array(1) { [0]=> object(stdClass)#14597 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 215

مواجهة تهديدات الخليج بسدّّ الفراغ الاستراتيجي ذاتيًًا ببناء قوة ذاتية ثلاثية لمواجهة المخاطر الإقليمية

الأربعاء، 29 تشرين1/أكتوير 2025

تواجه منطقة الخليج مخاطر أمنية شديدة التعقيد في اللحظة الراهنة على خلفية تصعيد إسرائيل لصراعها العسكري الإقليمي ليطال كل من إيران وقطر، وتزداد الخطورة في ضوء مؤشرات عودة الحرب الإسرائيلية على إيران مرة أخرى خلال الفترة المقبلة، ولمواجهة هذه المخاطر الأمنية شهدت منطقة الخليج ثلاث تطورات جيوسياسية -استراتيجية في شهر سبتمبر 2025 م، على خلفية الاعتداء الإسرائيلي على قطر، أولها:عقد قمة خليجية وقمة عربية إسلامية مشتركة يوم 15 من الشهر،وثانيها:توقيع السعودية وباكستان اتفاقية الدفاع المشترك يوم 17 من الشهر،وثالثها:اجتماع مجلس الدفاع المشترك لدول مجلس التعاون الخليجي يوم 18 من الشهر على مستوى وزراء الدفاع لتقييم مصادر التهديد واتخاذ الإجراءات التنفيذية اللازمة لتفعيل آليات الدفاع المشترك وقدرات الردع الخليجية . وتأتي هذه التحركات استجابة للمخاطر الناجمة عن الصراعات الجيوسياسية العالمية والإقليمية، وهذا ما نستعرضه في هذه الدراسة.

  • مصادر التهديد:

أولها: المخاطر الناجمة عن أهمية الموقع الجيواقتصادي والجيواستراتيجي للشرق الأوسط وخاصة لمنطقة الخليج العربية في إطار التفاعلات الدولية الراهنة التي يغلب عليها الطابع الصراعي بين القوى الكبرى، ما جعل كل أزمات الخليج والمنطقة ذات أبعاد خارجية ودولية كبيرة تتجاوز حدود الإقليم. فالصراع الصيني / الأمريكي الاقتصادي والتجاري وعلى النفوذ في منطقة جنوب شرق آسيا، له انعكاسات شديدة السلبية على أمن واستقرار الدول الخليجية، خاصة حال حدوث مواجهة عسكرية أمريكية ــ صينية، أو نشوب صراع مسلح روسي ـــ أمريكي أو روسي مع دول الاتحاد الأوروبي، حيث تشكل منطقة الخليج هدفاً لروسيا أيضًا في إطار عودتها تدريجيًا إلى الساحة الدولية والتنافسية العالمية والمياه الدافئة من بوابة الأزمة السورية والحرب في أوكرانيا، ما يعرض أمن وسلامة الدول الخليجية للخطر ،لأن الصين أو روسيا ستهاجم القوات الأمريكية وقواعدها العسكرية في المنطقة بكل صرامة حال نشوب صراع عسكري بين أي منهما وأمريكا.

ثانيها:هناك مصدر خطر آخر وفقًا لمنظرين أمريكيين أمثال” كينيث والتز”و“جون شايمر”وهو أنه لمنع العولمة البديلة التي تقودها الصين وروسيا، تتبنى واشنطن سياسة القفز على أزماتها وفق آليتين:  (1) استخدام فائض القوة الاستراتيجية الحالي لديها لفرض هيمنتها على المناطق الرخوة بالعالم ورسم الخرائط السياسية لتلك المناطق، ومنها منطقة الخليج والشرق الأوسط وفقًا لما هو معلن من مخططات، وتمكين إسرائيل من الهيمنة على المنطقة باعتبارها شرطي الغرب وحارس مصالحه في المنطقة، وبما يضمن منع منافسي واشنطن من السيطرة على تلك المناطق ذات الأبعاد الاستراتيجية اقتصاديًا وعسكريًا .

(2) محاصرة وتدمير قدرات منافسي أمريكا من القوى الكبرى والقوى الإقليمية المحورية بالعالم من خلال سياسية التأزيم المستمرة لمحيطهم الحيوي، ما يمثل خطورة أمنية كبرى على الدول العربية خاصة الخليجية ذات الثروات الكبيرة.

