array(1) { [0]=> object(stdClass)#14313 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 213

استراتيجية خليجية موحدة تجمع بين القوة والدبلوماسية لضمان أمن واستقرار الخليج

الخميس، 28 آب/أغسطس 2025

حرب يونيو 2025م، بين إيران وإسرائيل، والتي عُرفت بـ "حرب الـ 12 يومًا"، تشكل علامة فارقة في مسار التوازنات الإقليمية في الشرق الأوسط. فهذه الحرب لم تكن مجرد نزاع محدود بين خصمين تقليديين، بل كانت صدى لتراكمات سياسية وعسكرية ممتدة منذ عقود. ووسط ساحة إقليمية مشحونة، لعبت دول مجلس التعاون الخليجي دور المتأثر والمراقب في آنٍ واحد، حيث انعكست هذه المواجهة على أمنها، واستراتيجياتها الدفاعية، ومكانتها ضمن النظام الإقليمي.

أولًا: منطلقات الحرب ونتائجها وتداعياتها الخليجية

1 ـــ الجذور السياسية والعسكرية للنزاع

بدأت الحرب في 13 يونيو 2025م، عندما شنت إسرائيل هجومًا جويًا موسعًا على منشآت نووية وعسكرية إيرانية، تحت اسم "الأسد الصاعد"، شمل مواقع في فوردو ونطنز وأصفهان. لم تكن هذه الخطوة وليدة اللحظة، بل جاءت بعد تصاعد التوترات حول برنامج إيران النووي، الذي بلغ مستويات متقدمة من التخصيب (60%)، وسط اتهامات إسرائيلية متكررة لإيران بدعم تنظيمات مسلحة مثل حزب الله في لبنان وحماس في غزة.

في السياق نفسه، ساهمت الضغوط الإقليمية والدولية، إضافة إلى تحركات إيرانية عدائية في لبنان والعراق، في تسريع القرار الإسرائيلي بالقيام بضربة وقائية شاملة. وكان واضحًا أن إسرائيل أرادت توجيه رسالة رادعة مفادها أنها لن تسمح لإيران بالوصول إلى قدرات نووية عسكرية.

2ـ رد إيران ومجريات الحرب

إيران لم تصمت طويلًا، بل ردت بسلسلة من الضربات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي استهدفت العمق الإسرائيلي، بما في ذلك تل أبيب، حيفا، ومنشآت استراتيجية. غير أن دفاعات إسرائيل الجوية، لاسيما "القبة الحديدية" و"حيتس"، تصدت لمعظم هذه الهجمات، ما قلص من تأثير الرد الإيراني.

في اليوم التاسع من الحرب، تدخلت الولايات المتحدة عسكريًا، من خلال ضربات جوية محدودة على منشآت إيرانية مرتبطة بتطوير أجهزة الطرد المركزي، وهو ما ساهم في تسريع نهاية المواجهة دون تصعيد شامل.

3ــ النتائج العسكرية والاستراتيجية

أسفرت الحرب عن نتائج ميدانية حاسمة. فقد أدى الهجوم الإسرائيلي إلى تعطيل البرنامج النووي الإيراني بشكل شبه كامل، واغتيال عددًا من أبرز العلماء والقادة في الحرس الثوري. بالمقابل، أظهرت إيران أنها لا تزال قادرة على الرد، وإن بشكل محدود، من خلال ترسانتها الصاروخية والمسيرات.

عسكريًا، عززت إسرائيل من موقعها كقوة ردع متفوقة في المنطقة، مدعومة بحليفها الأمريكي، الذي حرص على عدم الانجرار إلى صراع مفتوح لكنه قدم دعمًا حاسمًا في اللحظة المناسبة. أما إيران، فقد خسرت موقعها التفاوضي، وواجهت عزلة دبلوماسية، حتى من شركاء تقليديين كروسيا والصين، اللتين اكتفيتا بالدعوة إلى التهدئة.

