ما أن وضعت الحرب الإسرائيلية / الإيرانية أوزارها حتى أعلنت كافة الأطراف المنخرطة فيها؛ أي إسرائيل وأمريكا وإيران الانتصار في وقت متزامن تقريبًا، إسرائيل أعلنت الانتصار من ساحة رابين، وإيران أعلنت الانتصار من ساحة الثورة، أما أمريكا فأعلن البيت الأبيض نجاح مهمة تدمير المنشآت النووية الثلاثة، بدا الأمر وكأن ثمة اتفاق مسبق بين الأطراف على وضع هذه النهاية المثيرة للجدل لهذه الحرب، وهنا لا نستدعى نظرية المؤامرة، بل استناداً إلى أن كل الأطراف في هذه الحرب لم تكن ترغب أو تريد إطالة أمدها، إسرائيل لا تريد الدخول في حرب استنزاف يتعرض فيها الداخل الإسرائيلي لمزيد من الضربات الصاروخية الإيرانية، كما أن إيران أبدت نيتها التوقف عن مهاجمة إسرائيل بالصواريخ إذا ما أوقفت إسرائيل هجماتها الجوية، أما أمريكا فقد اكتفت بإثبات جدية سياستها الخارجية التي تجمع بين الدبلوماسية والقوة وتحقيق السلام.
يعالج هذا المقال تداعيات هذه الحرب على إسرائيل واستعراض مكاسبها وخسائرها وتأثير ذلك على الرأي العام والمشهد السياسي وانعكاسه على الحكومة الحالية والانتخابات المقبلة؛ ثم قراءة الدور الإسرائيلي الإقليمي وحدوده وآفاق تطوره في المستقبل، وأخيرًا التطرق لسيناريوهات المستقبل وكيف يمكن للدول العربية أن تواجه الطموحات الإسرائيلية استنادًا على دروس هذه الحرب وما انتهت إليه من نتائج ودلالات على الصعيد الاستراتيجي وتوازن القوى الإقليمي.
1-العدوان الإسرائيلي بين الإنجازات والإخفاقات:
بدأت إسرائيل عدوانها على إيران المعد له من زمن قبل الهجوم بما يفوق السنوات العشر، وضمنت تأييد أمريكا للعدوان وأهدافه سياسيًا ولوجيستيًا، كانت واشنطن على علم بخطة العدوان والهجوم وأيدته من البداية، وعندما أعلن وزير الخارجية الأمريكية "مارك روبيو" أن إسرائيل شنت الهجوم على إيران بطريقة أحادية، رد عليه ترامب في اليوم التالى: "كنت أعلم بالخطة وأؤيد إسرائيل".
حدد 120 مسؤول من الاستخبارات الإسرائيلية والجيش وسلاح الطيران الإسرائيلي قبل العدوان قائمة بـ 250 هدف إيراني من بينهم العلماء والمواقع النووية ومنصات الصواريخ والقادة العسكريين، وتمكن جهاز الموساد من تمرير القطع اللازمة لتركيب طيارات الدرونز المزودة بالمتفجرات بسرية تامة، إلى الداخل الإيراني، ثم شنت إسرائيل عدوانها بالضربة الأولى التي استهدفت شل القيادة ومراكز التحكم والسيطرة باغتيال القادة العسكريين والعلماء النوويين ومراكز الاتصال والقيادة لإرباك القيادة وشل رد الفعل والتصعيد.
