يُعدّ موضوع التعددية العرقية والقومية والإثنية في الصومال من القضايا المحورية لفهم ديناميكيات بناء الدولة، وتشكيل الهوية الوطنية، واستمرار التوترات الداخلية والتدخلات الخارجية. فبالرغم من أن غالبية سكان الصومال ينتمون إلى أصل قومي ولغوي موحَّد، فإن البنية القبليّة والعشائريّة، بالإضافة إلى الإرث الاستعماري وغياب التوافق السياسي والفشل في إدارة التنوع يشكل بعداً مهمّاً لفهم كيف تُدار الدولة الصومالية في سياق هشّ حتى وقتنا الحاضر. ولذلك فإن دراسة وفهم التركيبة التعددية العرقية والقومية والإثنية في الصومال تعتبر مفتاحًا لفهم حاضر الصومال ومستقبله.
مفهوم التعددية الإثنية والقومية
في الأدبيات السياسية والأنثروبولوجية، تُفهم “التعددية الإثنية” على أنها وجود جماعات متعددة ذات أُصول عرقية أو ثقافية ضمن دولة أو مجتمع. و"القومية" تُشير إلى الأُطر التي ترتبط بهوية جماعية والولاء للأمة تتجاوز الولاءات العشائرية أو الفردية، وغالبًا ما ترتبط بالسياسة والأيدلوجية والدولة. من منظور بناء الدولة، يُنظر إلى التعددية الإثنية كمصدر للثراء الثقافي وكذلك كمصدر محتمل للنزاع إذا لم تدار بصورة شاملة وعادلة. وهناك علاقة وثيقة بين التعددية الإثنية والوعي القومي وبناء الدولة حيث يُفترض أن الدولة القوية قادرة على بناء هوية وطنية جامعة تدير اختلافاتها الداخلية عبر مؤسسات دستورية، وتتوزع فيها السلطة والثروة بطريقة عادلة. ولكن في حالات الدول الهشّة، غالبًا ما تبقى الهويات القبلية مهيمنة ومقدمة على الولاء للامة، ما يُضعف الوحدة القومية الوطنية وبالتالي تكون عبئًا على الدولة والمجتمع. تكمن أهمية التعددية الإثنية والوعي القومي في قدرة المجتمعات على تحقيق الاستقرار والتقدم في ظل التنوع. فالأولى تُظهر التنوع كقوة وثراء فكري وبشري للدولة، بينما يعزز الوعي القومي الشعور بالانتماء المشترك فوق الانتماءات الضيقة، مما يساهم في تحقيق التكامل بين المجموعات المختلفة ويساعد في عملية بناء الدولة الحديثة واستقلال القرار السياسي ومنع التدخلات الخارجية.
التركيبة الإثنية والقومية في الصومال
تشير الأدبيّات إلى أن الناس الذين يعيشون في منطقة الصومال الحالية ينحدرون أساسًا من الشعوب الكوشيّة والعربية. تداخلت وامتزجت مع شعوب وأجناس عديدة من داخل المنطقة وخارجها بالتزاوج والتناسل ليشكلوا قومية واحدة هي القومية الصومالية من أكبر القوميات المتماسكة في إفريقيا، فهم متجانسون إلى حد كبير ومتميزون عمن حولهم، سواء من ناحية اللغة أو الدين أو العادات والتقاليد، إذ تصل نسبة التجانس الإثني في الصومال إلى حوالي92%.
وتُظهر البيانات الرسمية بأن حوالي 85 % من سكان الصومال ينتمون للقومية الصومالية في حين تشكل مجموعات عرقية متعددة النسبة الباقية، والبالغة 15%، منها: البانتو والبناديريون والباراوانيون والباجونيون بالإضافة إلى جاليات تنحدر من أصول يمنية وهندية وفارسية وإيطالية بعضها قديم والبعض الآخر قدم مع الاستعمار الإيطالي والبريطاني للبلاد.
ورغم أن الصومال توصف عادة بأنها دولة "موحدة عرقيًا" لأن أغلبية سكانها ينتمون إلى قومية واحدة ويتحدثون لغة واحدة، إلا أن ذلك لم يمنع من وجود شبكة معقدة من الانتماءات الإثنية. حيث ينقسمون إلى عدد من العائلات القبلية تتفرع بدورها إلى عشائر وبطون يمكن حصرها في خمس عشائر عائلية كبيرة هي: الدير والإسحاق والهاوية والدارود والرحانويين، التي تسمى أحيانًا مجموعة ديجيل-ميريفل (يمكن الرجوع إلى كتاب القبائل الصومالية: النشأة والتكوين والتطور لمؤلفه أنور أحمد ميو لمزيد من التفاصيل). هذه القبائل لها أقاليم نفوذ تقليدية داخل الصومال فمثلاً: الدير غالبًا ما يتواجدون بشكل رئيسي في الجزء الغربي من أرض الصومال والجزء الجنوبي منها؛ الإسحاق يتواجدون بشكل رئيسي في الجزء الأوسط من أرض الصومال؛ الدارود يتواجدون بشكل رئيسي في بونتلاند، والجزء الشرقي من أرض الصومال والجزء الجنوبي من الصومال؛ الهوية يتواجدون بشكل رئيسي في وسط الصومال؛ الرحانويون، تتواجد بشكل رئيسي بين نهري جوبا وشبيلي.
