرائيل إلى تطوير أنظمة أكثر دقة وأقل تكلفة. وبالعكس، فإن إيران سوف تسعى لتطوير قُدراتها في مجال الطائرات المُسيرة، وتطوير النُظم التي تُمكنها من توجيه أعداد كبيرة منها والسيطرة عليها في نفس الوقت.

  1. حدود التحالفات الدولية: ظهر فارق نوعي كبير بين التحالف الإسرائيلي الأمريكي من ناحية، وتحالف إيران مع روسيا والصين من ناحية أُخرى. في الحالة الأولى، شاركت واشنطن إسرائيل في كُل مراحل الحرب سواء تم الإعلان عن ذلك أم لا وحشدت قوات برية وجوية لإسقاط الطائرات المُسيرة، وتدمير الصواريخ الإيرانية المُتجهة إلى إسرائيل. كما زودت حليفتها بالذخائر والمُعدات العسكرية التي تُمكنها من مواصلة القتال. وتدخلت مُباشرة عندما تطلب الأمر ذلك.

 وفي المُقابل، وجدت إيران نفسها وحيدة في ميدان القتال. ولم تكُن موسكو وبكين مُستعدتان للتورط في المعركة واكتفيا بالدعم السياسي والإعلامي.

 لابُد أن هذا الأمر هو محل دراسة وتقدير في طهران وأنها تبحث في البدائل، وفيما يمكن أن يحدث في أي جولة قادمة. ومن الأرجح، أنها سوف تكون وحيدة عسكريًا بسبب استمرار سياسات موسكو وبكين. ومن ثَم، فإن الحل يكمن في تحقيقها تفوقًا عسكريًا على النحو الذي يمكنها إن لم يكن من الانتصار فعلى الأقل عدم الهزيمة. رُبما يكون المخرج في تطوير نوعي لترسانة الصواريخ الباليستية والاستخدام الأمثل للطائرات المُسيرة بأعداد كبيرة. وربما يكون هناك حل آخر، ولكنه أكثر مُخاطرة، وهو أن تتمكن إيران من إنتاج القُنبلة الذرية أسوة بما فعلته كوريا الشمالية، ومن ثم يتحقق التوازن النووي بين طهران وتل أبيب. وكل من الحلين له حدوده وعواقبه.  

  1. إعادة التفكير في مفهوم الردع: أثبتت الحرب أن الردع لم يعد ثابتًا أو أحادي الجانب. فعلى الرغم من اتضاح ضعف الدفاعات الجوية الإيرانية وتدمير أجهزة راداراتها، وافتقارها إلى سلاح جوي حديث، واستباحة الطيران الإسرائيلي لمجالها الجوي، فإن ذلك لم يردع إيران التي استمرت قادرة على الرد بالصواريخ والطائرات المسيرة حتى اليوم الأخير من الحرب، وأعلنت أنها أطلقت 550 صاروخًا باليستيًا وأكثر من 1000 طائرة مُسيرة خلال أيام الحرب أصابت مواقع عسكرية واستراتيجية حساسة مثل منشآت بازان في حيفا ومعهد وايزمان في روحوفوت. وصرح عبد الرحيم موسوي رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية في اتصال هاتفي له مع وزير الدفاع السعودي، الأمير خالد بن سلمان، يوم 29 يونيو 2025م، "أننا لم نبدأ بالحرب ولكننا قمنا بكل قوة بالرد على المعتدي... وإننا مستعدون لرد صارم عليه إن كرر العُدوان".

ثانيًا: الدروس السياسية

  1. انكشاف الجبهة الداخلية: لا بد أن يكون ما ظهر من انكشاف الجبهة الداخلية الإيرانية أمام أجهزة المخابرات الإسرائيلية، مثل صدمة كبيرة ومؤلمة لقادة إيران. فقد بدا وكأن إسرائيل تقرأ في كتاب مفتوح عندما يتعلق الأمر بأسماء وعناوين القادة العسكريين وعلماء الذرة، ووصل الأمر إلى دخول عشرات الجواسيس والعملاء، الذين أقاموا محطة لإطلاق الطائرات المسيرة من داخل إيران.