4ــ التداعيات المباشرة على دول الخليج

بالنسبة لدول الخليج، مثّل الصراع مصدر قلق جيوسياسي حقيقي:

أولًا، ارتفعت أسعار النفط بشكل حاد نتيجة المخاوف من تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، ما أدى إلى زيادة عوائد الخليج المالية، لكنها جاءت مصحوبة بقلق من تقلب الأسواق العالمية.

ثانيًا، برزت هشاشة الأمن الإقليمي، إذ ساد التوتر مع ورود أنباء عن تعرض قاعدة العديد الجوية في قطر لهجوم، رغم نفي طهران المتكرر نيتها استهداف الأراضي الخليجية. كما ثارت مخاوف من التلوث الإشعاعي في حال استهداف مفاعل بوشهر، وهو ما لم يحدث، لكنه كشف محدودية قدرة دول الخليج على إدارة الأزمات النووية.

ثالثًا، اتضح أن منظومات الدفاع الجوي في دول الخليج بحاجة لتحديث وتكامل، بعدما تبين أن إيران، رغم ترسانتها الضخمة، لم تتمكن من التصدي للطيران الإسرائيلي، وهو ما دفع العواصم الخليجية إلى التفكير الجاد في تعزيز أنظمتها الدفاعية، وبحث التعاون مع أطراف متعددة، بما يتجاوز المظلة الأمريكية التقليدية.

ثانيًا: الدروس المستفادة ومسارات التحصين الخليجي

1 ــ القوة الناعمة وحدها لا تكفي

كشفت الأزمة أن السياسات الخليجية التي راهنت على موازنة العلاقات مع إيران من خلال القنوات الدبلوماسية وحدها لم تكن كافية. فعلى سبيل المثال، رغم العلاقة الهادئة بين الدوحة وطهران، فإن قطر تعرضت لهجوم صاروخي غير مقصود -بحسب إيران-مما يرسخ الحاجة إلى امتلاك قدرة ردع حقيقية تتجاوز الحياد الدبلوماسي.

2ــ تطوير القدرات الدفاعية والردع المتكامل

أظهرت الحرب أن منظومات الدفاع الجوي الحديثة أصبحت ضرورة وليست رفاهية. نجاح إسرائيل في التصدي لصواريخ إيران سلط الضوء على أهمية امتلاك منظومات مثل "ثاد" و"باتريوت" وهي موجودة لكن غير كافية، بل وتطوير قدرات دفاع محلية تسهم في تقليل الاعتماد على الحلفاء الخارجيين.

3ــ الأمن السيبراني كساحة حرب موازية

أحد أبرز ملامح الحرب تمثل في الهجمات السيبرانية التي شنتها إسرائيل على الأنظمة المصرفية والبنية التحتية في إيران. هذا التطور يؤكد أن الأمن السيبراني أصبح جبهة قائمة بذاتها، ويجب على دول الخليج ضخ استثمارات ضخمة في هذا المجال، خاصة في ظل تزايد الاعتماد على البنى الرقمية في الخدمات الحيوية.

4ــ ضرورة إنشاء استراتيجية خليجية موحدة

الحرب سلطت الضوء على غياب موقف خليجي موحد في مواجهة التهديدات الكبرى. على الرغم من أن بعض العواصم تحركت دبلوماسيًا (كعمان وقطر)، فإن غياب تنسيق عسكري وأمني متكامل ترك المنطقة مكشوفة. وهو ما أعاد الحديث حول ضرورة تفعيل قوة "درع الجزيرة" وتأسيس غرف عمليات مشتركة للدفاع الجوي والبحري في شكل أكثر من الحالي.

5ـــ تحصين الجبهة الداخلية والمرونة الاقتصادية

الاستعداد الداخلي لمثل هذه الأزمات لا يقل أهمية عن الترتيبات العسكرية. يجب على دول الخليج تعزيز جاهزية الملاجئ، تطوير أنظمة الإنذار المبكر، وتحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي الغذائي والطبي، بما يضمن صمود المجتمع المدني في حال امتداد أي صراع إلى أراضيها.

