array(1) { [0]=> object(stdClass)#14538 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 215

مطالب ليبيا من الخليج: الدعوة للابتعاد عن التفكيك وتوعية الليبيين بالمخاطر ورعاية موقف عربي موحد

الأربعاء، 29 تشرين1/أكتوير 2025

تعد الأزمة الليبية من الأزمات التي ظهرت نتيجة موجة ثورات الربيع العربي التي شهدتها المنطقة العربية منذ نهاية العام 2010م، حيث عُدت عصية على الحل بسبب تعثر معظم محاولات التسوية الإقليمية والدولية لها. والمقولة الراسخة أو المتداولة مقارنة بأزمات أخرى ففي معظم المؤتمرات واللقاءات السياسية المعنية بهذه الأزمة لا حل عسكر ولا بديل عن التسوية السياسية، و قد برز دور مجلس التعاون لدول الخليج العربية منذ اندلاع الأزمة في ليبيا، كنموذج يستدعي تحليلاً دقيقاً، على المستوى الإقليمي والدولي، حيث يكشف عن الخطاب الجماعي الموحد للمنظمة والفاعلية السياسية، حيث أفضت إلى سرعة تحرك المجلس والضغط على الجامعة العربية، والتنسيق بينها وبين القوى الدولية ساعية لحل الأزمة ، كذلك الدعوة إلى وقف العنف بين أبناء الشعب الليبي. وقد اتضح أن الانقسامات الأيديولوجية والتنافسات الجيوسياسية داخل البيت الخليجي قد حوّلت المجلس من وسيط إقليمي محتمل إلى مجموعة من الفاعلين الخارجيين الذين أسهمت سياساتهم الموحدة لحل الأزمة وعدم إطالة أمدها. ومن خلال استعراض وتحليل المشاركات الخليجية في المحطات الدبلوماسية الرئيسة - من روما ومدريد إلى برلين والقاهرة وبوزنيقة - ستكشف هذه القراءة كيف تم توظيف هذه المنابر الدولية كأدوات للتسريع والإسهام الفعلية لحل الأزمة وأن تكون منصات لتطبيق سياسة خليجية موحدة تهدف إلى تحقيق الاستقرار في ليبيا. ومن ثَمَّ نتناول بالتحليل من خلال محورين: أولهما يتناول المأمول الذي يوجب على دول المجلس القيام بها تجاه الانقسام وعدم الاستقرار. وثانيهما: الاستحقاق الممكن قيام المجلس به تجاه الحل في ليبيا. 

  المحور الأول: الجهود المأمولة والواجبة على مجلس التعاون الخليجي القيام بها: وفي هذا السياق يجب الإشارة إلى الجهود المأمولة تجاه الأزمة الليبية، حيث تبدأ من تحليل الموقف المعلن للمجلس، على الصعيد الرسمي والجماعي، تبني مجلس التعاون لدول الخليج العربية خطاباً سياسياً موحداً تجاه الأزمة الليبية، وعند تحليل هذا الموقف المعلن، الذي صدر مراراً في بيانات الأمانة العامة للمجلس والبيانات الختامية لقممه الوزارية، بوصفه السياسة الإعلانية للمنظمة. حيث كان جوهر هذا الخطاب يرتكز على أربع ركائز مترابطة.

   أولاً: التأكيد المستمر على أولوية الحل السياسي، والدعوة إلى حوار ليبي - ليبي شامل تحت مظلة دولية لضمان استدامته.

 ثانياً: التشديد غير القابل للتفاوض على وحدة وسيادة ليبيا، ورفض أي مشاريع أو دعوات صريحة كانت أو ضمنية لتقسيم البلاد، باعتبار أن الحفاظ على وحدة أراضيها هو حجر الزاوية لأي حل مستقبلي وفقاً للرؤية الخليجية.

  ثالثاً: المطالبة الواضحة بضرورة خروج كافة القوات الأجنبية والمرتزقة من الأراضي الليبية، حيث اعتبر المجلس أن هذا الوجود الأجنبي يؤجج الصراع ويقوض السيادة الوطنية ويعرقل جهود السلام في ليبيا. 

رابعاً وأخيراً، الإعلان عن الدعم الكامل لجهود هيئة الأمم المتحدة وبعثتها للدعم في ليبيا (UNSMIL)، كذلك مساندة كافة المسارات التي ترعاها هيئة الأمم المتحدة والمنظمة الدولية، سواء المتعلقة بالمسار السياسي أو غيرها. وعلى الرغم من أن هذا الخطاب الرسمي يعكس موقفاً جماعياً يهدف إلى إظهار التزام المجلس بالاستقرار الإقليمي، فإن قيمته التحليلية تكمن في مقارنته بالسياسات التنفيذية للدولة التي كشفت سعي الدولة بشكل مباشر على مسار لحل الأزمة.

