يشهد الشرق الأوسط تحوّلات عميقة منذ نهاية عام 2023م، لم يعد معها الإقليم على ما كان عليه. فقد انهارت نماذج سابقة وأفرزت بيئة إقليمية بالغة التقلب، تُهدد الاستقرار والسلام الشامل. كما أعادت الأحداث والإجراءات الأحادية المتسارعة رسمَ ملامح المنطقة، وأوجدت تحديات جديدة للجميع.
لقد تسببت الهجمات التي شنتها حركة "حماس" على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023م، والحرب الإسرائيلية التي تلتها على قطاع غزة، في إحداث تحول جذري داخل المنطقة. ذلك بالإضافة، إلى الصراع المحتدم بين إسرائيل وإيران، والهجمات الإسرائيلية الأخيرة على الأراضي القطرية. أدت كل هذه الأحداث إلى تصعيد التوترات في المنطقة إلى مستوى لا يمكن التنبؤ بعواقبه، كما قضت على كافة الرؤى بشأن التوصل لسلام دائم ومستدام في المنطقة وأضعفت بنية النظام الدولي القائم على قواعد ومبادئ.
وفي ظل واحدة من أحلك الأوقات التي تمر بها المنطقة، قررت حكومتنا وحلفائنا المقربين في المنطقة مثل المملكة العربية السعودية، عدم الوقوف مكتوفي الأيدي والأخذ على عاتقنا الاضطلاع بمسؤولياتنا كاملة. وأن نتبنى سويًا نهجًا استباقيًا في وقت لم تعُد فيه نماذج الماضي مُجدية، بما يُحتم اتخاذ خطوات عملية موجهة صوب النتائج. وهو ما يعني تزعم جهود تطبيق حل الدولتين وتحويله إلى واقع ملموس، باعتباره الحل الوحيد الممكن لتسوية الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. بما في ذلك اعتماد أولى خطواته الأساسية مُمثلة في الاعتراف بالدولة الفلسطينية. فإن الحل الوحيد القادر على إرساء أُسس صلبة للسلام والاستقرار في المنطقة بأسرها يكمُن في قيام دولة فلسطينية تنعم بالسيادة والأمن والقدرة الاقتصادية على الاستمرارية، ولا بديل عن ذلك الحل.
وكما جاء على لسان وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألبَاريس، في كلمته أمام مجلس الأمن في أبريل 2024م، فإن قيام دولة فلسطينية لا يتعلق فقط بتحقيق التطلعات المشروعة للشعب الفلسطيني: بل إنها قضية متداخلة بشكل عميق مع أمن إسرائيل واستقرار المنطقة برمتها. وقد تجاوزت الحرب الدائرة في غزة كل معاني الرحمة والشفقة: في ظل سقوط أكثر من 63 ألف قتيل من المدنيين، ونزوح 2 مليون مواطن فلسطيني، وإصابة 159 ألفًا، فضلًا عن معاناة الآلاف من كارثة المجاعة والمستوى غير المسبوق من الدمار في البنية التحتية بما في ذلك؛ المدارس والمستشفيات. بالتالي، يجب أن يٌشكل هذا الوضع غير المقبول نداءً عاجلًا لكافة أطياف المجتمع الدولي، وكل المعنيين بالدفاع عن القانون الدولي والإنساني مفاده" مصداقيتنا باتت على المحك".