وقد أثبتت حادثة العدوان الإسرائيلي على قطر صحة هذه المخاوف وخاصة عدم التزام واشنطن بالقواعد الدولية أو بالاتفاقيات الموقعة، وأيضًا عدم مصداقيتها كحليف موثوق به، خاصة أن ردود فعل واشنطن "المتناقضة"ومنها الاعتراف بأنها كانت علي علم بالضربة، زاد من فجوة الثقة في الالتزام الأمريكي بأمن المنطقة، وهذا ما عبر عنه وزير خارجية قطر بالقول" تعرضنا للخيانة"، ما يفرض على دول الخليج المضي قدمًا في جهود إعادة ضبط علاقتها بالحليف الأهم "أمريكا".

ثالثها:في ظل هذا الصراع الخشن والناعم على منطقة الخليج وما تملكه من ثرواتٍ وموقع جغرافيٍ استراتيجي، يأتي الإحساس بالخطر من وجود أربعة مشاريع تهدد الوطن العربي في أمنه واستقراره وتقف على تخوم دياره، وهي المشروع الصهيوني، والمشروع القومي الإيراني، والمشروع القومي التركي، والمشروع الأثيوبي، فالمشاريع الأربعة ذات توجهات استعمارية تتبنى أيديولوجيات قومية متطرفة ترتدي عباءة الدين، وتخطط لإحياء إمبراطورياتها المزعومة على حساب المنطقة، والأخطر أن تلك القوى الاستعمارية قد تنسق فيما بينها لتنتهي إلى اتفاق بتقاسم النفوذ على حساب الدول العربية، إذ خرجت من دوائر صنع القرار لدى هذه القوى العالمية والإقليمية ليس فقط تصريحات وإنما خطط واضحة ومحددة عن تغيير خرائط المنطقة وتقسيمها .

كل هذه التحديات تزيد مخاطر اشتعال الحروب بالوكالة في المنطقة، التي أصبحت بؤرة للتوتر والصراع على النفوذ بين القوى الكبرى والإقليمية ما أدى لاشتعال عدة حروب بها، بسبب تلك التدخلات التي فاقمتها وجعلتها عصية على الحل.

وقد استثمرت الدول الخليجية خلال السنوات الماضية في قنوات دبلوماسية مع طهران، وأنقرة وتل أبيب وأديس أبابا لتأسيس آليات خفض التصعيد وزيادة الاعتماد المتبادل وبناء الثقة ،وتسهيل تبادل الرسائل والاتصالات وتهدئة بعض المواقف، و جاء الاتفاق السعودي  ـــــ الإيراني، واتفاقات إبراهام مع إسرائيل، والتفاهمات مع أنقرة وأديس أبابا،كخطوات مهمة في هذا الطريق لتعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة التي تشهد أغلب الصراعات الدولية حاليًا ما ألحق أضرارًا بالغة بجهود التنمية وحياة الشعوب وهذا يؤكد أن دول الخليج لم تعد تكتفي بالدبلوماسية عن بُعد، بل تشارك بدور مباشر في صياغة ترتيبات الأمن بالمنطقة لانتزاع تنازلات أوسع من طهران وأنقرة وأديس أبابا وتل أبيب، لوقف أنشطتها المزعزعة للاستقرار، ما يخفف من سباق تسلّح إقليمي ويسهم في تجفيف بؤر التوتر والأزمات، مع تعزيز التعاون وخلق إطار أمني أوسع قوامه الترابط الاقتصادي كقوة استقرار، وخاصة التعاون في مجالات الاستثمار والتجارة ، الأمر الذي سيؤدي إلى تهدئة إقليمية أكثر استدامة .

وبينما ترحب كل من أثيوبيا وتركيا وإسرائيل بفكرة بناء نظام للأمن الإقليمي يشمل البحر الأحمر ومنطقة الخليج، حيث تهدف هذه الدول للاندماج بالمنطقة، ترفض إيران ذلك وتطالب أولاً بخروج كامل للقوات الأجنبية وخاصة الأمريكية من الخليج وتفكيك وغلق القواعد العسكرية الأجنبية بها، ثم يعقب ذلك الحوار على نظام للأمن الإقليمي يكون فقط بين الدول العربية الخليجية وإيران،كما يلاحظ وجود اتفاق إلى حد ما في الرؤية الخليجية مع كل من تركيا وأثيوبيا،لكن توجود هوة كبيرة بين الرؤيتين والموقفين الخليجي مع كل من إسرائيل وإيران حيال القضايا محل الخلاف ما يعرقل التوصل إلى حلول عملية للمشكلات العالقة خاصة اليمن وسوريا ولبنان وفلسطين.