كما أن بعض هذه القبائل ينتشر في كل من أثيوبيا وجيبوتي وكينيا، فقبيلة الهوية أكبر القبائل لها امتدادات على الحدود الشمالية في كينيا وإقليم الصومال الغربي في أثيوبيا، وقبيلة الدارود أيضًا لها امتدادات في إقليم الصومال الغربي وكينيا، وقبيلة الإسحاق التي تعتبر من أكبر القبائل في شمال الصومال، ينتشر جزء منها في جيبوتي ومنطقة هود التي ضمتها بريطانيا إلى أثيوبيا، وتنتشر قبيلة الدير في جيبوتي وإقليم الصومال الغربي في أثيوبيا. هذا التوزّع الجغرافي لهذه المجموعات له أهمية من حيث إنه يشكّل أحد جذور التراكمات الاجتماعية والاقتصادية الموروثة.
هذه المجموعات العشائرية تلعب دورًا مركزيًا في الحياة الاجتماعية والسياسية. فالانتماء إلى عشيرة قوية له أهمية كبيرة للصوماليين فيما يتعلق بالوصول إلى الموارد والنفوذ السياسي، حيث تُعد العشيرة أداةً للتعريف ووسيلة لتحديد العلاقات، ومطية للنفوذ السياسي والاجتماعي والديني ما يفرض على جميع الأطراف المتصارعة التعامل معها واستغلالها في بعض الأحيان بما في ذلك حركة الشباب المتشددة. أما المجموعات التي لا تنتمي إلى عشائر قوية والتي غالبًا ما تنتشر في المناطق الريفية أو شبه القبلية (الرعاة المتنقلين)، فهي تواجه تهميشًا من حيث التمثيل السياسي والتوظيف والوصول للموارد.
والمعروف أن التعددية الإثنية ظاهرة طبيعية، يكاد لا يخلو منها مجتمع، فكل المجتمعات الحديثة تتكون من جماعات إثنية مختلفة تتفاعل فيما بينها في نطاق الدولة، فالتعددية شيء طبيعي ولها وجود في كل المجتمعات الإنسانية. مشكلة الصومال ليست في التعدد نفسها ولكن نتيجة تبني نظام سياسي يقوم على صيغة عشائرية حيث يتم توزيع المناصب والوظائف وتقاسم السلطة والاستحقاق الانتخابي على أساس المكونات القبلية. وقد تم اعتماد صيغة 4.5 (وفيه تحصل العشائر الأربعة الرئيسية على حصة كاملة بينما تحصل مجموعة من العشائر الأقلية على نصف الحصة 0.5) كآلية محاصصة لتقاسم السلطة في مؤتمر عرتا للمصالحة في جيبوتي في عام 2000م، ومنذ ذلك الحين يتم توزيع السلطة في الحكومة المركزية وفق هذا النظام الذي يحرم الكثير من الشعب الصومالي من حقوق متساوية ويفاقم من الظاهرة القبلية حيث تُستثنى او تُهمَّش القبائل ذات الأقلية ما يحول البُعد الإثني إلى بُعد سياسي. وهناك محاولات كثيرة لإلغاء هذا النظام وقد دعا الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في كلمة له بمدينة "عرتا" الجيبوتية في 31 أكتوبر الماضي من هذا العام 2025م، بمناسبة مرور ربع قرن على مؤتمر المصالحة الوطنية الصومالية عام 2000م، دعا إلى تجاوز نظام المحاصصة العشائرية، مؤكدًا أن هذا النظام انتهت مدته وأصبح عقبة أمام بناء دولة حديثة تقوم على المساواة والعدالة. ودعا إلى الانتقال إلى نظام حزبي وتنظيم انتخابات عبر تصويت شعبي مباشر وهو ما تسعى حكومته إلى تطبيقه في الانتخابات القادمة في 2026م.
