array(1) { [0]=> object(stdClass)#14314 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 214

ثلاثة سيناريوهات تواجه الأردن: التهجير أو إدارة المدن الفلسطينية أو الوضع القائم

الثلاثاء، 30 أيلول/سبتمبر 2025

إن الجهود المباركة التي تقودها المملكة العربية السعودة وجمهورية فرنسا في الأمم المتحدة ستفضي إلى اعتراف الغالبية العظمى من دول العالم بدولة فلسطينية تعيش بسلام بجوار إسرائيل. ومن المؤكد أن الجمعية العامة للأمم المتحدة ستصدر بياناً بالاعتراف بدولة فلسطين كعضو فاعل وليس مجرد مراقب كما هو الحال الآن. ولكن مجلس الأمن لن يوافق على هذه العضوية مما سيجعل الموضوع معلقاً لفترة غير محدودة. أثناء ذلك، ستعمل إسرائيل على ضم أكبر مساحة ممكنة من أراضي الضفة الغربية بحيث يتعذر تكوين مساحة جغرافية متواصلة لتكون دولة قابلة للعيش. ومن جهة أخرى، فإن الفصائل الفلسطينية قد تدخل في صراعات حول الحكم والمستقبل والأيديولوجيا مما سيسهل المهمة الإسرائيلية وكل ذلك سيشكل تحديًا وجوديًا للأردن الدولة الملاصقة لكل من إسرائيل والأراضي الفلسطينية. فما هو المستقبل وما تأثيره على الأردن وما هي السيناريوهات المحتملة.

إن إسرائيل تعمل الآن وبتسارع شديد على ضم أجزاء من الضفة الغربية قد تصل إلى 82% من مجموع أراضي الضفة. لقد قسمت اتفاقية أوسلو الضفة الغربية إلى 3 مناطق هي ( أ )وتصل مساحتها إلى 60% من الأراضي وهي تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة وفيها المستوطنات اليهودية، والمنطقة (ب) وتشكل 22% وهي حسب اتفاق أوسلو تحت سيطرة مشتركة للحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية وأخيراً المنطقة (ج) وتشكل 18% من مساحة الضفة الغربية وهي تحت سيطرة السلطة الفلسطينية فقط. هذه المنطقة الأخيرة غير متواصلة وإنما هي مناطق التجمعات السكانية الفلسطينية في المدن الرئيسية مثل نابلس وجنين والخليل وأريحا وبيت لحم. تقوم السياسة الإسرائيلية على تحقيق هدفين متزامنين: أولاً حشر السكان الفلسطينيين في المدن الرئيسية ومنعهم من استغلال المناطق الريفية وحشرهم في مدن يمنع فيها تكوين مشاريع اقتصادية أو الحصول على استثمارات أو معونات بحيث تعم البطالة وتتقلص الخدمات. ثانياً إسقاط السلطة الوطنية الفلسطينية ومنعها من أن تتحول إلى دولة من خلال إثبات فشلها في إدارة شؤون الفلسطينيين في كل من الضفة الغربية وغزة.

في مقابلة جرت مؤخراً مع الدكتور مروان المعشر وزير الخارجية الأردنية الأسبق، بين أن إسرائيل تسعى لرسم أكثر من سيناريو، أحدهما أن يتم استبدال السلطة الفلسطينية بإدارة أردنية للمدن الرئيسية في الضفة الغربية ومحاولة إقناع العالم بذلك.

يبين الدكتور المعشر بأهمية عدم الاستهانة بالتوجهات الإسرائيلية. فالإسرائيليون من أفضل دول العالم في رسم السيناريوهات المفيدة لها وتسويقها إلى الجهات النافذة عالمياً، أما السيناريو الثاني فهو التهجير إلى الأردن. وهذا قد يكون أخطر التحديات التي تواجه الأردن وجودياً. ففي مقابلة مع الإعلامية الأردنية راية يعقوب بينت أن الأردن يواجه مجموعة من التحديات أخطرها التهجير.

بالإضافة إلى الجهود الإسرائيلية، فإن القيادات الفلسطينية، تحت ضغوط إسرائيلية وعالمية متعددة، أصبحت غير قادرة على التوافق وتشكيل سلطة جامعة قادرة على تمثيل كافة الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة. فلا المجلس الوطني قادر على الاجتماع لتكوين حكومة تمثل تآلفاً وتكاملاً لكافة التوجهات الفلسطينية، ولا حتى هناك إمكانية لانتخاب رئيس جديد أو مجلس وطني. وكذلك مقدرة السلطة الوطنية الحالية في تقديم الخدمات ضعيفة جداً مما يساهم في بلورة الموقف الإسرائيلي القائل بفشل السلطة الفلسطينية وضرورة إيجاد بديل.