رابعها:تمثل الحروب السيبرانية التي لا تقوم بها فقط هذه الدول الأربع وإنما أيضًا جماعات للجريمة المنظمة والإرهابية على تعددها،خطورة كبيرة على أمن واستقرار الدول العربية خاصة الخليجية التي تتواجد على أراضيها جاليات أجنبية متعددة وبكثافة، ما يتطلب ضرورة صياغة استراتيجية للأمن السيبراني في مواجهة هذه الظواهر بالعمل المشترك والتعاون مع الدول المتقدمة في هذا المجال لمساعدتها لمواجهة هذا التحدي، فضلًا عن التعامل مع تلك الجاليات الأجنبية بطريقة تنموية ونظامية بحيث يتم تجنب تجنيدهم لصالح مخابرات دول معادية كما فعلت إسرائيل في إيران. خامسها: تواجه المنطقة خطر الجماعات الإرهابية والفكر المتطرف الذي يهدد ليس فقط طرق التجارة الدولية بالمنطقة، وإنما تدمير وتفتيت الدول المستهدفة بالأعمال الإرهابية كما حدث في عدة دول، ولمنع هذا الأمر يتطلب:

 (1) القضاء على التنظيمات الإرهابية وأذرعها الميليشياوية في المنطقة، واعتماد وتنفيذ استراتجيات للوئام والسلام الاجتماعي الوطني لمواجهة عمليات الاستقطاب الفارسي والعثماني والصهيوني لبعض فئات المجتمع بحجج طائفية مذهبية وأيديولوجية.

(2) مواجهة حقيقية مع الدول التي تثير التوتر والصراع وترعى التنظيمات والميليشيات الإرهابية في المنطقة كإيران وإسرائيل وتركيا وأثيوبيا وغيرها، وهذا يتطلب أيضًا تعزيز القدرات الأمنية الوطنية لدول المنطقة بشكل فردي وثنائي ومتعدد الأطراف.

  • سبل معالجة التهديدات ... رؤية استراتيجية وآليات للردع

أولًا : الأخذ برؤية المفكر الأمريكي روبرت كابلان بسدّ الفراغ الاستراتيجي ذاتيًا بالعمل على بناء قوة ذاتية اقتصاديًا وعسكريًا وسياسيًا في بلدان الخليج العربية لمواجهة الاستراتيجية العدائية التوسعية لدول الجوار، وذلك بتعزيز القدرات الذاتية الاقتصادية والمالية المتنوعة،و بناء الجيوش الحديثة تسليحًا وتدريبًا وقدرات بشرية، واعتماد عقيدة واستراتيجية قتالية على أسس تنويع مصادر التسليح من الكتل الدولية المختلفة، وخاصة الصين وروسيا وألمانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وتركيا والهند وكوريا الجنوبية وغيرها، بما يضمن الحصول على أفضل المعدات العسكرية تطورًا وتقنية للبنى الدفاعية الخليجية، مع  تعزيز التكامل العملياتي عبر تدريبات عسكرية مشتركة، مع تعزيز القدرات المحلية على تصنيع الأسلحة والدخول في شراكات لهذا الغرض دون الانجرار إلى تحالفات عسكرية غير مرنة، وتأطير وتطوير الشراكات الدفاعية الخليجية القائمة منذ عقود لتعزيز قدرات الدفاع الخليجية المشتركة، خاصة " قوات درع الجزيرة " لتشكيل حلف عسكري خليجي من دول مجلس التعاون كمظلة خليجية موحدة لحماية أمن المنطقة .

ثانيًا: توسيع الدور العربي في تحقيق أمن الخليج بتوسيع دور دول كمصر والجزائر والمغرب والأردن في مسائل الأمن الخليجي باعتباره جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي العربي، أي تشكيل قوة اعتدال عربي موازنة لمواجهة مصادر التهديد الإقليمية أو على الأقل ردعها وتحييدها.

ثالثًا : اتباع سياسة البدائل الاستراتيجية لتنويع وترسيخ شراكات تنموية وعسكرية عميقة، واتفاقات للدفاع المشترك والتعاون الاستراتيجي بشكل ثنائي مع عدد من الفاعلين الدوليين والإقليميين الكبار بالعالم كروسيا والصين وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وكذلك مع الهند وباكستان وغيرها، بجانب الولايات المتحدة، لبناء تحالفات "توازن ردع استراتيجي" في مواجهة التهديدات التي تمثلها إيران وتركيا وإسرائيل وأثيوبيا على أمن المنطقة واستقرارها، استنادًا لقاعدة المصالح المشتركة في العلاقات الدولية، ولهذا الغرض وقعت يوم 17 -9-2025 م، المملكة العربية السعودية وباكستان اتفاق الدفاع المشترك، الذي يعد بداية للسير في هذا الطريق، كبديل آمن .