فمنذ اندلاع الحرب في غزة، واصلت حكومتنا الدعوة إلى إنهاء الصراع، والإفراج الفوري عن كافة الرهائن المحتجزين لدى حماس، والسماح بوصول المساعدات الإنسانية إلى أهالي قطاع غزة دون عوائق أو قيود. كما تحركنا قدمًا صوب تطبيق حل الدولتين من خلال إعلان الاعتراف بالدولة الفلسطينية في مايو 2024م، إلى جانب كل من النرويج، وأيرلندا، وسلوفينيا، بالتوازي مع التأكيد على أهمية الاعتراف بإسرائيل وتطبيع العلاقات بين دول المنطقة وما وراءها. لم تكتف حكومتنا بخطوة الاعتراف فحسب، بل واكب ذلك حرص على مواصلة الجهود الرامية لبناء توافق في الآراء بشأن قضية حل الدولتين، بما ساهم في إطلاق "التحالف الدولي لتطبيق حل الدولتين" عقب اجتماع مجموعة مدريد في سبتمبر 2024م، والقمة العاجلة التي عُقدت مايو الماضي "مجموعة مدريد بلس". وشكل الدعم الذي قدمته المملكة العربية السعودية وكافة دول مجلس التعاون الخليجي عاملًا أساسيًا. حيث نشهد حاليًا موجة جديدة من الإعلانات التاريخية المتوالية من قبل العديد من الدول التي اعترفت رسميًا بفلسطين على رأسها: المملكة المتحدة، وأستراليا، وكندا، والبرتغال. واتخاذ أخريات خطوة مماثلة من دول ; بلجيكا، ولوكسمبورج، ومالطا. بما يعكس تحولًا كبيرًا في مسار المجتمع الدولي، وكأنه ارتداد على عقود طويلة من القصور في إدارة الوضع الراهن ودوامة عمليات السلام الفاشلة. وهو ما عبر عنه الأمين العام للأمم المتحدة بالقول:" لعقود طويلة، كانت دبلوماسية الشرق الأوسط مجرد عملية أكثر منها سلامًا".
يعتبر إعلان نيويورك، الذي صدر عن مؤتمر "نيويورك لحل الدولتين" في شهر يوليو تحت رعاية مشتركة لكل من فرنسا والمملكة العربية السعودية، وحظي بتأييد أغلبية أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة، ثمرة جهودنا المشتركة للتغلب على التحديات وتحقيق التغيير. حيث حرصت إسبانيا منذ عام 2023م، على الدعوة إلى عقد مؤتمر دولي لتحقيق سلام دائم ومستدام في المنطقة. ومن المتوقع أن يشهد، المؤتمر رفيع المستوى بشأن تطبيق حل الدولتين، مزيدًا من النتائج الإيجابية بفضل الإجماع المتزايد حول ضرورة المضي قدمًا عبر خطوات ملموسة لا رجعة فيها نحو مستقبل يكفل السلام والأمن لشعبي فلسطين وإسرائيل. وبفضل إعلان العديد من شركائنا الرئيسيين الاعتراف بفلسطين، فإننا ندعوا أن تكون دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة لعام 2025م، - والتي ستقوم على أساس التدابير الملموسة المتضمنة في إعلان نيويورك، بمثابة صافرة البداية للتطبيق الفعلي لحل الدولتين. وقد شدد وزير الخارجية الإسباني على أن تضمن الخطوة التالية، وضع جدول زمني واضح وتحديد موعد نهائي، وتحديدًا اثنى عشر شهرًا، كي تحظى الدولة الفلسطينية بعضوية كاملة بالأمم المتحدة.
بخلاف العمل الدبلوماسي والسياسي، ثمة احتياجات مُلحة على الأرض تستدعي العمل الفوري. وذلك في ضوء المستوى غير المسبوق من العنف والدمار الذي لحق بقطاع غزة، والممارسات التي تتحدى القانون الدولي في الضفة الغربية. مجددًا، لن تتوان إسبانيا عن الاضطلاع بمسؤولياتها واتخاذ موقفًا جسورًا ومواصلة العمل على هذه القضية. بما يفسر قيام الحكومة الإسبانية منذ بضعة أيام قليلة بتبني سلسلة من الخطوات الفورية الفعالة. حيث نسعى إلى إنهاء الحرب، ووقف القتال، وحظر استخدام الأسلحة. كما تركز جهودنا على التخفيف من معاناة الشعب الفلسطيني وتدعيم السلطة الفلسطينية عن طريق الدعم الإنساني وتوطيد سبل التعاون؛ بما في ذلك تخصيص حزمة تمويل إضافية لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين "الأونروا". ونسعى أيضًا لتعزيز سلطة القانون الدولي في إطار حل الدولتين مع فرض حظر وطني على دخول المتورطين في جرائم ضد الإنسانية أو انتهاكات حقوق الإنسان إلى أراضينا، وكذلك منع استيراد السلع من المستوطنات الإسرائيلية.