غير أن النشوة الإسرائيلية بنتائج الموجة الأولى للعدوان لم تلبث أن تبددت، باستعادة إيران القدرة على الهجوم المضاد وترميم سلاسل القيادة والسيطرة بتعيين قادة جدد، ولم يستغرق هذا الأمر سوى بضع ساعات حيث بدأ الهجوم الإيراني الصاروخي مساء الثالث عشر من يونيو، وهكذا ترافقت السيطرة الجوية الإسرائيلية على سماء إيران مع موجات الهجوم الصاروخي الإيراني منذ أول أيام العدوان؛ اثنان وعشرون موجة صاروخية طالت العمق الإسرائيلي، منشآت حيوية ومراكز لوجيستية وعسكرية وقواعد ومصافى نفط في حيفا وتل أبيب وبئر السبع، واستمرت هذه الموجات حتى إعلان وقف إطلاق النار من البيت الأبيض في الرابع والعشرين من يونيو عام 2025م،، كان آخرها الصاروخ الذى سقط في بئر السبع وراح ضحيته خمسة قتلى إسرائيليين، والمفارقة أنه في اليوم الذى احتفل فيه نتنياهو بالنصر في ميدان رابين ترافق مع قتل سبعة جنود في خان يونس على أيدى المقاومة الفلسطينية، وهو ما خيم على إدعاء النصر وأفسد فرحة نتنياهو .
تعرضت إسرائيل خلال حرب الاثني عشر يومًا، لضربات صاروخية موجهة بدقة غير مسبوقة في تاريخ الصراع العربي / الإسرائيلي، والذى كانت تحرص فيه إسرائيل على الحرب الخاطفة ونقل المعركة إلى أراضي الخصم بعيدًا عن العمق الإسرائيلي، طالت الضربات الصاروخية معهد وايزمان وهو مؤسسة علمية عسكرية وقواعد ومنشآت عسكرية ومراكز سيطرة وقواعد جوية، بلغت حصيلة القتلى الإسرائيليين 30 قتيلا بينهم 5 في بئر السبع وعدد من الجرحى والمصابين يتراوح عددهم بين 3200، 3400 جريح من بينهم ثلاثة فارقوا الحياة.
وبالإضافة إلى ذلك فإن ما يقرب من 11.070 ألف بين مستوطن وإسرائيلي تركوا منازلهم وقامت الحكومة بإيوائهم لترميم منازلهم، أو بنائها وفق الأضرار التي لحقت بها، في 97 موقع استقبال في مختلف أنحاء إسرائيل، وبضعة آلاف من الإسرائيليين يقيمون في الفنادق دون أفق واضح للعودة، من ناحية أخرى بلغ عدد طلبات التعويض الرسمية في إسرائيل أكثر من 40 ألف طلب وهذا مؤشر على الصدمة النفسية والاجتماعية.
عرف الإسرائيليون خلال هذه الحرب الطريق إلى الملاجئ باعتبارها الملاذ الوحيد للأمان من الهجمات الصاروخية الإيرانية، بعد اكتشاف قدرة هذه الهجمات على تجاوز شبكات الدفاع الجوية الإسرائيلية المتعددة الطبقات؛ القبة الحديدة-أرو جيتس-ثاد...إلخ حيث لم تتمكن هذه الشبكات من صد كافة الصواريخ الإيرانية بل تسلل العديد منها صوب أهدافه في حيفا وتل أبيب وبئر السبع.
كذلك كشفت الحرب عن هشاشة البنية الداخلية الإسرائيلية وعدم توفر الملاجئ بشكل كاف وارتفاع معدلات النزوح ونقص الحماية المدنية، وبقاء عشرات الآلاف من الإسرائيليين بالخارج بسبب إغلاق المجال الجوي الإسرائيلي.
الرواية الإسرائيلية الرسمية تركز على أن إسرائيل في هذه الحرب حققت إنجازين رئيسيين: أولهما ضرب المنشآت النووية الإيرانية وتعويق عملها لمدة بضع سنين، وثانيهما ضرب قدرات إيران الصاروخية الباليستية بنسبة تتراوح بين 50%، 60%، ووفق هذه الرواية الرسمية وبالإضافة إلى تخلص إسرائيل من الخطر الإيراني المزدوج النووي والباليستى، فإن إسرائيل قد أضعفت قدرة إيران على تمويل أذرعتها في لبنان والعراق واليمن.
