array(1) { [0]=> object(stdClass)#14195 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 216

إشكالية إثيوبيا في صراع الثروة والسلطة والمغالبة في الحكم والإزاحة قسراًً.. و 9 قوميات لغوية في إرتريا

الأحد، 30 تشرين2/نوفمبر 2025

 حقائق الخارطة الجغرافية والديموغرافية وتفاعلاتها في أيّ منطقة تساعد في معرفة   سيرورة التطوّرات الاجتماعية، السياسية، أنماط الحياة المعيشية، وتتبع مجريات الأحداث   فيه سلماً أو نزاعًا والدوافع التي تقف وراءها، كما تساهم في فهم وتفسير الطبائع والسلوكيات المتحكمة في سكان تلك البقعة التي عرفت بهم وعرفوا بها، وأسباب صراعات القوى الدولية والإقليمية عليها. فجغرافية القرن الإفريقي تقع في مساحة تبلغ أكثر من أربعة ملايين كلم مربع، يسكنها ما يقارب   من مائتي مليون نسمة، من إثنيات وقوميات   وديانات متعددة. وإن كان أمر الأصول الأول لهذه الأقوام والجماعات ومنحدرهم السلالي يعد من باب الظنيات والتقديرات مثل يرهم من الشعوب في المنطقة، إلاّ أنّ الشواهد المتوفرة والاستقراءات التقريبية حتى الآن، تشير إلى أنّ سكان هذه المنطقة ينتمون إلى سلالات تنحدر من أصول ثلاثة نيلية، كوشية، سامية.  وأعتقد أنّ أوّل من سكن هذه المنطقة، هي المجموعة النيلية، حتى مجيء المجموعة الكوشية التي دفعتهم إمّا إلى الاختلاط معهم أو النزوح إلى خارج تلك المنطقة أو التقوقع في مناطق محدودة فيها. أمّا المجموعة الكوشية فكانت منتشرة في المنطقة الممتدة من جنوب مصر إلى إرتريا والصومال وإثيوبيا بالمسميات الحالية. النوبة في المناطق الواقعة من جنوب مصر إلى شمال السودان، والبجة على طول ساحل البحر الأحمر وغربا حتى النيل والساهو والعفر والصوماليون في مناطق الساحل ابتداء من جنوب مصوع وصولًا إلى المناطق المعروفة اليوم بشمال شرق ككينيا، الأجو في الهضبة الحبشية، والسيداما والأرومو في مناطق الوسط الجنوبي للهضبة الحبشية وآخرين.   

أما المجموعة السامية   نزحت   إلى هذه المنطقة بعد انهيار سد مأرب واستوطنت في الهضبة الحبشية، منها انتشرت شمالًا، ونظراً لما كانت تتمتع به هذه المجموعة من آليات متطوّرة في الزراعة وتراث حضاري أصيل من ثقافة ولغة جئزية مكتوبة، استطاعت بمرور الزمن السيطرة على الهضبة والمنخفضات الشمالية. ويمثلها اليوم في المنطقة الأمهرا ، الجوراقي، الناطقون بالتغرنية والتقريت بالإضافة إلى أقوام آخرين في المنطقة.  وعلى الرغم بأنّ سكان هذه المنطقة قد تشكلوا عبر ردح من الزمن من تلك العناصر الثلاثة:(النيلية، الكوشية، السامية)، إلاّ أنّه اليوم لا يوجد فواصل واضحة بينها، أي المعروف في علم الأنثروبولوجيا الأصول البشرية الطبيعية صافية العرق، هيل إنّها مجموعات لغوية أصبحت تتكلم لغات من النوع النيلي، الحامي، السامي، واعترتها تداخلات وتحولات من مجموعة إلى أخرى. وأنّ هذا الامتزاج بين العناصر الثلاثة على مر الأجيال، نتج عنه في المحصلة النهائية هذا الخليط البشري الماثل أمامنا اليوم في المنطقة. مع ذلك فإنّ درجة الاختلاط تتفاوت من مكان لآخر، فكلما انحدرت من الهضبة الحبشية نحو الجنوب والجنوب الغربي تجد العنصر النيلي، بينما يبدو العنصر الحامي أكثر وضوحاً في الشمال وفي السهول الساحلية، وفي جزء من الهضبة والجنوب، ومثله في قبائل الصومال والأرومو وغيرهم. أمّا العنصر السامي أكثر هيمنة في أعالي الهضبة والمنخفضات الشمالية.  وكانت هذه المجموعات في السابق كانت تعيش في خارطة جغرافية متواصلة إلى أن جاء الاستعمار الأوروبي فقطّع أوصالها دون مراعات   التوزيعات الإثنية والقبلية واللغوية وغيرها. الأمر الذي أدى إلى  تقسيم   بعض المجموعات إلى دولتين أو أكثر يفصل بينها حدود مصطنعة، وكان لذلك تأثير  في أنماط   حياتها المعيشية وفي استقرار تلك البلدان لاحقًا أضف إلى ذلك  كان  المستعمر  يعتمد   في  بعض الجماعات دون الأخرى لأسباب  متعددة ، وحتى  بعد خروج المستعمر تواصلت تلك الظاهرة على شكل كتل قومية  تسيطر فيها  روح  الانتماءات  والولاءات  الفرعية ،  الأمر الذي  تسبب في فشل  عملية  الاندماج  الوطني  و تشكّل  هوية جامعة بين مختلف القوميات، وتطوير وسائل  تداول السلطة بينها بطرق سلمية  التي  يتساوى فيها كل المكونات  في الحقوق والواجبات . وازداد الأمر سوءًا بسب طبيعة النظم   الاستبدادية التي حكمت وتحكم دول القرن الإفريقي، التي تكرّس سيطرة مجموعة بعينها وتهمش الآخرين، وتعزّز ذلك بمبدأ القوة والغلبة.  وقد تأخذ الصراعات الشّكل المباشر أو أشكال تفويضية تمارسها الطبقة الحاكمة عبر العديد من المؤسسات الرسمية ضد الأفراد والجماعات المختلفة معها. الأمر الذي ينتج عنه صراعات وعنف مضاد قوامه السياقات الاجتماعية (إثنية، قومية، قبلية، إقليمية --) وتتداخل مع صراعات مركبة أخرى   ذات أبعاد إقليمية ودولية. وتشابك المستويات الثلاثة (المحلية، الإقليمية، الدولية) مع بعضها أدّى وتؤدي   إلى تطويل أمد   الصراعات في القرن الإفريقي.

