الكلمة الأولى التي يجب أن نبدأ بها الحديث عندما يكون الموضوع عن جهود وعطاءات المملكة العربية السعودية في كل قضية إنسانية في العالم هي (إن تعدوا عطاءات المملكة وجهودها لن تحصوها) انطلاقًا من هذه الحقيقة التي تمس كل بلاد العالم وشعوب الأرض فلا يمكن أن أتحدث إلا في بلد واحد وجانب واحد وفترة واحدة وهي سوريا وفترة الثورة أي خلال أربعة عشر عامًا من عمر سوريا (رغم أن عطاءات المملكة لسوريا خلال السنوات العشر الماضية كثيرة لكن لا استطيع إلا أن أحدد حديثي فقط في فترة الثورة) ورغم ذلك فإني أتمنى أن أحصي بعضًا منها، فهي أكبر من إمكانيات أي آلة حاسبة أو جهاز حاسوب، فالعدد المسموح من الكلمات المخصصة لا تسمح لي بالحديث إلا عن جهود المملكة في فترة زمنية قصيرة ومجالات الدعم والعمل في سلامة سوريا ووحدة شعبها وأرضها وسيادتها فقط .
لقد تبنت المملكة العربية السعودية موقفًا ثابتًا وعميقًا عنوانه دعم الشعب السوري بكل الإمكانيات وفي كل المجالات لتأمين حقوقه المشروعة في عيش وحياة كريمة مكللة بالأمن والاستقرار، وكانت بوصلة التحرك السعودي تتحرك بآليات العمل التي تحقق العمل على حقوق الشعب في حياة آمنه ومستقرة، وكذلك سلامة الدولة السورية ووحدة شعبها وأرضها والمحافظة على سيادتها.
ولتحقيق هذه الأهداف شددت المملكة في كل المحافل الدولية (ومنذ اللحظة الأولى للثورة) على أهمية الحفاظ على وحدة سوريا والحفاظ على سيادتها واستقلالها والرفض القطعي لكل أشكال التدخل الخارجي وكل محاولات التقسيم والتصدي لمحاولات إثارة الفتنه أو النزاعات الطائفية والعرقية، وبناء على الأهداف التي تبنتها المملكة ومن أجل التحقيق الدقيق والسريع لها وضعت الرياض خطة متكاملة من أجل العمل تارة بشكل متوازي وتارة بشكل متسلسل في مجالات الدعم الدبلوماسي والاقتصادي والسياسي والعسكري والإغاثي طيلة سنوات الثورة العجاف .
وحقا كانت قيادة المملكة تعمل ليلًا ونهارًا وعلى كل المستويات منذ البداية لنزع فتيل التصعيد وتقديم كافة المساعدات للنظام لمنع اتساع دائرة التصعيد والاستجابة السريعة لمطالب الشعب السوري قبل أن تكبر كرة الثلج وتزداد سرعتها لكن النظام الذي اعتاد أن يتعامل مع الشعب السوري بالحديد والنار لم يستمع للصوت السعودي الناصح بل صم أذنيه وأغمض عينيه عن مطالب الشعب.