وهذه النتائج وفق الرواية الإسرائيلية لا تبدو قاطعة أو حاسمة؛ ذلك أن أغلب التقارير الاستخباراتية من أجهزة المخابرات الغربية أو الأمريكية تشكك في صحة هذه النتائج، وتذهب إلى أن الضربات الإسرائيلية أو الأمريكية لم تقضي تمامًا على مشروع إيران النووي، وإلا فلماذا الإصرار الغربي على ضرورة استئناف التفاوض، لو لم يكن لإيران ما يمكن التفاوض عليه، في إشارة إلى كمية اليورانيوم المخصب التي لا يعرف مكانها أحد حتى الوكالة الدولية للطاقة النووية، والمعروف والمتداول الآن هو أن إيران نقلت الـ 400 كيلو من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% إلى مكان غير معلوم، وهى الكمية التي يقدر الخبراء أنها تكفي لصنع قنابل ذرية بفعالية أقل من اليورانيوم المخصب إلى نسبة 90%.
ويشير الخبراء كذلك إلى أن قدرة إيران الصاروخية وإن نقصت مقارنة بما قبل الحرب؛ إلا أنها لا تزال تحتفظ بعدد كبير من الصواريخ يقدر بعدة آلاف وأنها قادرة على استئناف إنتاج هذه الصواريخ لأنها مصنعة محليًا.
المكاسب الإسرائيلية من وجهة النظر الرسمية، تبدو حتى الآن في رحم الغيب، ولا يمكن التأكد منها إلا في وقت متأخر عندما تتم التسوية ويتم التفاوض، حينئذ قد تتأكد بعض هذه النتائج على ضوء ما تسفر عنه المواقف التفاوضية وقبول أو رفض الشروط الغربية / الأمريكية / الإسرائيلية، أما الآن فإن إيران ما تزال ترفض الشروط الغربية وتنوى الاحتفاظ بقدرتها على تخصيب اليورانيوم للبرنامج السلمى، كما أنها أيضًا تحتفظ بفرصة "الغموض" الذى يلف نتائج الضربات الأمريكية الإسرائيلية وغياب الرقابة، وبمقدورها كما قال بلينيكن وزير الخارجية الأمريكية السابق " هجوم ترامب على المنشآت النووية الإيرانية يخاطر باستعجال حصول إيران على القنبلة النووية وهو الأمر الذى نريد أن نتجنبه، وفق صحيفة نيويورك تايمز.
أما فيما يتعلق بشعبية نتنياهو "فإنه أصبح لدى المعارضة ولدى العديد من الإسرائيليين شخصية بطولية، قادر على دعم أمن إسرائيل واتخاذ القرارات الصعبة فيما يتعلق بإيران والهجوم عليها أو وقف الحرب، وقبول وقف إطلاق النار، حتى بعض الوجوه اليسارية المعروفة مثل "جدعون ليفي" أبدى إعجابه بشخصية نتنياهو، الذي نجح في شيطنة. إيران "وجعلها العدو الأول لإسرائيل واعتبارها تهديد وجودي لها، وبطبيعة الحال يبحث عن جبهة جديدة يحرز فيها انتصارًا ما يعوض به فشله في غزة جزئيًا أو كليًا، لم يتورع ترامب من التدخل لصالح وقف محاكمته واعتباره مقاتلًا عظيمًا، الرأي العام تعاطف مع نتنياهو خاصة مع نجاح الموجة الأولى للعدوان ولكنه مع الرد الإيراني بدأ يدرك مخاطر القرار وتداعياته وأصبح الخطر ماثلًا في الداخل الإسرائيلي.
