array(1) { [0]=> object(stdClass)#14487 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 214

حل الدولتين ليس خيارًا يمكن تجاوزه أو تأجيله بل ضرورة استراتيجية يمليها الواقع ومتطلبات الاستقرار

الثلاثاء، 30 أيلول/سبتمبر 2025

يشهد الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي مرحلة غير مسبوقة من التصعيد والتعقيد في آن واحد، حيث تعمل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، ولا سيما اليمينية منها، على فرض وقائع ميدانية من خلال توسيع الاستيطان، ومصادرة الأراضي، وبناء الجدار العازل، وشق الطرق الالتفافية التي تفصل بين المدن والقرى الفلسطينية. هذه السياسات، التي تحظى بدعم مباشر أو غير مباشر من الولايات المتحدة، لا تمثل مجرد خطوات إجرائية، وإنما تعكس توجهاً استراتيجياً يرمي إلى إغلاق الباب أمام أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية ذات سيادة. في المقابل، تتسم الساحة الفلسطينية بانقسام داخلي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وهو ما يضعف الموقف التفاوضي ويعمّق من أزمة المشروع الوطني. وبين هذا وذاك، يعيش المجتمع الدولي حالة من التردد، إذ يدرك أهمية تسوية الصراع لكنه يفتقر إلى الإرادة أو الأدوات القادرة على فرض تسوية عادلة وملزمة. في هذا السياق الراهن، وما انتهى إليه مؤتمر نيويورك برئاسة المملكة العربية السعودية ودولة فرنسا في يوليو الماضي، وهو أن حل الدولتين هو السبيل الوحيد لتحقيق السلام، يظل حل الدولتين حاضراً باعتباره الخيار الأكثر واقعية وشرعية، لكنه يبدو في آن واحد أبعد ما يكون عن التحقق، وهو ما يطرح تساؤلات حول فرصه وتحدياته وأبعاده المختلفة وانعكاساته على أطرافه في ظل تطور الموقف الدولي وإعلان فرنسا وبريطانيا نيتهما الاعتراف بدولة فلسطين، كذلك دعم كل من إسبانيا وإيرلندا وكندا ومصر والإمارات والكويت وجنوب إفريقيا والبرتغال وسلوفينيا لحل الدولتين ووقف الحرب.  

فرص وتحديات الحل:

الحديث عن فرص وتحديات حل الدولتين يفرض قراءة مزدوجة. فمن ناحية، لا يزال هذا الحل يحظى بشرعية دولية واسعة، حيث تبنته الأمم المتحدة منذ عقود باعتباره الإطار الأكثر إنصافاً لإنهاء النزاع، إلى أن انتهت في مؤتمر نيويورك إلى أن الدولة الفلسطينية حق وليس مكافأة، وتدعمه أيضًا معظم دول الاتحاد الأوروبي فضلاً عن غالبية دول العالم. كما أن استمرار الصراع المفتوح دون أفق للتسوية يفتح الباب أمام انفجارات متكررة تهدد أمن المنطقة واستقرارها، ما يجعل من الدولتين خياراً ضرورياً ليس فقط للفلسطينيين والإسرائيليين، بل للمجتمع الدولي برمته. إضافة إلى ذلك، فإن فشل البدائل الأخرى، سواء الدولة الواحدة أو الوضع القائم، يعزز من جدوى هذا الحل رغم تعقيداته. غير أن التحديات لا تقل وزناً، إذ يقف الاستيطان عقبة ميدانية كبرى أمام إمكانية إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً، بينما يعاني الفلسطينيون من انقسام داخلي يحول دون صياغة رؤية موحدة. على الجانب الإسرائيلي، فإن صعود التيارات اليمينية والدينية المتشددة يجعل القبول بحل الدولتين أمراً بالغ الصعوبة على المستوى السياسي الداخلي. أما دولياً، فإن الانحياز الأمريكي لإسرائيل وفر لها حصانة في مواجهة أي ضغوط، بينما تبقى الخطوات الأوروبية، رغم أهميتها الرمزية، عاجزة عن إحداث تغيير ملموس في الميدان، خاصة في ظل تسريع إسرائيل مشروع الاستيطان وفرض السيادة على الضفة الغربية (الضم الفعلي)، مع استمرار الحرب المستمرة على غزة وشرعنة الولايات المتحدة الأمريكية للاستيطان.

