فلسطين مهبط الديانات وملتقى الثقافات شهدت تحولات ديموغرافية ودينية وسياسية لم تتوقف، ومثلت نموذجًا فريدًا لتعايش أصحاب الديانات السماوية الثلاثة، وهذا شكل جوهر الهوية الوطنية والحضارية للفلسطينيين، حيث ساهم التنوع الديني والإثني في إثراء الحياة الاجتماعية والثقافية. كذلك تأثرت التركيبة الديمغرافية والاجتماعية بصراعات النفوذ بين الإمبراطوريات التي حكمت المنطقة، حيث مثلت فلسطين مسرحًا لتلك الصراعات التي أثرت في واقع الأقليات الدينية في فلسطين عمومًا.
تمثل الطوائف المسيحية أبرز نماذج التعايش في المجتمع الفلسطيني، والتي تشاركت النضال الفلسطيني ضد المشروع الصهيوني في فلسطين، والتزمت خطًا وطنيًا متمسكًا بالحقوق الوطنية للفلسطينيين. ويبرز المقال التمثيل المجتمعي للطوائف المسيحية وواقعها في قطاع غزة، وتأثير حرب الإبادة على المسيحيين وتوجهاتهم المستقبلية. وقد أجري الباحث مقابلة مع "جورج أنطون"، مدير عمليات البطريركية في القدس الموجود في غزة لتدقيق بعض المعلومات وتحديثها.
أولًا: السياق التاريخي والتمثيل المجتمعي للطوائف المسيحية في غزة
تدلل الأركيولوجيا الفلسطينية أن ملوك الفراعنة كانوا يولون اهتمامًا كبيرًا لتلك المنطقة ويتابعون الحكم فيها، وأحيانًا عبر التعيين المباشر. ثم نقلت لنا الحضارة الكنعانية قصة التطور والتواصل الإنساني. ولقد شهدت فلسطين - المقدسة بالنسبة للديانات السماوية الثلاثة- كثيراً من الصراعات والتقلبات السياسية، وطبيعي أن يصحب ذلك تغييراً في التركيبة الديموغرافية.
مثلت غزة منارة ثقافية وحضارية في العهد اليوناني والروماني؛ انتشرت فيها المسيحية في القرن الرابع الميلادي، وشيد فيها الكنائس والأديرة، مثل كنيسة "القديس بورفيريوس" التي شيدت عام 407 ميلادي، والتي تشهد على وجود متجذر للمسيحية في غزة. وبعد دخول الإسلام فلسطين (634- 636م)؛ تسلم خليفة المسلمين "عمر بن الخطاب" مدينة القدس سلمًا، وضمنت "العهدة العمرية" للمسيحيين حرية الاعتقاد والعبادة والعمل والتنقل والتعايش السلمي مع المسلمين. ويدين الغالبية العظمى من الفلسطينيين بالدين الإسلامي، مع وجود محدود نسبيًا وجغرافيًا للطوائف اليهودية والسومريون مثل القدس والخليل ونابلس، ويحتفظون بهويتهم الثقافية والدينية، وفي نفس الوقت منخرطين ومتعايشين في المجتمع العربي الفلسطيني على أساس قومي وليس ديني.
وتمثل التعددية الدينية في فلسطين عمومًا نقطة التقاء ديني وأنموذجاً حيّا للتعايش، إذ تمثل القدس رمزاً للتنوع الديني. بالإضافة لكنيسة المهد في بيت لحم والتي تعتبر أقدس الأماكن بالنسبة للمسيحيين. ويوجد في غزة ثلاث طوائف مسيحية، هي الروم الأرثوذكس (الشرقية) والكاثوليكية (اللاتين/ الغربية)، والطائفة المعمدانية أو الإنجيلية، وتنخرط جميعها في النسيج الاجتماعي الفلسطيني، وتساهم في إثراء الهوية الثقافية للفلسطينيين.
