تُشكل المبادرة الفرنسية-السعودية لتطبيق حل الدولتين، تحديًا حقيقيًا للدبلوماسية الفرنسية نتيجة أسباب عدة: على رأسها، تطور موقف باريس إزاء الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي عبر العقود الماضية. تعود بداية التغيير إلى حكم الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي (2007-2012م)، وخلفه فرنسوا أولاند (2012-2017م)، إلى أن تولى الرئيس الحالي إيمانويل ماكرون، الذي أعطى الأفضلية للمصالح الإسرائيلية.
كما ساهمت اتفاقيات "إبراهام" التي تمت بين عدد من دول المنطقة وإسرائيل خلال الفترة الرئاسية الأولى لدونالد ترامب 2020م، في بث شعور بالارتياح لدى أولئك الذين يرون أن القضية الفلسطينية تتجه نحو الزوال، بما يبزر حجم اليأس والإنهاك الذي تملك الكثيرين حيال محاولة إنهاء صراع لا نهاية له. وجاءت أحداث السابع من أكتوبر، لكي يستقر في ذهن العديد من المحللين والساسة بأنه لم يعد هناك مجالًا للتسوية. وترسيخ القناعة بأن الأولوية يجب أن تمنح للحرب ضد الإرهاب. حيث صرح الرئيس ماكرون، في خطابه الأول إلى الشعب الفرنسي عقب وقوع الهجمات " نُدين بأشد العبارات المجازر التي ارتكبت". مضيفًا "أن الرد الوحيد الممكن للإرهاب دائمًا ما يكون قويًا وعادلًا وأنه يستمد قوته من عدالته".
ورغم أن البيان حظي في وقتها باستقبال جيد، إلا أن المقترح الذي طرحه ماكرون فيما بعد بشأن إشراك التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية -الذي أنشئ في عام 2014 م، ولا تزال فرنسا عضوا فيه- في إنهاء حركة حماس كان له وقع المفاجأة على الدوَائر الدبلوماسية. فإن الربط بين حماس وفلسطين بدا أمرًا غير مقبول لدى جموع الشعب الفلسطيني والعالم العربي. وذلك لأنه يتبنى الرواية الإسرائيلية التي لا تُميز بين عناصر حماس وسكان قطاع غزة، كما يتجاهل حقيقة تشعٌب الحركة داخل نسيج المجتمع الفلسطيني. وهو ما دفع الرئاسة الفرنسية إلى التصريح بالقول:" لا نعتقد بأن التحركات العسكرية وحدها ستفضي إلى حل". مع ذلك، وقفت عاجزة عن طرح مبادرة سياسية أو دبلوماسية نتيجة حالة الغموض التي لازمت الدبلوماسية الفرنسية على مدار أشهر. وبعد مضي أكثر من عام على بدء الحرب في غزة، وتحديدًا بالتزامن مع زيارة ماكرون إلى مصر في أبريل 2025م، صرح الرئيس الفرنسي أن الأوضاع المأساوية التي يعانيها الفلسطينيون في غزة لم تعد مقبولة. مما أثلج صدور قطاع عريض من الرأي العام الفرنسي الذي كان لسان حاله "أخيرًا"، فقد حان الوقت للنظر في المآسي والأوضاع الكارثية داخل القطاع.
السبب الثاني لتحول السياسة الفرنسية، يكمن في الانعكاسات على العلاقات الفرنسية-الإسرائيلية. فبعد أشهر من الدعم الفرنسي المتواصل للاستراتيجية الإسرائيلية المتبعة في غزة، رأى ماكرون أن القوات الإسرائيلية حادت عن أهداف الحرب الرئيسية، وتحديدًا تحرير الرهائن المحتجزين لدى حماس. كما اعتبر أن التدمير المتواصل للقطاع وسقوط هذا الكم من الضحايا من المدنيين، بما في ذلك الأطفال، لم يعد بالإمكان تحمله.