انعكاسات حل الدولتين على الأطراف:

تتجلى أهمية حل الدولتين على مستويات متعددة. فلسطينياً، يمثل هذا الحل جوهر المشروع الوطني، فهو السبيل لإنهاء الاحتلال وإقامة دولة مستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967م، وعاصمتها القدس الشرقية. كذلك تحقيق هذا الهدف يعني استعادة الحق في تقرير المصير، وإنهاء عقود من المعاناة والتهجير، كما يتيح بناء مؤسسات دولة حديثة قادرة على توفير الخدمات لمواطنيها والانخراط في النظام الدولي كعضو كامل الحقوق. ومن الناحية الاقتصادية، فإن الدولة الفلسطينية تفتح آفاقاً واسعة للاستثمار الخارجي واستغلال الموارد الطبيعية، بما يعزز من استقلالية الاقتصاد الفلسطيني ويقلل من تبعيته لإسرائيل. ومن الناحية السياسية، فإن الدولة المستقلة يمكن أن تشكل إطاراً لوحدة الصف الفلسطيني، عبر إعادة دمج غزة والضفة في كيان واحد يملك الشرعية والقدرة على التفاوض.

أما بالنسبة للإسرائيليين، فإن حل الدولتين يمثل الخيار الأكثر عقلانية للحفاظ على الطابع اليهودي والديمقراطي للدولة. خاصة، وأن استمرار السيطرة على الأراضي الفلسطينية دون منح سكانها حقوقاً متساوية يضع إسرائيل أمام معادلة صعبة، طرفيها إما ضم الفلسطينيين وبالتالي فقدان الأغلبية اليهودية، أو حرمانهم من الحقوق وهو ما يعني تكريس نظام فصل عنصري يهدد شرعية الدولة على الساحة الدولية. فضلاً عن ذلك، فإن إقامة دولة فلسطينية مستقلة يمكن أن توفر لإسرائيل ترتيبات أمنية مستقرة على المدى الطويل، وتفتح الباب أمام تقارب إقليمي أوسع مع الدول العربية والإسلامية، بما يعزز مكانتها السياسية ويمنحها فرصاً اقتصادية جديدة.

إقليمياً، يحمل حل الدولتين انعكاسات بعيدة المدى، أهمها التشبيك الإيجابي لدول المنطقة مع إسرائيل، وإن كان يتم على مستويات مختلفة، خاصة وأن الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي وموقف الدول العربية الإسلامية منه ظل لعقود محور التوتر الأساسي في الشرق الأوسط، ومصدر استغلال من قبل قوى إقليمية لتبرير سياساتها أو للتدخل في شؤون المنطقة. وعليه، أي تسوية عادلة من شأنها أن تزيل ذريعة مركزية للتطرف والعنف، وتفتح الباب أمام تعاون عربي–إسرائيلي أكثر شمولاً. وبقراءة مستوى التطبيع بين إسرائيل وبعض الدول العربية، رغم طابعه الجزئي، يمكن التأكيد على أن التعاون ممكن بين العرب وإسرائيل، لكنه يظل هشاً في ظل غياب حل عادل للفلسطينيين. وعليه، فإن حل الدولتين يمكن أن يمنح هذا التعاون بعداً أكثر قبولاً لدى الشعوب العربية، ويجعله أكثر استدامة على المدى الطويل. كما أن التسوية يمكن أن تعزز من قدرة الأنظمة العربية على التركيز على قضايا التنمية الداخلية، بدلاً من الانشغال بصراعات إقليمية متجددة، كذلك تُحد من نفقات دول منطقة الشرق الأوسط في مكافحة التطرف الذي يتخذ من القضية الفلسطينية ذريعة لاستمراره في تهديد الأمن الداخلي لدول المنطقة.

أما دولياً، فإن أهمية حل الدولتين تكمن في أنه يشكل اختباراً لمصداقية النظام الدولي ذاته. الأمم المتحدة كررت على مدى عقود قراراتها التي تنص على حق الفلسطينيين في تقرير المصير وإقامة دولتهم، لكن هذه القرارات بقيت حبراً على ورق. بالتالي، فإن تنفيذ حل الدولتين سيعزز من مكانة القانون الدولي، ويعيد الثقة في قدرة المؤسسات الدولية على حل النزاعات المزمنة. إضافة إلى ذلك، فإن استقرار الشرق الأوسط له انعكاسات مباشرة على الاقتصاد العالمي، بحكم كون المنطقة مصدراً رئيسياً للطاقة وممراً استراتيجياً للتجارة. كما أن حل القضية الفلسطينية سيضعف من حجج الجماعات المتطرفة التي تستغلها لتبرير العنف، ما يعني تقليص بؤر الإرهاب العالمي وتعزيز الأمن الدولي. وعلى صعيد العلاقات بين الغرب والعالم الإسلامي، فإن تسوية عادلة للقضية الفلسطينية يمكن أن تعيد بناء جسور الثقة وتعزز الحوار الحضاري، بعد عقود من التوتر وانعدام الثقة، وهو ما أكدت عليه فرنسا في مؤتمر نيويورك المنعقد برعايتها والمملكة العربية السعودية في نهاية يوليو الماضي، وهو ما جعلها تعلن التزامها بالاعتراف بالدولة الفلسطينية محددة الشهر بعد التالي لانتهاء المؤتمر، وهو ما يعكس قلقها من نسف حل الدولتين.