ثالثًا: سيناريوهات السياسة الإيرانية ومستقبل العلاقات الخليجية

1ــ سيناريو التهدئة والانفتاح الدبلوماسي

بعد تلقيها ضربة قاسية، قد تسعى طهران إلى امتصاص آثار الهجوم عبر الانفتاح على جيرانها، خصوصًا إذا ما رافق ذلك ضغوطًا دولية لإعادة التفاوض على ملفها النووي. هناك مؤشرات إيجابية، مثل اعتذار الرئيس الإيراني لقطر، يمكن البناء عليها. وهنا تلعب الوساطة الخليجية، لاسيما من قطر وسلطنة عمان، دورًا محوريًا في إعادة إدماج إيران في النظام الإقليمي.

2ــــ سيناريو إعادة التموضع الاستراتيجي

من المرجح أن تعيد إيران بناء قدراتها النووية والصاروخية، لكن بوتيرة أبطأ ووفق قيود دولية. كما أن فشل حلفائها الإقليميين -مثل الحوثيين وحزب الله-في إحداث تأثير خلال الحرب قد يدفعها إلى تقليص اعتمادها على الوكلاء، والتركيز أكثر على ترميم الداخل الإيراني، بعد فقدان قيادات علمية وعسكرية مؤثرة.

3ــ سيناريو التصعيد غير المباشر

رغم انتهاء الحرب، لا يُستبعد أن تلجأ إيران إلى أدوات أخرى لإبقاء الضغط على خصومها، مثل تكثيف العمليات السيبرانية، أو تهديد الملاحة في مضيق هرمز. هذا السيناريو يشكل تهديدًا مباشرًا للخليج، ويعني أن زمن المواجهة التقليدية قد يفسح المجال لنزاعات من نوع جديد.

استشراف العلاقات الإيرانية – الخليجية: فرص وتحديات

تواجه العلاقات الخليجية-الإيرانية تحديًا مزدوجًا: الرغبة في تخفيف التوترات من جهة، والقلق الدائم من تدخلات إيران الإقليمية من جهة أخرى. على المدى القصير، يتوقع أن يستمر التوتر، لكن على المدى المتوسط والطويل، قد تتوفر نافذة للتقارب إذا نجحت طهران في إظهار التزام حقيقي بعدم التدخل في الشؤون العربية، وبتقديم بوادر حسن نية في ملفات الأمن البحري والطاقة والتبادل التجاري.

غير أن مستقبل هذا المسار مرهون بسلوك إيران، ومدى استعدادها لتعديل استراتيجيتها الإقليمية. فطالما ظلت تعتمد على الوكلاء المسلحين كأداة نفوذ، ستظل الثقة الخليجية محدودة. وحتى مع تراجع الدعم العسكري، فإن إعادة بناء العلاقات تتطلب حوارًا مؤسسيًا تدعمه أطراف دولية ضامنة كما حدث في اتفاقية بكين 2023م، ويقوم على احترام السيادة والتكامل الاقتصادي لا على التهديدات والتوازنات الهشة.

خاتمة: الخليج أمام اختبار التحول الاستراتيجي

أثبتت حرب الـ 12 يومًا أنها ليست مجرد حلقة عابرة في سلسلة النزاعات الإقليمية، بل إنّها لحظة اختبار لقدرة الخليج على إدارة أمنه، وتحديد موقعه في المعادلة الاستراتيجية الجديدة. بين إسرائيل التي أثبتت تفوقها، وإيران التي تسعى للانتقام وإعادة البناء، تقف دول الخليج في مفترق طرق يتطلب وضوحًا في الرؤية، وجرأة في التحرك.

إنّ تطوير الدفاعات، والتحصين السيبراني، والسياسة الحيادية النشطة، تمثل ثلاث ركائز لا بديل عنها، في ظل بيئة إقليمية متغيرة وتحالفات دولية غير مستقرة. لكن فوق كل ذلك، تبقى الحاجة إلى استراتيجية خليجية موحدة، تتجاوز الفروقات، وتجمع بين القوة والدبلوماسية، هي الشرط الأساسي لضمان أمن واستقرار الخليج في السنوات القادمة.

مقالات لنفس الكاتب