التعاطف مع نتنياهو تم ترجمته في استطلاعات الرأي العام التي جرت بعد الحرب، واستعاد فيها نتنياهو وحزبه الصعود بعد تراجع، وأظهر الاستطلاع الذى جرى يوم 24 يونيو يوم وقف إطلاق النار، ارتفاعًا طفيفًا في شعبيته لكن لم يحصل على الأغلبية التي تسمح للائتلاف الحاكم بتشكيل الحكومة، حيث حصل ائتلافه على49 مقعدًا وحصلت المعارضة على 61 مقعدًا، أما الليكود فقد حصل على 26 مقعدًا بزيادة 4 مقاعد عما قبل الحرب، وحصل "بينيت" المنافس على 24 مقعدًا، وحزب اليسار الديموقراطي على 12 مقعدًا وحصل حزب لأبيد وشاس وإسرائيل بيتنا على 9 مقاعد لكل منهما في حين أن حزب الصهيونية الدينية فشل في الحصول على نسبة الحسم للتمثيل في الكنيست.
شعر نتنياهو بخيبة الأمل حيث كان يتوقع نسبة أفضل، واعتبرت هذه النتيجة قيدًا على إجراء انتخابات مبكرة بديلة لانتخابات 2026م، والتي من المحتمل أن تفوز بها المعارضة، وبعد نتائج هذا الاستطلاع، توقفت الأصوات والأطراف في تكتل الليكود عن المطالبة بإجراء انتخابات مبكرة واستمرار الحكومة الحالية رغم انسحاب بعض الأحزاب منها.
في أغلب الأحوال وأغلب الظن أن الليكود وحلفاءه في الحكومة الحالية لن يعاد انتخابهم في انتخابات الكنيست 2026م، لأسباب عديدة منها الإخفاق في مواجهة 7 أكتوبر أمنيًا واستخباراتيًا، وتحمل نتنياهو والحكومة مسؤولية هذا الإخفاق ثم الحرب المتواصلة في غزة والتي لم يعد لها هدف سوى القتل والتدمير وغياب الهدف السياسي للحرب وعدم تحقق النصر الموعود، بالإضافة إلى الاتهامات بحق رئيس الحكومة ولم يحصل حتى الآن على العفو المطلوب أو الحصانة برغم التدخل الأمريكي، وكذلك فإن احتمال الحرب مع إيران قائم حتى اللحظة وبالذات مع تكشف طبيعة الأضرار التي لحقت بالمشروع النووي الإيراني والتي يمكن إصلاحها في غضون أشهر، الترقب والبحث عن الأمن هي الهواجس التي تسيطر على الناخب الإسرائيلي ولن يستطيع نتنياهو احتواء هذه الهواجس بسياساته الراهنة، المشكلة هي أنه قد لا يمكن التعويل على شخص رئيس الوزارة الذى ستتأتى به الانتخابات للمفاوضات والتسوية ذلك أن السقف الذى وضعه اليمين الديني والقومي المتطرف من الصعب تجاوزه.
2-العدوان الإسرائيلي: مقدمة لحروب مقبلة أم نهاية:
الحرب الإسرائيلية / الإيرانية الأولى، ما تزال مفتوحة على كل الاحتمالات؛ لأن نتائجها ليست حاسمة، وتفتح الباب لحرب أخرى قد تكون قريبة، تصريحات نتنياهو ووزير دفاعه حول معاودة ضرب إيران في حال استئنافها لمشروعها النووي يذهب في هذا الاتجاه، وتصريحات ترامب حول هذه المسألة تعزز من هذا الاحتمال.