عقبات ومسارات:

الملاحظ أنه رغم أهمية حل الدولتين في هذا التوقيت، إلا أن هناك عقبات تواجه هذا المسار على المستويين الميداني والدولي. فعلى المستوى الميداني، فإن الاستيطان الإسرائيلي يتمدد بوتيرة غير مسبوقة، ما يجعل أي تصور لدولة فلسطينية متصلة جغرافياً أمراً صعب التحقيق. في المقابل، يعاني الفلسطينيون من انقسام سياسي ومؤسساتي عميق، بين سلطة في الضفة الغربية تفتقر إلى الموارد والشرعية الشعبية، وحركة حماس في قطاع غزة التي تواجه عزلة وضغوطاً عسكرية متواصلة. بالتالي، غياب الوحدة الوطنية الفلسطينية يمثل نقطة ضعف أساسية تعرقل أي تقدم في مسار الدولتين. أما على المستوى الدولي، فإن المواقف الغربية تتسم بازدواجية واضحة، حيث تتحدث عن حل الدولتين لكنها في الوقت نفسه تمنح إسرائيل غطاءً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً يحصنها ضد أي عقوبات أو إجراءات ضاغطة. هذه العقبات، مجتمعة، تجعل من مسار حل الدولتين طريقاً شاقاً محفوفاً بالمخاطر، وهو ما يؤكد أنه في الوقت الذي تدرس فيه (فرنسا وبريطانيا وكندا وأستراليا) الاعتراف بفلسطين في الأمم المتحدة، تعمل الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على إفشال هذه الخطوات، وهو ما يجعل الأدوات الأوروبية للضغط على إسرائيل ضعيفة محدودة، وبالتالي يكون الاعتراف رمزيًا وغير مؤثر ميدانيًا.

وبالتالي، في ظل هذه العقبات، يطرح غياب حل الدولتين سيناريوهات بديلة، كلها محفوفة بالمخاطر. أحد هذه السيناريوهات هو الدولة الواحدة، التي تعني إما دولة ثنائية القومية يفقد فيها اليهود أغلبيتهم، أو دولة تقوم على نظام فصل عنصري، وهو ما سيؤدي إلى عزلة دولية متزايدة وربما عقوبات اقتصادية وسياسية خانقة على إسرائيل. سيناريو آخر هو استمرار الوضع القائم، أي الاحتلال والاشتباكات الدورية، وهو ما يعني دورات متكررة من العنف وتنامياً للمقاومة الفلسطينية، بما يحوّل المنطقة إلى بؤرة دائمة للتوتر. هناك أيضاً مقترحات لحلول انتقالية، مثل الكونفدرالية أو الحكم الذاتي الموسع، لكنها في الأغلب حلول مؤقتة لا تحقق طموحات الفلسطينيين ولا تطمئن الإسرائيليين، وبالتالي لا يمكنها أن تشكل أساساً لتسوية دائمة.

في النهاية، يمكن القول إن حل الدولتين ليس مجرد خيار سياسي يمكن تجاوزه أو تأجيله، بل هو ضرورة استراتيجية تمليها حقائق الواقع ومتطلبات الأمن والاستقرار للفلسطينيين، وهو السبيل الوحيد لإنهاء عقود من الاحتلال وتحقيق الحرية والسيادة للإسرائيليين، وهو الضمانة للحفاظ على هويتهم وأمنهم القومي وتفادي مخاطر الانزلاق إلى نظام فصل عنصري أو فقدان الطابع اليهودي للدولة. إقليمياً، يفتح الحل الباب أمام تعاون اقتصادي وسياسي غير مسبوق، يعزز الاستقرار والتنمية. دولياً، يعيد الثقة في النظام الدولي ويحد من مصادر الإرهاب والتطرف. أما البدائل الأخرى، سواء الدولة الواحدة أو استمرار الوضع القائم، تحمل مخاطر أكبر بكثير على جميع المستويات. لذلك فإن التمسك بحل الدولتين، والعمل الجاد من قبل المجتمع الدولي والإقليمي على تهيئة الظروف لإنجازه، يظل ضرورة لا يمكن تجاوزها إذا أُريد للمنطقة أن تنعم بالسلام والاستقرار.

مقالات لنفس الكاتب