 المحور الثاني: الاستحقاق الممكن قيام المجلس به تجاه الحل في ليبيا: لقد كان حضور دول مجلس التعاون الخليجي في المحافل الدولية المخصصة لحل الأزمة الليبية متجانساً، بل اتسم في جوهره لا يعكس الانقسامات العميقة في سياسات أعضائه الخارجية. حيث شارك المجلس بوصفه كتلة دبلوماسية موحدة ذات رؤية مشتركة استحقاقًا ممكنًا لحل الأزمة، والنظر إليه وحدةً متماسكة، وتفكيك أداء دوله الفاعلة، وظهر له رؤية واستراتيجية لحل الأزمة، حيث اتضح دورها كالآتي:

 

 1- إلى حد ما لم تتباين أدواره بين الحضور راعيًا استراتيجيًّا لطرف من أطراف النزاع، أو داعمًا محوريًّا لمبادرات تطلقها دول حليفة، كذلك حدد بشكل كبير طبيعة الانخراط الخليجي وحدود تأثيره في كل محطة من محطات المسار الدبلوماسي لحل الأزمة الليبية.

 2- اتضحت المشاركة الخليجية في المؤتمرات الدولية حول ليبيا، مثل مؤتمري روما عام2014م، و(باليرمو) في العام2018م، مثالاً واضحاً للإسهام في التوافق ومنع أي ازدواجية في الخطاب والممارسة في السياسة الخارجية لبعض دول المنطقة. ففي حين أن الحضور الرسمي كان يندرج ظاهريًّا ضمن الإجماع الدولي، إلا أن تحليلاً أعمق يكشف عن أدوار استراتيجية كامنة تتجاوز مجرد المشاركة البروتوكولية تسهم لحل فعلي حقيقي للأزمة والذهاب نحو الانتخابات.

      3- كانت المشاركة الخليجية تهدف إلى تقديم مبادرات مستقلة، بل إلى الانحياز والتأثير ضمن المحاور القائمة ساعية لحل الأزمة في مؤتمر باليرمو فقد اتضح أن هذا المؤتمر، ما هو إلا مسرح للتنافس الجيوسياسي بين القوى الأوروبية نفسها، وتحديدًا بين إيطاليا وفرنسا. حيث سعت كل دولة أوروبية إلى قيادة الجهود الدبلوماسية ضمن بعد مصالحيٍّ في ليبيا، دون الاهتمام بالحلول السياسية والاستقرار في البلاد، كانت دول المجلس تسعي لتقريب وجهات النظر للحل. 

4ـ ظهور انقسام بين (الإمارات، قطر، والسعودية) في هذه المؤتمرات كجزء من تحالفات أوسع. على سبيل المثال، كانت مواقف السعودية والإمارات تتقارب مع رؤية مصر وفرنسا، التي كانت أكثر انفتاحاً على منح دور محوري لبعض الأطراف. بالمقابل كانت قطر تتماشى مع الموقف التركي والإيطالي الداعم لشرعية حكومة الوفاق الوطني في طرابلس ومؤسساتها، ولكن في ظل ذلك كان موقف دول المجلس وأهدافها سدًّا منيعًا حال دون رفع وتيرة الانقسام بين الأطراف المختلفة في البلاد.

  5- الحضور الخليجي كان هدفه ضمان "مقعد على الطاولة" الدبلوماسية ويخدم هدفين استراتيجيين: الأول: الشرعية الدولية تمنح المشاركة في هذه المحافل الدولية غطاءً من الشرعية للتدخلات التي تقوم بها هذه الدول في ليبيا؛ بمعنى آخر، كان الهدف هو التأثير على صياغة البيانات الختامية ومنع أي إجماع دولي حقيقي ضد طرف على حساب الآخر.

٦-غياب بروز مبادرات خليجية مستقلة لم يكن دليلاً على السلبية أو غياب الاهتمام، بل كان خيارًا استراتيجيًّا متعمدًا؛ فالدول الخليجية الفاعلة كانت تدرك أن نفوذها الحقيقي لا يكمن في تقديم خطط سلام دبلوماسية، بل في قدرتها على تغيير موازين القوى على الأرض عبر الدعم المالي والعسكري واللوجستي فالمشاركة الخليجية في مؤتمري (روما وباليرمو) - كما أسلفنا- لم تكن وساطة محايدة بل ذات أهداف استراتيجية عملت في الكواليس تبحث لإيجاد حلول بعيدًا عن الحل العسكري بين الأطراف الليبية المختلفة؛ ما أضعف نتائج هذه المؤتمرات.

