تونس واحدة من أكثر الدول العربية تماسكاً من حيث الدولة، والهوية الوطنية، حيث ترجع جذورها إلى آلاف السنين من التنظيم الإقليمي المستمر من قرطاج إلى الجمهورية المعاصرة. وعلى الرغم من وجود أقليات عرقية ودينية، فإن أهميتها السياسية تظل هامشية في إطار وطني متماسك نجح في دمج الطبقات التاريخية المتنوعة في هوية تونسية موحدة. تحدث التحديات المعاصرة المتعلقة بالهجرة الإفريقية والديناميات الإقليمية في سياق القدرات القوية للدولة والتماسك الوطني، مما يميز تونس عن الدول العربية المجزأة حيث تقوض الانقسامات العرقية أو الطائفية السلطة المركزية.
مقدمة: عراقة الدولة والتماسك الوطني
تكمن الأهمية التحليلية لتونس على وجه التحديد في استثنائيتها في العالم العربي المعاصر. يعود مفهوم الدولة التونسية إلى آلاف السنين قبل معظم الدول القومية الحديثة، حيث ترسخ في التنظيم السياسي القرطاجي (القرن التاسع قبل الميلاد)، واستمر خلال الإدارة الرومانية والبيزنطية، وتوطد في ظل السلالات الإسلامية، وحُفظ خلال الحكم العثماني المستقل حتى الاستقلال الجمهوري. وقد أدت هذه الاستمرارية إلى ما يعترف به علماء المقارنة بأنه” قدرة دولة “قوية بشكل غير عادي - وهي القدرة المؤسسية على استخراج الموارد، والحفاظ على النظام، وتنفيذ السياسات في جميع أنحاء الإقليم - مقارنة بالدول ما بعد الاستعمار في أماكن أخرى من المنطقة.
ولا يقل عن ذلك أهمية عمق تكوين الهوية الوطنية. على عكس العراق أو سوريا أو ليبيا، حيث جمعت الحدود الاستعمارية مجتمعات قبلية أو طائفية أو عرقية متباينة، فإن وحدة الأراضي التونسية وتمازجها الثقافي سبقا التدخل الأوروبي. وفي تونس منذ الاستقلال، يبدأ المنهج التعليمي، منذ المدرسة الابتدائية، بالفعل بالأسس البربرية-القرطاجية، ويتناول بعد ذلك الحضارات المتتالية كالرومان، والوندال، والبيزنطيين، ثم العرب المسلمين، وصولًا إلى الإسبان والعثمانيين، فالفرنسيين، ثم الحركة الوطنية والاستقلال. وهذا من شأنه أن يجعل أجيالًا متتالية تعي أهمية التواصل التاريخي للدولة والترابط القومي للمجتمع، مما يضع التونسيين المعاصرين في موقع ورثة حضارة تنافست مع روما على الهيمنة على البحر الأبيض المتوسط. يوفر هذا السرد التاريخي أساسًا مدنيًا يتجاوز الانتماءات العرقية أو الدينية الضيقة.
الرسم البياني 1: عمر الدولة المستمرة في العالم العربي

عمر الدولة مقارنة بين الدول العربية الرئيسية، مع تسليط الضوء على استمرارية تونس التاريخية الاستثنائية: يوضح هذا الرسم البياني بشكل دراماتيكي المكانة الاستثنائية لتونس في العالم العربي، إلى جانب مصر، باعتبارها دولة ذات أصول قديمة. في حين أن معظم الدول العربية تأسست في القرن العشرين في أعقاب التدخلات الاستعمارية، فإن دولة تونس تعود إلى 2800 عام إلى العصر القرطاجي، مما يدل على استمرارية إقليمية ومؤسسية ملحوظة.