في السياق ذاته، تعكف حكومتنا على مضاعفة جهودها لدعوة سائر أعضاء الاتحاد الأوروبي إلى تكثيف مساعيهم وسبل الاستجابة للأزمة. فضلًا عن، ترحيبها ودعمها للبيان الأخير الصادر عن رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، الذي طرحت فيه مزيدًا من التدابير مثل تعليق بعض سبل الدعم الموجه لإسرائيل، وفرض عقوبات ضد المتطرفين من أعضاء الحكومة الإسرائيلية والمستوطنين الذين ينتهجون العنف ضد الفلسطينيين، بالإضافة إلى تجميد جزئي لاتفاقية الشراكة مع الجانب الإسرائيلي المتعلقة بشؤون التجارة.
تكتسب كافة الجهود المبذولة إلحاحًا وأهمية في ضوء تضاؤل آفاق التوصل إلى اتفاق بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي بشأن التعايش السلمي، بما يُحتم ضرورة تسريع العمل والتحلي بالعزم والإصرار. كذلك، لابد من مواصلة دعمنا للسلطة الفلسطينية، شريكنا من أجل السلام، وتعزيز قدرتها المؤسسية على العودة لتولي حكم قطاع غزة بمجرد توقف العنف والقتال، عبر توفير الخدمات الأساسية والأمن لسكان القطاع. وعلى صعيد هذا الشق تحديدًا، لا يوجد خلاف أو أية فروق دقيقة في مواقفنا بشأن ألا يكون لحماس أي دور مستقبلًا داخل القطاع. بالتوازي، لن تقف إسبانيا سلبية إزاء القرارات المُجحفة وغير المبررة من قبل الحكومة الإسرائيلية بتجميد نقل التمويل الموجه إلى السلطة الفلسطينية. فإننا بصدد مواجهة استراتيجية تهدف بشكل واضح لتقويض الوجود المستقبلي للدولة الفلسطينية، والدفع بالسلطة الفلسطينية إلى حافة الانهيار المالي. وعليه، نعتزم طرح عدة مبادرات على شركائنا من أجل مضاعفة التزاماتهم المالية. كما ينبغي لنا مواصلة العمل مع دول المنطقة والتحالف مع الأطراف الفاعلة الرئيسية مثل المملكة العربية السعودية، ومصر، وقطر، والأردن، بالإضافة إلى مجموعة الاتصال المشتركة بين الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، حتى نرى مشروع السلام في المنطقة واقعًا يتحقق. وتعتبر العلاقات الممتازة التي تنعم بها إسبانيا مع دول مجلس التعاون الخليجي، وبالأخص المملكة العربية السعودية، دافعًا وراء هذا المستوى الوثيق من تنسيق الجهود لإحراز تقدم بشأن قضية حل الدولتين بمؤتمر نيويورك. فقد لعبت دبلوماسية المملكة العربية السعودية دورًا فعالًا في بناء التدابير الملموسة التي لا رجعة فيها صوب تحقيق التطلعات المشروعة للشعب الفلسطيني.
تستدعي التحديات المحدقة بالشرق الأوسط اليوم مزيدًا من التنسيق والتناغم في الجهود بين الأمم. ويتيح نهج حلفائنا في مجلس التعاون الخليجي وسرعة استجابتهم للأزمات الإقليمية دروسًا للكثيرين، بمن فيهم الأوروبيون، للاستفادة منها. وذلك سواء على صعيد معالجتهم لما حدث في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، أو مؤخرًا في أعقاب الهجوم الإسرائيلي على قطر. ختامًا، يقع على عاتقنا اليوم التزام جماعي بفتح آفاق جديدة للأمل داخل المنطقة، والتحرك سريعًا لتلبية التطلعات المشروعة للشعبين الفلسطيني والإسرائيلي في العيش السلمي والآمن.