انخفض عدد المسيحيين في فلسطين بشكل مضطرد منذ النكبة عام 1948م، فقد بلغ عدد المسيحيين في (الضفة الغربية والقدس وغزة) حوالي 50 ألف شخص عام 2022م، وقد انخفض عدد المسيحيين في غزة بشكل كبير خلال العقود الأخيرة، حيث وصل عددهم 3500 شخص قبل عام 2007م، وكان لسيطرة حركة حماس على غزة دور في تقلص أعداد المسيحيين بسبب الحصار وتصاعد التوترات الأمنية وتراجع الشعور بالأمان، حيث وصل العدد إلى 1050 شخص عند بداية الحرب أكتوبر 2023م.
أما الوجود اليهودي في غزة فيعود إلى العصر الهلنستي، وقد ذكرت غزة في التوراة، وعاشت بها جالية يهودية واستمرت في العهد البيزنطي، واستمر وجودهم في غزة بعد دخول الإسلام في القرن السابع الميلادي، ولم يطردوا منها بل سمح لهم بممارسة شعائرهم الدينية. وظل التواجد اليهودي في غزة لحين قيام دولة إسرائيل، حيث غادروها بالكامل، ثم عادوا وبنوا فيها مستوطنات يهودية بعد احتلالها عام 67، وأجليت هذه المستوطنات بشكل كامل عام 2005م.
ثانياً: واقع الطوائف المسيحية في قطاع غزة وحقوقهم في السياق الفلسطيني
يحدد القانون الأساسي الفلسطيني الإسلام ديناً رسمياً للدولة، والمصدر الرئيسي للتشريع، لكنه ينص أيضاً على حرية الاعتقاد والعبادة وممارسة الشعائر الدينية بما فيها اليهودية ما لم تُخِل بالنظام العام. كما يحظر التمييز على أساس الدين، ويدعو إلى احترام "جميع الأديان السماوية"، وينص على تساوي جميع المواطنين أمام القانون. ويعترف القانون الفلسطيني بالطوائف المسيحية رسمياً وبأعيادها، ويمنحها حرية إدارة شؤونها الدينية. وهناك علاقة احترام متبادل بين المسلمين والمسيحيين في المجتمع الفلسطيني؛ كان الرئيس "ياسر عرفات" حريصًا على تعزيزها.
كما يضمن القانون للمسيحين حق الانتخاب والترشح للمجالس التشريعية والبلدية، مع تخصيص مقعد مضمون لهم رغم قلة عددهم. ورغم أن قوانين السلطة الفلسطينية تنطبق نظرياً على قطاع غزة، إلا أن حركة حماس تفرض سيطرتها الفعلية على الشؤون الأمنية والعامة منذ 2007م، وقد سبق أن فرضت حركة حماس نمطاً إسلامياً على المجتمع الفلسطيني؛ مع التضييق على الحريات العامة خلال انتفاضة الحجارة 1987م، وفرض الزي الشرعي على النساء بالقوة أحياناً، ما خلق حالة قلق لدى المسيحيين. كذلك برز خلال حكم حماس لغزة خطاب ديني متطرف من جماعات سلفية متشددة لا يعزز التسامح، بل أفرز حوادث أمنية ضد مسيحيي (2007، 2012م)، ما شكل تهديدًا للوجود المسيحي في غزة.
رغم القلة العددية للمسيحين في غزة إلا أنهم لعبوا دوراً كبيراً في حركة التضامن العالمي مع غزة خلال الحرب، وتقدم المؤسسات المسيحية مساعدات إغاثية متنوعة، بما يعزز صمود الأسر الغزية عموماً. في المقابل، لا تفرق حرب الإبادة الإسرائيلية بين مسلم ومسيحي، وتحت دواعي أمنية كانت إسرائيل تمنع انتقال مسيحيي غزة للضفة والمشاركة في الفعاليات المسيحية، ما يمثل تعدي على حرية العبادة.