التركيبة العرقية والدينية: الأقليات في إطار الوحدة الوطنية
تعكس الحقيقة الديموغرافية هذا التكامل التاريخي سالف الذكر. فإن ما يقرب من 98٪ من التونسيين يعتبرون أنفسهم عربًا ومسلمين، وتشكل الأقليات نسبة ضئيلة: تقدر المجتمعات الأمازيغية بنسبة 1-2٪، والسكان اليهود أقل من 2000، والمسيحيون حوالي 7000-10000 (معظمهم من المقيمين الأجانب)، والأقليات الدينية الأخرى بالمئات. فهل هذه الأرقام تقلل من أهمية النمط الواسع للتوليف الثقافي الذي تم من خلاله استيعاب العناصر البربرية والأفريقية والمتوسطية في هوية تونسية موحدة منذ قرون بدلاً من الحفاظ عليها كأطر مجتمعية منفصلة؟ ليس بالقدر الذي قد يتصوره البعض، والأرقام نفسها دالة على ذلك. وعلى وجه المقارنة، فإن نسبة الكورسيكيين (شعب جزيرة كورسيكا الفرنسية) والبريتون (أصيلو شبه جزيرة بريتاني في الشمال الغربي) تبلغ بالنسبة للأولى: 0.5 ٪، والثانية: 5.1 ٪ بالقياس إلى مجمل الشعب الفرنسي. وهناك أحزاب ومجموعات تطالب بالاستقلال عن فرنسا منذ عقود. إلا أن ذلك لم يحصل، ولم يهزّ الدولة الفرنسية. ولا نتحدث عن مجتمع المسلمين الذي يبلغ ملايين، ولكن فرنسا تخضع لقوانين الدولة العلمانية منذ ثورة 1789 ونشأة الجمهورية. وهي لن تتغير. وهذه النسب تعلو على ما هو موجود في تونس كثيرا، وبالتالي لا مجال لتصور سيناريوهات اهتزاز اجتماعي على أساس إثني أو ديني. فهذا لن يحدث في تونس.
وعلى الرغم من الأهمية الثقافية لوجود الأمازيغ في المناطق الجنوبية مثل جربة وسلسلة جبال الظهر، إلا أن ذلك الوجود يفتقر إلى التنظيم السياسي أو الوزن الديموغرافي الموجودين في الجزائر والمغرب. تدعو الجمعيات الأمازيغية التي ظهرت بعد عام 2011م، إلى الاعتراف الثقافي بدلاً من الحكم الذاتي الإقليمي أو التمثيل السياسي المنفصل. وتركز مطالبها على الحفاظ على اللغة والاعتراف بالتراث في إطار وطني، وليس على تحديات الوحدة الوطنية. وليس واضحًا ما يعنون بالاعتراف بالتراث في إطار وطني، فلا أحد في تونس ينكر الأصول البربرية للشعب التونسي، وكما قلنا أعلاه، تقرّ الكتب المدرسية تلك الأصول والثقافة التي تصحبها.
وبالمثل، فإن الجالية اليهودية، على الرغم من جذورها القديمة وأهميتها الرمزية في المشهد الديني في جربة، لا يزيد عددها عن بضعة آلاف ولا تشكل أي تحد ديموغرافي أو سياسي للتماسك الوطني. وبالتالي، تنشأ التوترات الدورية من الصراعات الإقليمية وليس من الاحتكاكات المجتمعية الداخلية.
الرسم البياني 2: التركيبة العرقية والدينية في تونس

التركيبة السكانية العرقية والدينية في تونس تظهر الأغلبية العربية الإسلامية الساحقة مع وجود أقليات صغيرة: يوضح هذا الرسم البياني الواقع السكاني الذي يشكل أساس التماسك الوطني في تونس: أغلبية عربية إسلامية ساحقة بنسبة 98٪ مع أقليات صغيرة لا تشكل أي تهديد للوحدة الوطنية. أكبر مجموعة أقلية (الأمازيغ/البربر بنسبة 1.5٪) أصغر بكثير من نظيرتها في الجزائر أو المغرب المجاورتين.