محاولة لفهم جذور النزاعات القبلية والعشائرية وفشل إدارة التعدد في الصومال
في المجمل يمكن القول بأن ما يعانيه الشعب الصومالي من فشل في إدارة التعدد واستمرار الصراعات والتدخلات من قبل الدول الكبرى ودول الجوار له جذور عميقة تعود في الأصل إلى مرحلة الاستعمار الأوروبي وما قبلها وما بعدها. حيث لعبت الحالة الاجتماعية والسياسية قبل الاستعمار والحدود التي رسمتها القوى الأجنبية، ثم الصراعات الداخلية على السلطة بعد الاستقلال، والتدخلات الخارجية المستمرة دورًا حاسمًا في تشكيل الوضع الحالي. أما مرحلة ما قبل الاستعمار نجد أن المنطقة الواسعة التي سكنها الصوماليون لم تشهد نظام حكم سياسي مركزي موحد تنضوي جميع القبائل تحت لوائه، فقد شهدت المنطقة العديد من السلطنات والممالك العشائرية خاصة في المدن الساحلية تفكك بعضها إلى مجموعات عشائرية صغيرة بفعل التنافس والحروب الداخلية والتدخلات الخارجية مما مهد لمجيئ الأوروبيين وبسط سيطرتهم على المنطقة في الربع الأخير من القرن التاسع عشر. ومما زاد الأمر تعقيدًا تقاسم أربع قوى استعمارية الأراضي الصومالية هي إيطاليا وبريطانيا وفرنسا وإثيوبيا، بالإضافة إلى كينيا التي ضمت إليها الإقليم الجنوبي الغربي ويسمى الآن بالصومال الكيني. وقد أعطت هذه القوى طابع الشرعية على مستعمراتها من خلال توقيع اتفاقات مختلفة مع شيوخ القبائل ورؤساء العشائر والسلطنات المتفرقة. وفي الغالب لم يتم تغيير في البنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للمجتمع الصومالي التقليدي وتم التعامل معه بل تم تكريسه من خلال استغلال الزعامات العشائرية خدمة لمصالحه وبالتالي احتفظ كيان المجتمع خلال فترة الاستعمار بأطره السياسية التقليدية التي سادتها هيمنة الثقافة العشائرية السياسية.
كانت هذه التجربة دافعًا قويًا للشعب الصومالي وقواه السياسية للعمل على إعادة الوعي بالذات ولترميم الهوية القومية الجامعة والعمل من أجل وحدة التراب. ولذلك فقد قامت الجمهورية الصومالية ما بعد الاستقلال على حلم بناء دولة قومية تشمل جميع الصوماليين وتم رفض قبول الحدود التي خلفها الاستعمار على خلاف بقية الدول الإفريقية التي دعت إلى تقديس الحدود الاستعمارية ووقعت معاهدات إقليمية ترمي إلى حفظ هذه الحدود. وطالب الصوماليون بالصومال الكبير واسترجاع ما تم توزيعه على دول الجوار من قبل المستعمرين.
وقد أتيحت للصوماليين بعد الاستقلال الفرصة لإنشاء دولة قومية حديثة أكثر من أي دولة أخرى من الدول الإفريقية ولكن انهارت هذه الدولة بعد ثلاثين عامًا من استقلالها وهو ما بدا محيرًا لكثير من الدارسين. فقد فشلت الدولة بعد الاستقلال في إدماج الشعب الصومالي في نظام سياسي يَعترف بهم كمواطنين متساوين، وليس كمجرد مواطنين تابعين لقبائلهم. ولم توفق الحكومات المتعاقبة رغم المحاولات من تجاوز الهوية القبلية، وظل التمايز القبلي مؤثرًا في التمثيل السياسي وفشلت محاولات تغيير الولاءات القبلية ليكون الولاء للوطن ومؤسسات الدولة.
وبانهيار الدولة المركزية عام 1991م، فتح المجال واسعاً أمام دوَّامة العنف الداخلي والمزيد من التدخلات الخارجية الإقليمية والدولية، مما جعل الشعب الصومالي الذي كان نموذجاً فريداً من حيث التجانس والوحدة القومية هو نفسه مرة أخرى نموذجًا للفرقة والاقتتال وعدم الاستقرار. وعاش الشعب الصومالي خلال العقود السابقة أزمة سياسية خانقة ما تزال آثارها ماثلة حتى الآن والتي تتمظهر في النظام السياسي القائم على أساس عشائري ونظام فيدرالي قبلي مناطقي وتدخلات خارجية مستمرة.
إذًا التعدد الإثني والعشائري في الصومال واقع لا يمكن تجاهله وقد كان وما يزال عبئًا على الدولة نتيجة عدم التعامل معه بالشكل الصحيح. ولا يمكن حل إشكالية هذا التعدد إلا بالاعتراف به والتعايش معه وهي النتيجة التي توصلت إليها الكثير من الدول ذات التعدد العرقي والإثني فالمشكلة الحقيقية ليست في شكل النظام السياسي أو الإداري والذي يمكن تغييره أو إصلاحه ولكن المشكلة الحقيقية تكمن في عدم استعداد قيادات المجتمع الصومالي للقبول بهذا التعدد والعيش المشترك وبناء الدولة على أساس المواطنة المتساوية والشراكة الحقيقية رغم توفر المقومات لذلك.