   لذلك، سارع البرلمان الإيراني بسنّ تشريعات جديدة لمكافحة الجرائم الاقتصادية والتجسسية، من بينها قانون يقضي بمعاقبة مستخدمي الإنترنت الفضائي (ستارلينك)، وقانون بتغليظ العقوبة في جرائم التجسس، وإفشاء الأسرار العسكرية والتكنولوجية، باعتبارها جرائم تدخل في باب الخيانة العُظمى وعقوبتها الإعدام.  

قامت السلطات الأمنية بحملات واسعة، حيث تم اعتقال المئات في مناطق مختلفة وخصوصًا المناطق المتاخمة للحدود، بتهمة التجسس لصالح إسرائيل. وتواصلت هذه الحملات بشكل مكثف، ففي يوم 6 أغسطس 2025م، أعلنت السلطات الإيرانية عن إعدام "روزية وادي" عالم الذرة المتخصص في المفاعلات النووية، والذي عمل في أرفع هيئة إيرانية تختص بهذا الشأن، وهي "منظمة الطاقة الذرية"، وأتاح له منصبة الاطلاع على مختلف جوانب البرنامج النووي الإيراني. وقد أدانته المحكمة بتهمة إفشاء معلومات تخص البرنامج وكذلك أسماء العاملين به لجهاز الموساد الإسرائيلي.

  1. التماسك السياسي والوحدة الوطنية: رغم أن الأيام الأولى للحرب، شهدت اغتيالات لعدد من قادة الجيش والحرس الثوري مما أوجد بالضرورة اهتزازًا مؤقتًا على مُستوى القيادة، إلا أنه سرعان ما استعادت النخبة الحاكمة توازنها، وقامت بشغل المناصب الشاغرة بسُرعة. ورغم وجود خلافات بين القوى السياسية في البلاد وخروج مظاهرات معارضة في بعض المناسبات، إلا أن المجتمع السياسي الإيراني توحد في ظروف الحرب، وتضامن الرأي العام مع قيادة الدولة.

أكد خطاب القادة الإيرانيون معنى "الانتصار في الحرب على الكيان الصهيوني"، وأن بلادهم وجهت صفعة قاسية للولايات المتحدة "التي فشلت في إلحاق أي إذلال بالنظام الإيراني". وعبرت أغلبية الشعب عن الشعور الوطني بالوحدة والتكاتف مع النظام الحاكم في مواجهة عدوان خارجي. وفي أعقاب وقف إطلاق النار، خرجت مظاهرات شعبية للتعبير عن ابتهاجها ومنددة بالعدوان الإسرائيلي الأمريكي.

  1. دور إيران الإقليمي: تسعى إيران للحفاظ على دورها الإقليمي، من خلال التأكيد على سياسة حُسن الجوار وسيادة الدول الأخرى. وسعت إلى تحسين علاقاتها بالدول العربية، التي توترت بعد هجوم طهران الصاروخي على قاعدة العُديد في قطر. فمن ناحيتها، رفضت دول مجلس التعاون الخليجي هذا السلوك، واعتبرته اعتداءً على سيادة قطر، وأصدرت بيانًا قويًا عن تضامنها مع قطر في هذا الشأن. كان المعنى الأعمق لغضب الدول الخليجية، شعُورها بأنه يمكن لإيران أن تضحي بمصالحها مع أي دولة خليجية وإن كانت صديقة لها في إطار صراعها مع إسرائيل وأمريكا.

 وكرد فعل على هذا الغضب، أكد الرئيس الإيراني أن بلاده مستعدة للتعاون الكامل مع دول مجلس التعاون الخليجي، وفتح صفحة جديدة معها. وأشار وزير الخارجية إلى أن علاقات إيران مع جيرانها من الدول الخليجية، تتسم بالودية وتقوم على احترام سيادتها واستقلالها.

كما قامت إيران بتحسين علاقتها مع مصر. وزار وزير خارجيتها القاهرة للتشاور السياسي معها أكثر من مرة، واتخذت السُلطات الإيرانية قرارًا بتغيير اسم أحد الشوارع الرئيسية بطهران من "خالد الإسلامبولي" وهو المُتهم الرئيسي في اغتيال الرئيس السادات، إلى "حسن نصر الله". وأزال هذا القرار أحد مصادر التوتر في العلاقات بين طهران والقاهرة.   