ديناميات الهجرة وقدرة الدولة
تحدث الهجرة المعاصرة من إفريقيا جنوب الصحراء إلى تونس، في الوقت الذي تخلق فيه واقعًا اجتماعيًا جديدًا، في سياق مؤسسات دولة قوية قادرة على إدارة كل من الاندماج والسيطرة. منذ عام 2022م، استضافت تونس ما يقدر بـ 21,000-57,000 مهاجر ولاجئ من جنوب الصحراء، يتركزون في المناطق الحضرية مثل تونس وصفاقس وسوسة. في حين أن هذه الفئات السكانية تساهم في أسواق العمل والحياة الثقافية الحضرية، فإنها تمثل أقل من 0.5٪ من السكان الوطنيين ولا تشكل جهات فاعلة سياسية منظمة قادرة على تحدي سلطة الدولة.
تُظهر استجابة الدولة - بما في ذلك تدابير الاندماج مثل قانون مكافحة العنصرية لعام 2018م، وإجراءات الإنفاذ بما في ذلك الطرد - القدرة المؤسسية على إدارة تدفقات الهجرة وفقًا لأولويات السياسة العامة بدلاً من أن تغمرها هذه التدفقات. وهذا يتناقض بشكل حاد مع دول مثل ليبيا حيث تسيطر الجماعات المسلحة على طرق الهجرة بشكل مستقل عن السلطة المركزية.
الديناميات الإقليمية: الضغوط الخارجية على الاستقرار الداخلي
تؤدي البيئة الإقليمية لتونس إلى تكثيف ضغوط الهجرة مع اختبار قدرة الدولة. أدى انهيار ليبيا إلى إعادة توجيه تدفقات الهجرة عبر الأراضي التونسية، في حين تدفع السياسات التقييدية للجزائر المزيد من السكان نحو الشرق. توفر استراتيجيات الاتحاد الأوروبي الخارجية حوافز مالية لمراقبة الحدود مع خلق نفوذ دبلوماسي على سياسة الهجرة.
تشكل هذه الديناميات تحديًا لموارد الدولة وتخلق توترات اجتماعية دورية، لا سيما في المدن الساحلية حيث تتركز حالات المغادرة السرية. ومع ذلك، فإنها لا تشكل تهديدًا جوهريًا للوحدة الوطنية أو السلامة الإقليمية. تحتفظ الدولة باحتكار استخدام القوة، وتجمع الضرائب، وتحافظ على الحدود، وتنفذ السياسات - وهي وظائف أساسية تميز تونس عن الدول الفاشلة أو الهشة في المنطقة.
الصراع السياسي: انقسامات أيديولوجية
تتمحور الانقسامات الأكثر أهمية في السياسة التونسية حول الخلافات الأيديولوجية وليس العرقية أو الدينية. يعكس التنافس بين الحركات الإسلامية (النهضة) والأحزاب العلمانية واليسارية واللبرالية أو السلطوية الشعبوية، الخلافات حول دور الدين في الحياة العامة والسياسة الاقتصادية والحكم الديمقراطي. تدور هذه النقاشات في إطار مشترك من القومية التونسية بدلاً من الانقسام على أسس طائفية.
حتى خلال أكثر اللحظات استقطابًا في مرحلة الانتقال بعد عام 2011م، ظل العنف السياسي محدودًا ولم يتخذ أبعادًا طائفية أو عرقية. تمّ حل الأزمة السياسية عام 2013م، من خلال الحوار الوطني بدلاً من التقسيم أو الفيدرالية، مما يدل على مرونة المؤسسات والتزام النخبة بالوحدة الوطنية.
منظور مقارن: الاستثنائية التونسية
يتباين مسار تونس بشكل ملحوظ مع الدول العربية الأخرى. فالعراق وسوريا تمّ تفكيكهما على أسس طائفية، وليبيا تنقسم بين شبكات قبلية وإقليمية، واليمن ينقسم بين مكونات شمالية وجنوبية، وسنة وشيعة، ولبنان مشلول بسبب الجمود الطائفي، وكل ذلك يعكس غياب الهوية الوطنية الموحدة وقدرة الدولة التي تمتلكها تونس. وحتى داخل شمال إفريقيا، فإن المناطق البربرية في الجزائر (القبائل) والريف المغربي قد ولدت حركات استقلالية أكثر أهمية من أي شيء موجود في تونس.