وبالعودة إلى خارطة فسيفساء المنطقة في الوقت الحالي فإنّها تتميّز بتعدداتها الإثنية   واللغوية والدينية وأنماطها المعيشية. فالجماعات المكوّنة لإثيوبيا اليوم تصل إلى أكثر من 70 جماعة متباينة تعدد فيها اللغات والديانات  والتنوع الجغرافي،  أكبر هذه الجماعات   هي قومية الأرومو ،  تليها الأمهرة ، شعوب الجنوب، التيغراي، الصومال،  العفر، السيدامو  القوراقي، بني شنقشنقول إلخ--  وكانت السيطرة في الدولة الإثيوبية الحديثة  للأمهرة  إلى أنّ تزايد وعي القوميات الإثالإثيوبية الأخرى مطالبة بحقوقها،  فقامت  ثورات في  التيغراي ،  الأرومو ، الأوغادين  وغيرهم على غرار الثورة الإرترية ضد الإمبراطور هيلي سلاسي ولاحقًا لنظام   منجستو  في وحل صراعات مستمرة  حتى تآكلت  أطرافه و تمّ إسقاطه عام 1991م . ووصل إلى سدة الحكم  التيغراي وحلفائهم،  و التيغراي بدورهم  قاموا  بتمكين  قومية  التيغراي التي  تمثل 6% من  السكان  من السيطرة  في الحياة  العامة في إثيوبيا  سياسيًا وعسكريًا وأمنيًا  واقتصاديًا، إلى أن  أزيحوا  من الحكم عام  2018 م،  تحت  ضغط  من المظاهرات الشعبية  بقيادة  الأرومو، وانتقلت السلطة إلى آبي أحمد  وهو ما يعني  إنّ الحكم  لم يعد حكراً لمجموعتي الأمهرة والتيغراي  كالسابق بدخول  لاعب  جديد  مؤثر  في المعادلة السياسية  في إثيوبيا  وهي القوى الإرومية ، ودون تأخر  بعد وصول أبي أحمد  إلى السلطة  اندلعت  الحرب  الضروس  في  إقليم التيغراي  ولم يصل  الطرفان  حتى  الآن  إلى حل  نهائي، و حرب   أخرى انفجرت  في إقليم  الأمهرة  بين الجيش الفيدرالي وفانو  ومثله  في إقليم  الأرومو  ومازالت  الأعمال الحربية  نشطة في  البلاد. على العموم إنّ الخارطة السياسية للأطراف المؤثرة في إثيوبيا اليوم تتكوّن من الأمهرة ، الأرومو ، التيغراي، شعوب الجنوب، الصومال، العفر، بني شنقول وغيرهم.  وأنّ الإشكالية التي تواجهها إثيوبيا اليوم تكمن في الصراعات المزمنة في الثروة والسلطة بين تلك المكونات كما أن طابع تحولات السلطة في البلاد، كان ومازال يأخذ شكل انتقال السلطة من قومية إلى أخرى، بصيغة المغالبة بالقوة وإزاحة الآخر بها قسراً، الأمر الذي تسبب في عدم تشكّل هوية جامعة بين مختلف القوميات، وينتج عنه بالاستمرار عنف وعنف مضاد.  وللخروج من هذه الأزمة، هناك حاجة ملحة إلى بناء معادلة وطنية. وتطوير وسائل تداول السلطة بطرق سلمية بين المكونات المختلفة. 