ومع ذلك فإن هذه الحرب أسفرت عن نتائج تؤخذ في الحسبان عندما يتعلق الأمر باليد الطولى لإسرائيل وقدرتها على شن الحروب وهذه النتائج تعزز التحسب الإسرائيلي إزاء إمكانية استئناف الحروب، أول هذه النتائج هي اكتشاف إسرائيل حدود قوتها وقصورها منفردة عن تحقيق الأهداف التي تنشدها في تدمير البرنامج النووي والقدرة الصاروخية الإيرانية وإضعاف قدرة إيران على تمويل أذرعها، حيث ظهرت حاجة إسرائيل الملحة لأمريكا، للمساعدة وهو الأمر الذى يعني تبعية إسرائيل الاستراتيجية والعسكرية والسياسية لواشنطن وغياب الاستقلال الاستراتيجي وفقدان القدرة على اتخاذ وصنع القرارات الاستراتيجية، وهو الأمر الذى كانت تفتخر به إسرائيل في وقت سابق، وبطبيعة الحال فإن ذلك قد لا يمثل مشكلة في الظروف الراهنة التي تضمن فيها أمريكا ليس فحسب تفوق إسرائيل على جيرانها عسكريًا وتكنولوجيًا وضمان انتصارها في الحروب التي تشنها بل أيضًا في التطابق بين أهداف إسرائيل وأهداف واشنطن في المنطقة، إلا أنه من ناحية أخرى فإن إدارة ترامب تواجه معضلة فيما يتعلق بهذا الأمر تتمثل في التزام ترامب بوعوده عدم التورط في حروب في المنطقة لناخبي اليمين والحرص على أن يكون تدخل الولايات المتحدة في مثل هذه الحروب سريعًا وحاسمًا وناجزًا على غرار ضربة "مطرقة منتصف الليل" على المنشآت النووية، وهذا الأمر في حال التزام إدارة ترامب به" قد يمثل كابحًا لإسرائيل.
ثاني هذه النتائج تتمثل في امتداد الحرب للداخل الإسرائيلي وظهور مشاهد الدمار في العمق الإسرائيلي على غرار المشاهد التي تخلقها الضربات الإسرائيلية في بيروت وغزة واليمن وإيران، وكشفت هذه المشاهد عن قدرة إيران على إيذاء إسرائيل وصعوبة كسب الحرب ضدها من خلال الطيران أو الجواسيس؛ لأن الحرب تدار عن بعد إن من إسرائيل أو من إيران بسلاح الجو أو بسلاح الصواريخ وهو ما يجعل من الانتصار بعيد المنال.
الحرب أسفرت عن توازن نسبى في القوى الإقليمية، وإن كان يميل هذا التوازن لصالح إسرائيل بدرجة ما، بسبب الدعم الأمريكي والتكنولوجيا المتفوقة، هذا التوازن الإقليمي من شأنه أن يكبح الأطراف وبالذات الجانب الإسرائيلي عن تحقيق طموحاته الافتراضية يعزز ذلك أن حديث إسرائيل المتكرر عن تغيير الشرق الأوسط منذ اغتيال نصر الله والحرب على حزب الله ولبنان، ما يزال بعيد المنال؛ فالمقاومة في غزة لم ترفع الراية البيضاء، وتقوم حتى الآن بعمليات نوعية محكمة من وحى حرب العصابات والتكتيكات الجديدة، كما أن سلاح حزب الله لم ينزع بعد ويرتبط رسميًا ولبنانيًا بانسحاب إسرائيل من المواقع الخمسة التي تحتلها، وأن إيذاء إيران بالعدوان الإسرائيلي والأمريكي قد أفضى إلى إظهار قدرة إيران على إيذاء إسرائيل، بل ولم تقبل إسرائيل بوقف إطلاق النار إلا عندما تبينت قدرة إيران على إلحاق الضرر والخسائر في العمق الإسرائيلي، حاولت إسرائيل استنساخ حربها ضد حزب الله في عدوانها على طهران وإيران، إلا أن ذلك قد اصطدم بواقع الفارق بين مواجهة ميليشيا حتى ولو كانت بخبرة حزب الله، ومواجهة دولة بحجم إيران ديموجرافيًا وجغرافيًا وتاريخيًا وعسكريًا والتي يمكن بحكم هذه المكونات امتصاص الضربة الأولى رغم أنها مؤلمة وهكذا فعلت إيران.
انتقل التحالف الأمريكي / الإسرائيلي مؤخرًا من ضمان أمريكا لتفوق إسرائيل على الدول المجاورة وضمان أمنها إلى التطابق في الأهداف في المنطقة، أي تغيير معادلات الشرق الأوسط لصالح إسرائيل والحليف الأمريكي؛ إلا أن الجموح الإسرائيلي يتجاوز هذا السقف بكثير.