من هنا سأبدأ الحديث مختصرًا في حدود الحجم المخصص، فقد بدأت المملكة فورًا بالعمل الدؤوب بتنفيذ الإجراءات الاستباقية لأنها تدرك أهمية سوريا وتداعيات ما يمكن أن يكون في ظل هذا النظام، لذلك مدت جسور التواصل مع الدول العربية والأوروبية والدول الفاعلة فورًا ووضعت خطة التصدي لمنع خسارة سورية العربية التي تعتبر وعاء الشرق العربي، فشكلت أكبر منظومة عمل حقيقة لمساعدة هذا القطر العزيز على قلب كل عربي خاصة المملكة وانطلقت مسيرة العطاء لاتجاه الدعم الإنساني والإغاثي والعسكري، وصلت المساعدات السعودية إلى كل سوري في الداخل والخارج وفي بلدان المهجر وحيث ما كان هناك حاجة لمساعدة الشعب السوري، وباتجاه الدعم الدبلوماسي والسياسي في كل المحافل العربية والدولية، حيث ساهمت في انعقاد اجتماعات الجامعة العربية ووصول الملف إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وقد عملت في الاتجاهات التالية:
-- الجهود السياسية والدبلوماسية: قادت المملكة كل المبادرات السياسية والدبلوماسية التي تهدف إلى وقف نزيف الدم السوري وعملت في الوقت نفسه على تهيئة الأجواء المناسبة لحل سياسي ينهي معاناة الشعب السوري ويعيد له سيادته على كامل أراضيه، وتتمثل أبرز محطات الجهود السياسية الدبلوماسية في:
دعم القرار الأول الذي عرف باسم فقرات "جنيف واحد: والذي كان أساس الحل وأساس قرارات مجلس الأمن التي صدرت في الملف السوري والتي عرفت باسم "الفقرات الستة للحل في سورية أو جنيف واحد" والذي تم بعده صدور القرار 2118 ، ثم عملت بالتعاون مع أصدقاء سورية على عقد مؤتمر جنيف 2 لعام 2014 م، الذي جمع النظام والمعارضة تحت سقف الأمم المتحدة ، ثم كانت الأساس في صدور القرار الأممي 2254 لعام 2015م، حيث بذلت المملكة جهدًا غير مسبوق في عملية جمع كل الأطياف السياسية السورية وكل المكونات بالرغم من عرقلة بعض الدول لأي حل ورفضها مطالب الشعب السوري ومحاولتها الرهان على المملكة في عملية جمع أطياف الشعب السوري، إلا أن المملكة استطاعت بفضل الله ثم فضل قيادتها الحكيمة وسياستها المميزة أن تجمع كل المكونات والأطياف في أقل من 24 ساعه (رقم غير مسبوق) وكسرت الرهان وخسر وخاب من راهن على دور المملكة، وتم عقد مؤتمر الرياض واحد بحضور كل أطياف الشعب السوري في 8 -10 ديسمبر 2015 م، والذي انبثق عنه هيئة التفاوض وتشكيل وفد تفاوض للاشتراك في المفاوضات التي عقدت بعد صدور القرار 2254 ( جنيف 3) ووفرت المملكة كل أنواع الدعم اللوجستي لهذا الاجتماع وكان من انجح المراحل السياسية في مسيرة الثورة السورية وأصبح بعد ذلك مقر هيئة التفاوض في المملكة التي وفرت لعمل الهيئة كل الدعم لكن بعد اجتماع الدول الفاعلة في لندن والتي تم على أثرها إعادة صياغة الورقة السورية تم بعدها الطلب للمملكة بجمع أطياف الشعب السوري مرة أخرى في الرياض بناء على طلب الدول الفاعلة وتم عقد مؤتمر الرياض 2 في 22-24 نوفمبر وعمل على توحيد المعارضة التي كانت قد شكلت مجموعة من المنصات (موسكو – القاهرة ) وتم الخروج بوثيقة عمل واحدة للمرحلة الانتقالية باسم الهيئة العليا للمفاوضات والتي استمر مقرها في الرياض حتى شهر يناير 2021 م، حيث غادرت الرياض بعد مرحلة من الخلافات الداخلية بين أطياف المعارضة وتغير المواقف السياسية لبعض الدول حيال الملف السوري وخلال الفترة التي تلت فشل كل مفاوضات جنيف بين المعارضة والنظام وتخلي بعض الدول عن دعم المعارضة بقيت المملكة ظلًا كبيرًا يحمي حقوق الشعب السوري ومطالبًا بوقف إطلاق النار باستمرار ، وتطالب بإيصال المساعدات دون عوائق بل وتستمر في تأمين جميع أنواع المساعدات اللازمة للسوريين في دول اللجوء وفي مناطق النزوح داخل سورية كما واستقبلت على أرضها الطاهرة أكثر من مليونين من السوريين