إن مقدرات إسرائيل في تحديد وتشغيل مستقبل الضفة الغربية بشكل خاص ومنطقة الشرق الأوسط بشكل عام عالية جداً. فلديها أحدث الأسلحة المتوفرة عالمياً بما في ذلك الأسلحة النووية، ولديها قدرات استخبارية واسعة جداً. فقد استطاعت مؤخراً إطلاق قمر صناعي استخباري يراقب منطقة الشرق الأوسط كاملة. بالإضافة لكل ذلك فلديها الغطاء الدبلوماسي الذي توفره الولايات المتحدة لمنع إصدار قرارات دولية ملزمة تجبر إسرائيل على الالتزام بالحلول السلمية المقبولة عالمياً.

كل ذلك سيكون له أثره المباشر على الأردن وهذا الأثر للأسف سيكون سلبياً مهما كان السيناريو المحتمل. فما هي هذه السيناريوهات. هناك ثلاثة سيناريوهات ممكنة للمستقبل القريب، سيناريو التهجير، سيناريو إدارة المدن الفلسطينية وسيناريو الوضع القائم.

أما السيناريو الأول فيقوم على تهجير سكان الضفة الغربية إلى الأردن. والطريقة هي نقل أعداد كبيرة من السكان أو إجبارهم على الانتقال إلى وادي الأردن والتضييق عليهم هناك بالتجويع أو بالقتل ثم فتح الباب "للهجرة الطوعية". طبعاً الإعلام الغربي قد يساعد في ذلك، كما أن الحدود طويلة على طول وادي الأردن (حوالي 400 كم) مما سيعقد مراقبة الحدود من جهة الأردن وستنتعش عصابات تهريب البشر.

أما الطريقة الثانية للتهجير (وهي السيناريو الثاني) فهي حشر الفلسطينيين في المنطقة "أ" (حوالي 18% من أراضي الضفة الغربية) وهي مدن رئيسية كنابلس وجنين. إن إسرائيل تسعى لاحتلال الأرض ولا ترغب بوجود السكان. لذلك حشر السكان في المدن الرئيسية مع إفشال السلطة الوطنية الفلسطينية وإقناع العالم بأن الأردن هو الأقدر على إدارة هذه المدن فقد فعل ذلك سابقاً (1948-1967م).

طبعاً، حتى لو وافق الأردن على هذه المهمة، ستعمل إسرائيل على تعقيد عملها من خلال إثارة الفصائل الفلسطينية ضدها، والحكومة في الأردن تعي كل ذلك وستتمسك بالرفض القاطع، ولكن لا نعلم حجم الضغط الذي سيتكون وما هي نتائجه.

في نفس الوقت ستتحين الحكومة الإسرائيلية الفرص المثالية للهجوم على المدن الفلسطينية بغض النظر من يحكم فيها والهدف هو جلاء سكانها، وأغلب الاحتمالات ستكون إجبار السكان إلى التوجه شرقاً إلى الأردن.

إن هذا السيناريو سيكون الأخطر وجودياً على الدولة الأردنية، فمن خلال التهجير، سينخفض مستوى الاستقرار السياسي الذي عاشه الأردن لعقود طويلة رغم كل الصعوبات التي واجهته. فسيظهر التنافس الأيديولوجي وستزداد الاتهامات القائمة على الإشاعات سواء بالفشل السياسي أو الفساد أو غيرها. كذلك فإن الأردن بلد صغير ذات اقتصاد ضعيف فيه نسبة البطالة تصل إلى 21% وهذا أيضاً سيفاقم من مستوى المعيشة للجميع. والأخطر من كل ذلك، أن هكذا سيناريو سيضع الأردن في مجابهة عسكرية حقيقية مع دولة مارقة لا تعترف بأي قانون دولي، أو أي حرمات للمدنيين، أو منشآت اقتصادية، أو ثقافية، أو تعليمية.

أما السيناريو الثالث فهو بقاء الوضع القائم بالتضييق على الفلسطينيين في الضفة الغربية وازدياد هجمات المستوطنين على السكان والاعتداء عليهم تحت حماية قوات الاحتلال. كما ستزداد الاعتداءات على الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية كالمسجد الأقصى وكنيسة القيامة. والهدف سيكون استفزاز الأردن حيث إن هذه الأماكن المقدسة تقع ضمن الرعاية الهاشمية حسب اتفاقية السلام الأردنية الإسرائيلية. هذه الأفعال ستقابل بردود فعل متعددة قد تكون عنيفة وقد يتكرر سيناريو 7 أكتوبر 2023م، مما سيفسح المجال وبموافقة دولية على عملية احتلال جديدة كما هو الحال في غزة الآن.