لهذه الظروف مجتمعة سواء تعلقت بالتوازن الإقليمي الذى أسفرت عنه حرب الأيام الاثني عشر أو حدود التحالف الأمريكي / الإسرائيلي وحدود استمرار التوافق في الأهداف أو تعثر محاولات تغيير الشرق الأوسط أو الوضع الداخلي في إسرائيل واحتمال إزاحة نتنياهو في الانتخابات المقبلة، من المحتمل أن تقيد هذه العوامل قدرة إسرائيل على شن الحروب، ومع ذلك فإن إغراء القوة وفائض القوة الذى تحظى به إسرائيل بسبب التحالفات الغربية والرؤى الأيديولوجية الحاكمة من الصعب التنبؤ بحدود استثمارها لهذه الأوراق، خاصة مع الأخذ في الاعتبار أن الكيان الإسرائيلي مشبع بثقافة العنف والعسكرة التي تطال المجتمع الإسرائيلي بأسره.
3-نظرة إلى المستقبل ومواجهة الطموحات الإسرائيلية:
كشفت حرب الاثني عشر يومًا عن حدود القوة الإسرائيلية وتعثر منظومة الردع والحصانة المتمثلة في الشبكات الدفاعية الجوية متعددة الطبقات والأنظمة وكذلك هشاشة البنية الداخلية الإسرائيلية، وقد لا يعنى ذلك بالضرورة الاستعداد لمواجهة عسكرية لإسرائيل، بل يعني في المقام الأول الاشتباك الإيجابي والشجاع سياسيًا مع طموحاتها على خلفية استبطان هذا الضعف والهشاشة الإسرائيلية والتمسك بالمطالب العربية ورفض الهيمنة الإسرائيلية، ولن يأتي ذلك إلا في ضوء تملك العالم العربي القدرة على تحييد القوة الإسرائيلية من خلال امتلاك نظم للردع الدفاعي الجوي والتكنولوجي، وتحصين الجبهات الداخلية ضد التجسس والاختراق، وتعزيز شبكات المعلومات والبنية السيبرانية والذكاء الاصطناعي، حيث رأينا في حرب الاثني عشر يومًا كيف تمثل ما يسمى "بالجيوش المستوطنة" في الداخل الإيراني من شبكات العملاء والجواسيس والمعلومات قوات رديفة للعدوان ساهمت في توجيه الضربات الجوية وإرشاد القوات إلى مراكز التحكم والسيطرة والتوجيه.
وهذا الأمر يتطلب تحديث الجيوش الوطنية ودعمها بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والانتباه إلى أهمية الطائرات المسيرة وبناء نظم دفاع جوية متطورة.
كما أن تحديث الدولة الوطنية والعمل على بناء نسخة جديدة من الدولة الوطنية تقوم على المواطنة والمساواة وحسن توزيع الموارد بين فئات الشعب وتحقيق الكرامة والمواطنة المتساوية لجميع المواطنين.
بالإضافة إلى ذلك ضرورة تفعيل بناء التحالفات إن على الصعيد الإقليمي أو الدولي وتحقيق شراكات استراتيجية متكاملة وهذا الأمر أحد أهم دروس الحرب بين إسرائيل وإيران، حيث وجدت إيران نفسها وحيدة في مواجهة العدوان الإسرائيلي الأمريكي، ولم يقدم لها العون أية دولة بما فيها روسيا والصين اللذان يرتبطان بها بمعاهدات تعاون وصداقة.
في الحالة الإسرائيلية كان هذا التحالف داعمًا لها أي التحالفات الدولية المؤيدة لإسرائيل؛ حيث كانت التصريحات الصادرة من لندن وباريس وألمانيا وواشنطن وكأنها تتحدث بلسان حال إسرائيل، وساهمت هذه التصريحات في الحرب النفسية على إيران وتدعيم عزلتها الدولية.