تعد مصر هي أقرب مثال للمقارنة، حيث تشترك مع تونس في تقاليد الدولة القديمة واستمرارية الأراضي والهوية الوطنية القوية. ومع ذلك، فإن حجم مصر الأكبر بكثير وتنوعها العرقي الأكبر (الأقباط والنوبيون والبدو) والصراعات الإقليمية المعقدة تخلق ديناميات داخلية غير موجودة في تونس.
الآثار المعاصرة: إدارة التعددية في إطار الوحدة
تتعلق التحديات السياسية التي تواجه تونس بإدارة التنوع في إطار الوحدة الوطنية وليس بمنع الانقسام. تمثل تشريعات مكافحة العنصرية وحماية التراث الثقافي وسياسات دمج المهاجرين قضايا حوكمة فنية وليس تهديدات وجودية لتماسك الدولة.
يعكس التحول الأخير نحو إدارة الهجرة الأمنية قدرة الدولة على تنفيذ الخيارات السياسية وليس ضعف المؤسسات. ويعتمد استدامة هذه الخيارات على تحقيق التوازن بين الأولويات المحلية والضغوط الدولية، لا سيما من الاتحاد الأوروبي.
القيود والفروق الدقيقة
لا ينبغي أن يقلل هذا التحليل من شأن التوترات الاجتماعية الحقيقية أو التحديات السياسية. فالتمييز ضد التونسيين السود أو المهاجرين من جنوب الصحراء الكبرى موجود، ولكنه يناقض سياسة الدولة التي تضع المواطنين جميعًا أمام مسؤولياتهم القانونية، ويتطلب الأمر اهتمامًا مستمرًا. وتؤدي التفاوتات الاقتصادية الإقليمية وبطالة الشباب إلى إحباط تستغله الأيديولوجيات الشعبوية، إضافة إلى ضغوط الهجرة غير الشرعية على الخدمات البلدية، حيث تخلق احتكاكات محلية.
ومع ذلك، فإن هذه التحديات تحدث في إطار من التماسك الوطني الذي يوفر الموارد المؤسسية للإدارة والحل. أما البديل - وهو التفتت على أسس عرقية أو دينية أو إقليمية - فيفتقر إلى القاعدة الديموغرافية أو القدرة المؤسسية أو السوابق التاريخية الموجودة في سياقات إقليمية أخرى.
الخلاصة: دولة موحدة في سياق إقليمي
تتمتع تونس بمكانة فريدة في العالم العربي المعاصر بفضل تقاليدها الحكومية العريقة التي تعود إلى آلاف السنين وهويتها الوطنية المتكاملة. في حين تساهم الأقليات العرقية والدينية في الثراء الثقافي وتخلق تدفقات الهجرة المعاصرة حقائق اجتماعية جديدة، لا تشكل أي من هذين الظاهرتين تحديًا للتماسك الأساسي للنظام السياسي التونسي. تحتفظ الدولة بقدرات مؤسسية قوية، ويحافظ المجتمع على الوحدة الوطنية عبر الانقسامات السياسية، وتوفر الهوية التاريخية أساسًا مدنيًا يتجاوز الانتماءات الطائفية الضيقة.
تشكل هذه الاستثنائية الطريقة التي تتعامل بها تونس مع التحديات الإقليمية المتعلقة بالهجرة والتعاون الأمني والتكامل الاقتصادي. على عكس الدول الهشة التي يتعين عليها إدارة التهديدات الوجودية لسلامة أراضيها أو وحدتها الوطنية، يمكن لتونس التركيز على تحسين خياراتها السياسية ضمن الأطر الراسخة للحكم والهوية. والسؤال ليس ما إذا كانت تونس ستبقى دولة متماسكة - فعمقها التاريخي وتكاملها الاجتماعي يضمنان استمراريتها - بل كيف ستكيف دولتها القديمة مع التحديات المعاصرة مع الحفاظ على الإجماع الوطني الذي يميزها في المنطقة بأسرها.