أما عن السبب الثالث، فإنه يتعلق بقدرة الدبلوماسية الفرنسية على قيادة الدول الأخرى للاعتراف بالدولة الفلسطينية بما يُعيد لها بريقها السابق داخل منطقة الشرق الأوسط. فقبل أحداث السابع من أكتوبر 2023م، كانت فرنسا كحال العديد من دول العالم، تناست الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي نتيجة لتسلل الشعور بالإنهاك من محاولة فض نزاع يبدو مستعصيًا على الحل. وما لبثت إسرائيل أن وقعت على اتفاقيات "إبراهام" برعاية دونالد ترامب خلال رئاسته الأولى، حتى أن عاشت وهمًا بأنها قادرة على إعادة رسم ملامح المنطقة مُتخطية القضية الفلسطينية. وقد ساهمت هذه الخطوة في تورية القضية الفلسطينية عن الأنظار لبعض الوقت، بما في ذلك عن فرنسا، التي ظلت على مدار عقود تدافع عن حق تقرير المصير الفلسطيني وحل الدولتين. ورغم مناصرة وزارة الخارجية الفرنسية دومًا لهذا الحل، إلا أنها لم تكن حينها محل ثقة لدى الرئيس ماكرون. حيث وجه حينها هذا الرئيس الشاب، الذي يحرص على ترسيخ صورته كزعيم ثوري، فريقه الدبلوماسي بأن يكون مُبتكرًا وخارجًا عن المألوف في طرح أفكار جديدة للصراع. بما أتاح المجال أمام رئيس حكومته للتصريح- خلال مأدبة عشاء أقامها المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في عام 2022م، - بأن "القدس هي العاصمة الأبدية للشعب اليهودي"، وهو موقف لم تكن فرنسا لتعتمده قط، لاسيما وأنه يمثل مطلبًا أصيلًا للشعب الفلسطيني الذي ينادي دومًا بأن تكون القدس عاصمة دولته المستقبلية. بالتالي، تقتضي هذه القضية بالغة الحساسية أن ينخرط طرفي النزاع في مفاوضات حتى أن يتم التوصل لتسوية. ومن بين المواقف الجدلية الأخرى التي حرص ماكرون على الدفاع عنها في مواجهة موجة الانتقادات اللاذعة من قبل منظمات المجتمع المدني التي تناهض السياسة التي تتبعها الحكومة الإسرائيلية، وهو تعريف مصطلح معاداة الصهيونية كأحد الأشكال الحديثة لمعاداة السامية.
وهكذا بات واضحًا أن غُلُو إسرائيل في استخدام القوة العسكرية أسهم في تحول موقف ماكرون تدريجيًا، من تقديم دعم غير مشروط لها، إلى تبني وقيادة مبادرة للتسوية السياسية. نقطة الانطلاق كانت من مصر، وذلك أثناء زيارة الرئيس الفرنسي إلى مدينة العريش حيث تسنى له رؤية الجرحى والمصابين من الفلسطينيين، مُدينا الحظر المفروض على وصول المساعدات الإنسانية باعتباره أمرًا مُشينًا. كما شدد، في خطابه أمام حوار "شانغريلا" في المنامة، على ضرورة بذل قصارى الجهود لنيل الاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة والاعتراف المتبادل بإسرائيل من أجل إرساء هيكل أمني قوي داخل المنطقة". في الواقع، يُعد الحفاظ على حل الدولتين بمثابة درع حامي في مواجهة الإجراءات الأحادية وإعلاء سيادة القانون الدولي الذي لا تكف إسرائيل عن انتهاكه.
تعتبر المبادرة الفرنسية-السعودية جزءًا من رغبة غربية أوروبية ملحة لتحقيق تقدم ملموس وتجنب الانتقادات حول ازدواجية المعايير. تعي باريس جيدًا الحاجة لتبني مبادرة ليست فقط فرنسية الهوية، بل وأن تكون المملكة العربية السعودية شريكها الشرعي في هذه المبادرة. وذلك بفضل الروابط القوية التي تجمع البلدين والدور الرئيسي الذي تضطلع به الرياض داخل المنطقة. كما إنها تعد أيضًا اختبارًا مهمًا لمستقبل العلاقات بين باريس والرياض.
ومع ذلك، قد تعاني هذه الجهود الرامية لاستمالة دول العالم للانضمام إلى المسعى الفرنسي -السعودي، من القيود وعدم الكفاية، في حال عدم اتخاذ إجراء إزاء جرائم الإبادة الجماعية المستمرة داخل قطاع غزة والاحتلال المتواصل للضفة الغربية. بالطبع، ينطوي تطبيق حل الدولتين على أهمية بالغة لأنه بمثابة اعتراف ضمني بوجود الشعب الفلسطيني. ولكن هذا الشعب يتعرض يوميًا للقتل، والتشريد، والموت جوعًا، فضلًا عن المجَازر، والقصف العشوائي المتواصلين من قبل القوات الإسرائيلية. وفي هذا الضوء، تُفيد تقارير الصحفيين الفلسطينيين الذين يعيشون في غزة والضفة الغربية بأنه ما لم يتم فرض عقوبات ضد إسرائيل لإجبارها عن وقف المجازر واحتلالها للأراضي الفلسطينية سيفقد الاعتراف بفلسطين جدواه. وأضافوا أنه منذ أن بدأت الإعلانات المتوالية بالاعتراف بفلسطين، تصاعدت وتيرة العنف الممارس ضد الفلسطينيين ليتخذ شكلًا من أشكال الانتقام من قبل إسرائيل ضد هذا الشعب.
بشكل عام، أتت المبادرة الفرنسية -السعودية بثمارها المرجوة بعد الاعتراف التاريخي من قبل المملكة المتحدة، وكندا، وأستراليا بالدولة الفلسطينية في 21 من سبتمبر، قبل أن تلحق بهم فرنسا في اليوم الـ 23 من الشهر ذاته. ومن المتوقع أن تتخذ كل من بلجيكا، ومالطا، وربما نيوزيلندا، وليختنشتاين خطوة مماثلة. وينبغي أن تكون هذه الخطوة الأولى نحو وقف فعال لإطلاق النار، وإنهاء الحرب، وإطلاق سراح كافة الرهائن، وإلا ستذهب كافة الجهود الدبلوماسية المبذولة هباءً.