7- وفيما يتعلق بمسار (برلين – بون) في العام 2020م، 2021م، نجد نقطة تحول في المقاربة الدولية للأزمة الليبية، حيث تم الانتقال من التركيز على الأطراف الليبية فقط وإلى إشراك الدول الخارجية المتدخلة بشكل مباشر. وفي هذا السياق كانت مشاركة دول خليجية فاعلة كالإمارات وقطر والسعودية ذات دلالة عميقة، كشفت عن مفارقة مركزية بين الأداء الدبلوماسي العلني والسياسات الفعلية على الأرض.

8- حيث اتضح أن مسار الحوار الليبي في بوزنيقة، في المملكة المغربية، نموذجٌ للدبلوماسية الموازية التي ركزت على ملف فني شديد الأهمية، وهو آلية توزيع المناصب السيادية المنصوص عليها في المادة 15 من اتفاق الصخيرات. وفي هذا السياق، يجب تحليل الموقف الخليجي، الذي بدا ظاهرياً محايداً أو داعماً بشكل غير مباشر، بوصفه انخراطًا استراتيجيًّا انتقائيًّا وليس مجرد موقف سلبي، والدور المباشر لدول مجلس التعاون في المحادثات لا يعني غياب التأثير أو المصلحة؛ فالترحيب والدعم الإعلامي الذي حظيت به مخرجات بوزنيقة من قبل دول فاعلة مثل الإمارات العربية المتحدة والمملكة السعودية لم يكن مجرد إشادة عابرة، بل كانت إشارة سياسية مدروسة يمكن تفسيرها من عدة زوايا أكاديمية، ولكن لم يتم استثمارها في حل الأزمة وفرض السيطرة على الأرض وإيقاف المواجهات المسلحة.

9- كما اتضح أن إعلان القاهرة "الذي أُطلق في يونيو 2020م، ليس فقط مبادرة للسلام، بل مناورة جيوسياسية استراتيجية جاءت في توقيت حاسم. لفهم عمق الدعم الخليجي الفوري لهذه المبادرة، من الضروري النظر إلى السياق الميداني آنذاك، وكان الزخم السياسي الذي منحته الرياض وأبو ظبي للمبادرة المصرية ذا أبعاد متعددة يعكس هذا التقارب في الرؤى بين الدول الثلاث توافقاً عميقاً على المحددات الاستراتيجية، ولكن تصاعدت الأزمة بين الأطراف الليبية وأصبح حلم ليبيا الموحدة صعب المنال، لا يمكن تجاوزه في أي تسوية مستقبلية وإجمالاً يمكن القول: إن دور مجلس التعاون الخليجي في الأزمة الليبية تم مواجهته من قبل القوى الدولية والإقليمية المختلفة مما حال دون الإسهام في حل الأزمة في ليبيا كاستحقاق ممكن يأمله الليبيون.

وخلاصة ذلك أن الاستحقاق الممكن قيام المجلس به تجاه الحل في ليبيا: وهو كيف يمكن الانطلاق من خلال مفهوم غير غامض لبناء تحليلات سياسية مطابقة للواقع لدول مجلس التعاون الخليج العربي تجاه الأزمة الليبية: فمن المأمول أن تتخذ شكلاً من أحد السيناريوهات التالية: السيناريو الأول: يتعلق بوضع استراتيجية واضحة وموحدة لدول المجلس للتعامل مع النخبة السياسية والأكاديمية والابتعاد عن جدلية التحييد والتفكك وتحميلها المسؤولية بمستوى التهديدات والمخاطر التي تتعرض لها البلاد والخوف من البلقنة والتقسيم والتفتت الاجتماعي وخطورة ذلك على وحدة البلاد.

السيناريو الثاني: يتعلق بنجاحها في توعية المجتمع الليبي ليدرك تلك المخاطر التي تحاك بالتدخل الخارجي ومنع أي محاولة للوفاق في البلاد وممارسة دوره التاريخي للكفاح تجاه الحل من خلال الانتخابات دون إقصاء أحد من أجل بناء دولة ذات سيادة، ونظام سياسي يحقق مقومات أمنها القومي. 

 السيناريو الثالث: أن ترعى دول المجلس موقفًا عربيًّا موحدًا لمنع تصادم الجهود لحل الأزمة مع جهود أممية وإفريقية تعمل على الحوار الجاد والحل السلمي في ليبيا؛ الأمر الذي قد يؤدي إلى وجود ضغوط خارجية لمنع الأطراف من المشاركة في الحوار والتوصل لحكومة وطنية، وأنه قد آن الأوان لإعادة النظر في العديد من المسلمات الراسخة في أذهاننا عن بعضنا البعض وتغليب المصلحة الوطنية على المصالح الضيقة لبعض أطراف النزاع.   

مقالات لنفس الكاتب