حجر الزاوية في أية استراتيجية عربية لمواجهة التوسع الإسرائيلي وفرض الهيمنة يتمثل في عدم الرهان على الخلافات الأمريكية / الإسرائيلية ذلك أن هذا التحالف يتأسس على رؤى أيديولوجية وتوراتية وسياسية واستراتيجية راسخة الجذور، وفى مقابل ذلك التعويل من ناحية على الجهود الذاتية والقوة الذاتية والقدرة على الاشتباك السياسي والقانوني وتوفر الإرادة على امتلاك العلم والتكنولوجيا والتنظيم والحداثة السياسية، وامتلاك أفق لرؤية المطالب العربية في عالم يتغير بمعدلات متسارعة، وكذلك التعويل على تفعيل التحالفات الإقليمية والدولية وتعزيز الرواية العربية بكل السبل والوسائل،المعلومات، الوقائع، التصريحات، وغيرها من وسائل الإقناع.
ربما تكون أهم نتيجة للحرب الإسرائيلية / الإيرانية أنها قد وضعت حجر الأساس في إنهاء الهيمنة الإقليمية لطرف واحد، إسرائيل أو إيران؛ بل أسفرت عن توازن إقليمي بمقدور الدول العربية خاصة مصر والمملكة العربية السعودية البناء عليه لرسم معالم مشروع عربي قابل للحياة.
من الصعب التنبؤ باحتمالات المستقبل، ولكن قد لا يمكن استبعاد سيناريو شن حرب ثانية ضد إيران، وفرض "المسار الإبراهيمي" أي حمل الدول العربية والخليجية وربما سوريا ولبنان على قبول عقد اتفاقات مشابهة أو نسخة طبق الأصل من الاتفاقيات السابقة، وأخيرًا وليس آخرا، إقدام إسرائيل بدعم من إدارة ترامب على تهجير الفلسطينيين إلى مصر والأردن بالقوة أو حشد الفلسطينيين، فيما يسمى "المدينة الإنسانية" وممارسة التجويع والحصار والإرهاب لحملهم على الرحيل.
في مواجهة الاحتمال الأول أي شن حرب ثانية ضد إيران، لابد للدول الخليجية أن تحدد موقفها بوضوح وأن مثل هذه الحرب تضر بالاستقرار الإقليمي وتهدد مسار التنمية والتحديث وأن نتائجها تضر بالدول الخليجية، باختصار أن تكون معارضة الدول الخليجية لمثل هذه الحرب لا شية فيها وإبلاغ واشنطن وكافة المنظمات الدولية بهذا الموقف وأن تسلك الدول الخليجية ذات المسلك إزاء الحرب الإسرائيلية الإيرانية الأولى، خاصة وأن إيران أثبتت في الحرب التي شنتها إسرائيل أنها فاعل عقلاني ورشيد بعكس الخطاب الأيديولوجي.
أما فيما يتعلق بالمسار الإبراهيمي، فلابد من استمرار ودعم الموقف الخليجي والسعودي الراهن أي ربط هذه الاتفاقيات بوجود مسار موثوق لإقامة الدولة الفلسطينية وتسوية الصراع على قاعدة حل الدولتين والإصرار على هذا الموقف ومقاومة الضغوط المفترض أن تمارس ضد هذا الربط.
أما فيما يتعلق بسيناريو التهجير القسري أو العرقي فإن هذا الأمر ينطوي على مضاعفات خطيرة ويعيد إنتاج النكبة الفلسطينية بصورة أكثر خطورة من ذي قبل، وهو بحاجة إلى منظومة من القرارات العربية ربما يجئ في مقدمتها وقف العمل باتفاقيات إبراهام أو أي اتفاقات أخرى مع إسرائيل حتى إشعار آخر وهذا يمثل قرارًا ضمن قرارات أخرى تواجه صانع القرار الوطني والعربي.