رابعًا: العمل على تغيير الاستراتيجية الدولية الراهنة في التعامل مع أزمات ومشكلات المنطقة "إدارة الصراعات والأزمات وتثبيت الاستقرار" التي ثبت فشلها إلى" استراتيجية حل وتسوية الصراعات وبناء الاستقرار والأمن"، لأن الأخيرة تضمن إيجاد حلول حقيقية ودائمة للأزمات وفقًا لمقررات الشرعية الدولية، وبناء عناصر للأمن والاستقرار تضمن استمرارية التسويات والحلول التي يتم التوصل إليها، سواء فيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي، أو بأزمات اليمن وسورية ولبنان وليبيا والسودان والصومال وغيرها.

خامسًا: ضرورة  إعادة تموضع دول الخليج ليس فقط كوسيط في الأزمات الإقليمية، بل شريك مركزي في صياغة ملامح النظام الإقليمي والدولي، و ضبط الإيقاع الإقليمي وفقًا للمصالح الاقتصادية، وذلك بطرح الدول الخليجية لمبادرات متكاملة لتشكيل حائط صد يمنع تفجر بعض الأزمات الإقليمية وتوسعها، على غرار المبادرة الخليجية العربية الإسلامية الأوروبية لحل الدولتين ووقف الحرب فى غزة، ومنع تهجير الفلسطينيين من أرضهم، التي حازت موافقة 142 دولة، واعتراف 159 دولة بدولة فلسطين، التي ستمثل حائط صد ضد المشروع الاستيطاني التوسعي الصهيوني " إسرائيل الكبري " ، وأيضا تنفيذ استراتيجية إعادة بناء الدولة السورية وتنميتها وخاصة بناء جيش سوري قوي وعصري وموحد ليمثل قوة ردع وازنة بالمنطقة، فمسألة إعادة إدماج سوريا في النسقين الإقليمي والدولي، عملية في غاية الأهمية ليس فقط لإجبار إسرائيل على سحب قواتها من الأراضي السورية التي توغلت فيها مؤخرًا والعودة إلى خطوط هدنة 1974م، لكن لقطع الطريق أمام عودة النفوذ الإيراني، أو سيطرة النفوذ التركي عليها، والحيلولة دون تحوّل سوريا إلى دولة فاشلة تسبب حالة من الفوضى وعدم الاستقرار بالمنطقة، إضافة إلى تعزيز قدرات الجيش الأردني ليكون حائط صد في مواجهة التوسع الإسرائيلي شرقًا ما قد يهدد منطقة الخليج ، فضلًا عن المساعدة في حل أزمات لبنان والعراق واليمن والصومال والسودان وليبيا،باعتماد مشاريع إعادة بناء الدولة الوطنية ومؤسساتها وأولها الجيش بطريقة تؤدي إلى المساهمة في ردع أية تهديدات أمنية للمنطقة، والقضاء على السيطرة الإيرانية على العراق واليمن ولبنان، والهيمنة التركية على سورية وليبيا والصومال، والهيمنة والاحتلال الأثيوبي لأراض سودانية وصومالية وجيبوتية وتهديدها لجزر البحر الأحمر.

فهناك حاجة عربية ـــ خليجية لبناء منظومة أمن وتعاون إقليمي لمواجهة المخاطر الإقليمية، تدمج بين كل هذه الأبعاد والسيناريوهات لإجبار تلك الدول الموصوفة بأنها مصادر تهديد لأن تعدل سياساتها العدائية وأن تعمل في إطارها الإقليمي وفق مفهوم الدولة الطبيعية وليس الدولة المتمردة أو المارقة، مع استبعاد أن تكون تلك الدول كإيران وإسرائيل وتركيا وأثيوبيا جزءًا مباشرًا وأصيلًا من أية منظومة للأمن الإقليمي بالمنطقة، وأقصى ما يمكن فعله معها الوصول لتفاهمات أو اتفاقات أمنية وليس نظام أمن إقليمي متكامل، فلا يمكن لمن هو مصدر تهديد رئيسي أن يصبح جزءًا رئيسيًا في نظام للأمن الجماعي بالمنطقة .

وأن تساند الدول العربية بفاعلية جهود القوى الدولية الساعية لتغيير قواعد اللعبة الدولية الراهنة صوب بناء نظام دولي متعدد الأقطاب يلتزم بالشرعية الدولية والقواعد، لأن سيطرة قطب واحد على العالم أدى لمزيد من الحروب والفوضي في العالم منذ انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، حيث زادت تلك الحروب ثلاثة أضعاف ما كان موجودًا أثناء الحرب الباردة، ما انعكس بالسلب على الأمن والاستقرار في منطقة الخليج بشكل أساسي الذي وقعت فيه معظم هذه الحروب.

مقالات لنفس الكاتب