لابُد أن إيران تُخطط لمُستقبل علاقاتها مع أذرعها في المنطقة والتي مثلت لمُدة طويلة خط الدفاع الأول عنها. تعرضت هذه الأذرع في عامي 2024-2025م، لضربات عسكرية إسرائيلية مُتلاحقة وخصوصًا في سوريا، حتى بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024م، وحزب الله في لبنان، وحركة الحوثي في اليمن. إضافة إلى الضغوط السياسية على قوات الحشد الشعبي في العراق.

من الأرجح، أن إيران تُدرك عدم إمكانية عودة الدور السابق لهذه الأذرع إلى ما كانت عليه نتيجة تغير الظروف والتوازنات في المنطقة، ولكنها لن تُسلم بانقضاء دورها تمامًا. وسوف تسعى لإحياء علاقتها معها ودعمها وتوظيفها كأدوات في المواجهة مع إسرائيل وأمريكا.

 

في هذا الإطار، ظهرت توترات في العلاقة بين إيران وكُل من لبنان والعراق في شهري يوليو وأغسطس 2025م، بخصوص مُستقبل الأذرع المُرتبطة بطهران فيهما والجدل حول احتفاظ كُل من حزب الله وقوات الحشد الشعبي بالسلاح، وأن يكون السلاح حصرًا في يد الدولة. يظهر ذلك في تصريح على أكبر ولايتي مستشار المرشد الأعلى في 9 أغسطس بأن "الجمهورية الإسلامية بكُل تأكيد تُعارض نزع سلاح حزب الله لأنها ساعدت باستمرار الشعب اللبناني والمُقاومة". أثارت هذه التصريحات مُعارضة شديدة في لبنان، وأصدرت وزارة الخارجية بيانًا نددت فيه بالتدخل الإيراني في الشؤون الداخلية اللُبنانية والذي وصفته بـ "السافر وغير المقبول"، وفي بيان آخر أكدت أن هذه التصريحات بمثابة "عدم احترام لسيادة البلاد".

سارعت إيران بإرسال علي لاريجاني أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني للعراق ولبنان. فزار بغداد في 11 أغسطس، حيث قام بالتوقيع على مذكرة تفاهم أمنية مع الحكومة العراقية بهدف تعزيز التنسيق بشأن الحدود المشتركة، والتأكيد على أن "أمن المنطقة مبدأ استراتيجي مُشترك بين البلدين". وأعقبها في 13 أغسطس بزيارة إلى بيروت لتطويق الآثار السلبية لتصريحات ولايتي. والتقى فيها بالرؤساء الثلاث، عون وسلام وبري، واستمع من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء إلى رفض حاسم لأي تدخل إيراني في شؤون لُبنان، وعكست تصريحاته موقفًا مزدوجًا. فمن ناحية، أشار إلى أن إيران لا تتدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية، وأكد من ناحية أُخرى أن "المُقاومة هي دفاع عن مصالح لُبنان العليا"، وأن إيران تدعم الموقف الذي يتخذه حزب الله. وبمُجرد انتهاء زيارة لاريجاني للُبنان، خرج الشيخ نعيم قاسم الأمين العام لحزب الله بتصريحات تصعيدية ضد الحكومة اللُبنانية التي اتهمها بنفيذ المُخطط الأمريكي الإسرائيلي.  

 

ثالثًا: دروس الحرب وهل يستعد الطرفان لجولة قادمة؟

فيما يتعلق بمستقبل الصراع مع إسرائيل بخصوص برنامجها النووي، تؤكد إيران أن الهجوم الأمريكي / الإسرائيلي على مُفاعلاتها النووية لم يُحقق أهدافه، وأنها ما زالت تحتفظ بقدر كبير من قُدراتها النووية والصاروخية. وهو التقدير الذي أيده عدد من تقارير مراكز البحوث الأمريكية والإسرائيلية. تعتقد إيران أيضًا أن هدف إسرائيل من الحرب، كان أوسع من مجرد تدمير البرنامج النووي، وأن الجيش الإسرائيلي أحرز إنجازات تكتيكية كإلحاق أضرار بالبنى التحتية النووية والصاروخية الإيرانية لكنه لم يحقق هدف تدمير المشروع النووي بالكامل. ولم يؤدِ تدخله إلى تغيير النظام الإيراني أو إلحاق هزيمة ساحقة به.