 أمّا سكان الدولة الإرترية الحديثة يتكوّنون من تسع قوميات لغوية ( التغرنية ، التقري، البلين، الحدارب ، النارا ، الكوناما ،  الساهو ، العفر، الرشايدة ) والمجموعة الأولى والثانية هما أكبر مجموعتين في إرتريا من الناحية العددية والقوة.  وتنتشر القوميات   جغرافيًا في الهضبة والمنخفضات والسهول الساحلية، وأنّ الشخصية الوطنية الإرترية    تشكّلت عبر النضالات الطويلة ومرحلة الدول. وفي المرحلتين وهناك عوامل تتحكم في   السلوك السياسي الإرتري، وهي الثنائيات: الإسلام والمسيحية، اللغة التغرنية والعربية، المرتفعات والمنخفضات، وأمور أخرى متفرعة من هذه الثنائيات.  وإنّ هذه الثنائيات ليست بمشكلة في حد ذاتها، لكن تتحول إلى مشكلة إذا استغلت في الصراع السياسي من قبل الفاعلين السياسيين، دون الاكتراث للسلم الاجتماعية بمفهومه الواسع والمصلحة العامة المتوخية من العملية السياسية ـ وإنّ الحل يكمن في ترسيخ مبدأ الوحدة الوطنية بين كافة أبناء الشعب الإرتري، وأن يكون مبدأ المساواة بينهم على أساس الحقوق والواجبات.  أمّا دولة جيبوتي فإنّ سكانها يتكّونون من مجموعتين رئيسيتين، هما الصوماليون والعفر وأقلية عربية مهاجرة وخاصة من اليمن، فإن استقرار الدولة فيها يتوقف في توازن وتوافق تلك المجموعات.   

أما سكان دولة الصومال فهم من مجموعة واحدة متجانسة إثنيًا ولغويًا ودينيًا وحتى في العادات والتقاليد والأنماط المعيشية إلخ. وهي حالة فريدة من نوعها في المنطقة.  إلا أنّ   هذا التجانس لم يجعل الصومال في مأمن من الصراعات في الثروة والسلطة، التي أخذت أشكال قبلية ومناطقية، تزامن معها تأثيرات القوى الخارجية التي لها أطماع في الصومال، هذه الأمور وغيرها مجتمعة أدت إلى انهيار الدولة الصومالية عام 1991م، ودخلت البلاد في أزمة شاملة سياسية وأمنية وقتالية عشائرية وتدخلات أجنبية. وعلى الرغم من بعض التحسن التي شهدته البلاد خلال العقد الأخير، مازال الصومال يواجه انقسامات داخلية وتحديات اقتصادية وضعف الحكومة المركزية وتوتراتها مع الولايات شبه المستقلة.  وتهديدات أمنية من الإرهاب والقراصنة، مع وجود لاعبين آخرين في البلاد ميليشيات قليلة، جهات انفصالية، جماعات متطرفة، انتشار السلاح غير المشروع في البلاد، تدخلات خارجية، هذه العوامل وغيرها مجتمعة تجعل الأزمة الصومالية مازالت أكثر تعقيداً وتهديداً لأمن وسلامة الصومال والمنطقة بشكل عام.    

   الخلاصة  

 إنّ منطقة القرن الإفريقي تعاني من عدم الاستقرار منذ زمن طويل؛ ويُعزى ذلك إلى عوامل عدة منها: تعدد الإثنيات والقوميات والهويات الثقافية مع غياب الدولة الوطنية التي تستوعب تلك التنوعات المتباينة على أساس العدل والمساواة، طبيعة أنظمة الحكم. اختلاط الجغرافية القبلية عبر الحدود، قضايا ترسيم الحدود تنافس القوى الخارجية على المنطقة.      وإن معالجة هذه الإشكاليات تحتاج إلى مقاربة شاملة تدمج كافة المكونات بتنوعاتها المختلفة في العملية السياسية على مبدأ العدل والمساواة، وتعزيز دور الحكم الرشيد، وتحويل اهتمام القوى الدولية والإقليمية إلى منطلق تكاملي وتبادل المصالح.

مقالات لنفس الكاتب