ثالثاً: التحدّيات التي تواجه التواجد المسيحي في ضوء حرب الإبادة على غزة
أثرى الوجود المسحي الهوية الوطنية الجامعة للفلسطينيين، وشكل مصدر قوة لإثبات الحقوق الفلسطينية، كما عزز التسامح الديني والتعايش في غزة. في المقابل؛ عانى المسيحيون الحروب المتكررة والحصار، وتدهور الخدمات والقيود، ما أدى الى تراجع أعداد المسيحيين في غزة، ومع اندلاع الحرب رفض المسيحيين إجلاءهم جميعاً من غزة، وصدر بيان عن الكنيسة والبابا "فرنسيس" يرفض تهجير الفلسطينيين عموماً من غزة وخصوصاً المسيحيين، وبقي فيها 560 شخصًا؛ رفضوا الإجلاء من غزة بدافع وطني محض، واختاروا البقاء في الوطن؛ فواجهوا القصف والقتل والتشريد.
قتل خلال الحرب حوالي 23 مسيحيًا بشكل مباشر، وحوالي 30 مسيحيًا فقدوا حياتهم بسبب ظروف الحرب، والعالم أجمع شهد قصف "كنيسة القديس بورفيريوس" في أكتوبر 2023م، واستشهاد 19 مسيحياً، بالإضافة لهدم الكنائس والمؤسسات المسيحية، وما تبقى منها تحول لمراكز إيواء، كما فقدت الأسر المسيحية كغيرها الإحساس بالأمان والخدمات الأساسية، مع تدهور التعليم والصحة وسبل العيش.
خاتمة: أطروحات السلام والتعايش بديلا للحرب الدينية
غالبًا ما يطغى المحرك الديني على الصراعات والحروب، لكن فلسطين لم تشهد حروباً دينية داخلية، لكنها كانت دوماً هدفاً للقوى الاستعمارية التوسعية، التي تلاقت أطماعها مع أهداف المشروع الصهيوني.
ظلت فلسطين وطناً لكل سكانها من الأديان المختلفة، لدرجة أن هناك طوائف دينية يهودية غير صهيونية تعترف بحقوق الشعب الفلسطيني، وتتبنى أطروحات دينية غير سياسية، وتقبل العيش تحت حكم فلسطيني؛ مثل طائفة "ناتوي كارتا" التي ترفض قيام دولة إسرائيل أصلاً وتعتبره خرقاً لتعاليم التوراة. في المقابل؛ تبرز النزعة القومية اليهودية في المجتمع الإسرائيلي، ويصر قادة الصهيونية على تحويل الصراع السياسي على الأرض لحرب دينية، رغم أن الفلسطينيين لا يعادون اليهودية كديانة، بل يواجهون المشروع الصهيوني (الإحلالي)، بدليل التعايش السلمي والشراكة الوطنية بين الطوائف المسيحية والمسلمة ضد الاحتلال الصهيوني لفلسطين.
تبقى التعددية الدينية في فلسطين وغزة رمزاً للتعايش الاجتماعي والثقافي في مواجهة الفاشية الصهيونية، حيث لعب المسيحيون دوراً مهماً في المشروع الوطني الفلسطيني؛ عكس انتماءً وطنياً راسخاً لفلسطين وللحقوق الفلسطينية، حيث واجهت الأسر المسيحية في غزة ظروف الحرب وتداعياتها الكارثية، وبقي جزء منهم يرفض التهجير أو حتى الخروج من غزة، وهذا يستوجب دعم الوجود المسيحي في فلسطين وغزة تحديداً، ودعوة الطوائف المسيحية في الخارج لتكثيف تواجدها في غزة وفلسطين، وذلك لضمان استمرار التنوع الديني كمصدر قوة للمجتمع الفلسطيني وللأجيال القادمة.
وفي هذا الصدد؛ يجب التركيز على المبادرات العربية والفلسطينية للسلام والتعايش السلمي التي تحفظ حقوق الأقليات الدينية ومنها اليهودية، وإبراز المساعي الفلسطينية من أجل السلام، وخصوصاً أطروحات التسوية السياسية التي يتبناها "محمود عباس"، ومخرجات مؤتمر حل الدولتين الأخير، والعمل فلسطينياً وعربياً؛ إسلامياً ومسيحياً؛ على إيصال خطاب التعايش السلمي للرأي العالمي والمجتمع اليهودي والإسرائيلي خصوصاً، بما يعزز جهود تحقيق السلام العالمي.