ويعني كل ما تقدم، أن الصراع المسلح بين البلدين قد يتجدد في المستقبل. لا يبدو أن إيران تسعى إلى المبادرة بالحرب حاليًا، ولكنها تتخذ موقف الحذر من استهداف إسرائيلي محتمل في أي لحظة، فواصل الحرس الثوري تعزيز هياكله، وتحديث صواريخه وبُنى القيادة والاتصال بداخله، وقامت قيادة الجيش بالاستفادة من الخبرة العسكرية التي حصلت عليه خلال الحرب. وأصدر مجلس الشورى الإيراني (البرلمان) في 25 يونيو، قانونًا يعلّق التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتعليق زيارات مفتشي الوكالة. ووضعت شروطًا لعودة المفاوضات مع واشنطن ولكنها لم تُغلق كُل الأبواب، وعقد ممثلوها مفاوضات مع الترويكا الأوروبية. ويُمكن توصيف هذه الحالة بمرحلة "اللا حرب واللا سلم".

تسارعت الأحداث في أغسطس 2025م، باحتمال اقتراب مواجهة جديدة بين إسرائيل وإيران. ففي 3 أغسطس، صدر بيان من المجلس الأعلى للأمن القومي بإيران، برئاسة المرشد الإيراني، قضى بإنشاء "مجلس الدفاع الوطني" برئاسة رئيس الجمهورية، ويتكون من قادة أفرع القوات المُسلحة، وعدد من الوزراء المعنيين. وتحددت اختصاصاته في تعزيز القُدرات العسكرية للبلاد بشكل مركزي ومُنظم، وتحديث الخُطط الدفاعية، وتنسيق الاستراتيجيات العسكرية والعمليات والخدمات اللوجستية بين فروع القوات المسلحة.

وفي اليوم التالي، صرح القائد العام للجيش بأن التهديدات الإسرائيلية ضد بلاده ما زالت قائمة، وأنه "لا ينبغي الاستهانة بها". وأشارت تعليقات في الإعلام الحكومي بإيران إلى أن إنشاء هذا المجلس يُمثل خطوة ضرورية في حالة نشوب حرب جديدة لأن أمريكا وإسرائيل ما زالتا مصممتين على أهدافهما ضد إيران. وأكد قادة الحرس الثوري على أن رد إيران على أي اعتداء إسرائيلي قادم سوف يكون في غضون ساعات معدودة وليس أيام، وأن إيران سوف تحقق "الردع من خلال التفوق". ويُفيد ما تقدم، أن الإعلان عن هذا المجلس تقنينًا لاحد الدروس المستفادة من الحرب والتي أشرت لها آنفًا، فهو يمثل إعادة هيكلة لأنظمة القيادة والاتصال التي واجهت امتحانًا صعبًا في حرب يونيو.

وجاء الرد الإسرائيلي في 12 أغسطس بالإعلان عن تنفيذ مناورات عسكرية تضمنت محاكاة لهجوم إيراني مُحتمل، وترافق ذلك مع تصريحات لوزير الدفاع، يسرائيل كاتس، بأن بلاده تستعد "لعُرس دم" جديد مع طهران. وأضافت بعض المصادر الإعلامية أن إسرائيل سوف تسعى لاستهداف المُرشد الأعلى في حالة حدوث مواجهة قادمة.

ووجه رئيس الوزراء نتنياهو رسالة متلفزة للشعب الإيراني باللغة الإنجليزية في 12 أغسطس يحرضهم فيها على "الثورة من أجل الحُرية"، فأشار إلى أزمة الماء والكهرباء التي يُعاني منها الشعب وحرضهم على النضال من أجل الحُرية، مُخاطبهم بتعبير "يا أبناء كورش الكبير"، وذلك إشارة إلى الإمبراطور كورش (559-552 قبل الميلاد) الذي سمح لليهود بالخروج من الأسر البابلي والذهاب إلى القُدس.

هناك دروس عسكرية وسياسية عديدة ربما يكون أهمها أن إيران خرجت من حرب يونيو 2025م، بضرورة تطوير نُظمها النووية والصاروخية بما يضمن قُدرتها على مواجهة هجوم إسرائيلي أو قيامها بشن عملية عسكرية استباقية، جنبًا إلى جنب مع تأمين الجبهة الداخلية من أنشطة الجواسيس والعُملاء حفاظًا على أمنها وتماسُك جبهتها الداخلية، وإدارة علاقاتها الإقليمية بما يُوجِد البيئة المُحبذة لتحقيق هذه الأهداف.

مقالات لنفس الكاتب