هذا السيناريو، قد لا يزيد من إمكانات التهجير على المدى القصير، ولكن سيزيد من انشغال الأردن سياسياً واقتصادياً وأمنياً وإعلامياً مع هذا الملف، وذلك قد يزيد من الأعباء الملقاة على الدولة الأردنية لمجابهة المخاطر وتثبيت السكان في أراضيهم ومنع التهجير على المدى البعيد.

إذن من الواضح أن المخططات الإسرائيلية وضعف التكامل السياسي الفلسطيني يضع الأردن في مواجهة تحديات صعبة للغاية تتطلب استراتيجية شاملة تمنع تفاقم هذه التحديات وتحولها إلى عوامل ضعف وعدم استقرار. هذه الاستراتيجية يجب أن تقوم على عدة محددات للنجاح وهي: أولاً يجب التوقف عن الاستهانة بقدرات إسرائيل وأهدافها محلياً وإقليمياً والبدء بالنظر إلى الخطر الإسرائيلي من منظور واقعي يقوم على دراسة وافية لكل عوامل القوة والضعف لدى كل من الذات والخصم. إن لدى إسرائيل عاملي قوة حقيقية وهي القدرات العسكرية المتطورة والتكنولوجيا القادرة على التطوير المتواصل لهذه القوة، والعامل الثاني هو الغطاء السياسي الذي توفره الولايات المتحدة بغض النظر من في الحكم. أما عوامل الضعف فهي التهور السياسي وقبول اجتماعي بفكرة التفوق الإسرائيلي، مما يجعل إمكانية إدماجها في المنطقة صعبة للغاية. كما أن قبول إسرائيل عالمياً بدأ بالتراجع. كما أن العدد القليل من السكان (أقل من 10 ملايين نسمة) نسبة كبيرة منهم من يحمل جنسيات أخرى قد يعود إليها عند فقدان الثقة بالتفوق إقليمياً. بالمقابل هناك أعداد مساوية من الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة لا يرغبون بالهجرة تحت كل الظروف، كما أن التعاطف العربي مع الفلسطينيين في كل من الضفة الغربية وغزة في ازدياد.

الجزء الثاني من هذه الاستراتيجية تتطلب تكوين قوة عربية ذاتية لا تعتمد على الولايات المتحدة، التي تقدم للعرب أسلحة أقل من مفيدة في مجابهة أعدائها، وإنما تكون متنوعة المصادر، بالإضافة على التركيز على الاستثمار الحقيقي في تكنولوجيا السلاح وتصنيعها في العالم العربي. كما تتطلب الزيادة في التعاون العربي ونبذ الخلافات التي تؤججها جهات خارجية.

ثالثاً. إعادة بناء التكامل الاقتصادي العربي والعودة إلى الاتفاقات الجماعية على غرار الاتحاد الأوروبي بدلاً من الاتفاقات الثنائية التي لا تنجح على المدى البعيد.

أما بالنسبة للأردن، من الضروري دعم السلطة الفلسطينية ومساعدتها بأن تكون الجهة الوحيدة لإدارة شؤون الضفة الغربية وتبين بشكل واضح وجلي برفضها لأي دور في الضفة الغربية سواء على الأرض أو السكان. ونقل هذا الرفض إلى كافة دول العالم بحيث يكون واضحاً للجميع أن الأردن دولة مستقلة ذات سيادة على أراضيها فقط ولا ترغب بتوسيع سلطتها أو دورها خارج إطار حدودها. وكذلك على الحكومة في الأردن أن ترسم سياسة تقوم على إيجاد بدائل للمعونة الأمريكية المرتبطة كلياً برضى إسرائيل وسياساتها. من هذه البدائل جذب الاستثمارات العربية والأوروبية القائمة على تقديم الأردن كدولة فيها درجة عالية من الأمن والاستقرار أولاً ولديها كفاءات متعددة قادرة على إنجاح كافة أنواع المشاريع الاقتصادية.

إن الخطر الإسرائيلي على الأردن حقيقي وهناك مئات من الكتابات الإسرائيلية التي تقول بأن الدولة الفلسطينية يجب أن تكون في الأردن وتعمل على تسويق هذه الفكرة عالمياً، سواء في المحافل الأكاديمية أو السياسية أو الثقافية. ومن المرجح أن تستمر في محاولة تحقيق هذا الهدف.

ومن الخطأ اعتبار أن هذه سياسة يمينية قد تتغير بعد تغيير حكومي في إسرائيل. لقد أصبح هذا هدف يجمع عليه غالبية الإسرائيليين والصهاينة خارج إسرائيل والذين يروجون بقوة نحو تحقيق هذا الهدف.

مقالات لنفس الكاتب