واعتبرتهم زائرين ضيوف ولم تطلق على أحد منهم كلمة " لاجئ " وحظي جميع السوريين في المملكة بطيب الإقامة وكرم الضيافة من مملكة الجود الذي اعتاد الجميع عليه كما استمرت المملكة في رعاية سورية وشعبها والتنسيق مع الأمم المتحدة والمبعوثين الأمميين لإيجاد حل سياسي يستند إلى قرارات مجلس الأمن وخاصة القرار 2254 م، وضمن سياق الحديث عن جهود المملكة السياسية والدبلوماسية لابد من الحديث عن موقف هام للمملكة في الانفتاح على المسار العربي الرامي لتحقيق الحل السياسي وذلك من خلال استضافة سورية في القمة العربية التي عقدت في مدينة جدة بعد سنوات من تعليق عضويتها في خطوة نحو إعادة دمجها في الصف العربي دون المساس بسيادتها ، وكان هناك موقفًا مميزًا لصاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء في تقديم مقترح للحل يحافظ على وحدة الأرض والشعب ويوقف إراقة الدماء ويحقق مطالب الشعب السوري ولا يستثني أحدًا ، بل يعيد سوريا إلى دورها العربي ويحافظ على الأمن الوطني لها لكن النظام لم يفهم ولا يريد أن يفهم كلمة حل سياسي، بل استمر في غطرسته واستبداده والاستعانة بكل مرتزقة العالم لقتل الشعب السوري ولم يستمع للصوت الناصح الحريص كل ما تم الحديث عنه هو حتى تحرير سورية من النظام البائد لأن الحديث عن الجهود السعودية في مرحلة التحرير تحتاج إلى مجلد حتى يتم تغطية جزء منها بينما كل ما تم الحديث عنه هو فقط حتى نهاية عام 2024م، وأيضًا لم أتحدث عن الدور السعودي الداعم للفصائل بالتعاون مع أصدقاء الشعب السوري حيث سيكون لهذا الجزء حيز آخر .
--الدعم الإنساني والإغاثي: لم تتوان المملكة عن تقديم الدعم الإنساني للشعب السوري عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية حيث شمل الدعم:
- إقامة مخيمات للاجئين السوريين في الأردن وتركيا ولبنان.
- إرسال المساعدات الغذائية والطبية العاجلة إلى الداخل السوري خصوصًا في المناطق المنكوبة.
- رعاية اللاجئين من خلال تقديم العلاج والتعلم وتأمين فرص العمل لهم.
- استضافة أكثر من مليون ونصف من السوريين بصفة زائرين وضيوف.
لن أتحدث عن هذا النوع من الدعم في مرحلة تحرير سوريا لأنه أضعاف مضاعفة عما تم تقديمه فهو إعمار دولة بكل ما تحتاجه للنهوض الاقتصادي والاستقرار العام وإعادة البنية التحتية الخدمية.
- لقد كانت كل المبادرات السعودية تصب في نهاية المطاف في دعم الأمن الوطني السوري والتي كانت دومًا حريصة على تعزيز سيادة الدولة ومنع تفككها إلى كيانات طائفية أو عرقية وهذا قطع الطريق على كل الأطراف التي كانت تسعى إلى تقسيم البلاد واستطاعت السعودية الحد من التدخلات الخارجية السلبية التي كانت تسعى لفرض أجندات على أرض سورية، إضافة إلى أنها تدعم المصالحة الوطنية وإطفاء جذوة الفتن الطائفية التي غذتها جهات خارجية لإطالة أمد الصراع – كما لعبت المملكة دورًا محوريًا في حشد التأييد العربي والدولي لقضية الشعب السوري والتأكيد على أن الحل يجب أن يكون (سوري ـ سوري) وأن يكون خاليًا من كل الإملاءات الخارجية ومن أجل تعزيز هذا الموقف عملت المملكة على إحياء الدور العربي المشترك لمواجهة التحديات الأمنية والسياسية في سورية والمشاركة في المؤتمرات الدولية كمجموعة أصدقاء سوريا ودعم جهود إعادة الإعمار .
تجسد جهود المملكة العربية السعودية تجاه سورية التزامًا إنسانيًا وأخلاقيًا وسياسيًا قائمًا على مبادئ راسخة تسعى من خلالها المملكة إلى دعم الشعب السوري وصون وحدة بلاده وحماية قراره الوطني المستقل وهي جهود تسهم في تحقيق الأمن والاستقرار في البلاد وتقويض الفرصة على المشاريع التي تهدد المنطقة بأسرها وخاصة ما يهدد سورية من تقسيم وإشعال الفتن الطائفية بما يضمن مستقبلًا أكثر أمانًا وازدهارًا لسورية وشعبها.






