array(1) { [0]=> object(stdClass)#14195 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 216

الهوية الخليجية تعددية بطبيعتها قائمة على التنوع لا الإقصاء والمهم الموازنة بين الولاء الوطني والانتماء الثقافي

الأحد، 30 تشرين2/نوفمبر 2025

على سطح الكرة الأرضية اليوم لا يوجد مجتمع متماثل، المجتمع المتماثل هو المجتمع المنعزل الذي لم يحتك بالثقافة العالمية، وهذه المجتمعات قليلة اليوم في العالم، وفي الغالب معزولة، أما معظم المجتمعات الإنسانية على وجه الأرض اليوم فهي تعددية بشكل ما، إما تعددية عرقية، أو دينية، أو مذهبية، أو ثقافية إلى آخره من مدخلات التعددية، فكرة المجتمع المتماثل فكرة غير علمية، وليس لها علاقة بالاجتماع البشري.

الشرق الأوسط ليس استثناءً من ذلك، فعلى مر التاريخ هناك قبائل وشعوب وديانات ومذاهب ولغات ولهجات مختلفة مرت على هذه المنطقة وبعضها لا زال قائمًا.

هناك عرب وكرد وهناك مسلمون ومسيحيون وفي المسلمين هناك شيعة وسنة وإباضية ودروز وعلويين وفي المسيحية أيضًا هناك أرثوذوكس وكاثوليك وبروتستانت وأقباط، كل هؤلاء يشكلون بشكل أو آخر الدولة المدنية الحديثة العربية، أو أحد الدول المدنية الحديثة.

فالأصل هنا هو التعارف والتعاون، وتكوين ثقافة مشتركة في الوطن الواحد، بل حتى في الوطن الواحد نجد هناك لهجات مختلفة، فلهجة البحراوي المصري، غير لهجة الصعيد المصري، ولهجة ابن الجبل اللبناني، غير لهجة ابن الساحل اللبناني، فالتعدد هو الأصل.

ولكن هناك بعض التيارات التي تريد أن تصهر الجميع بقالب واحد، وذلك شبه مستحيل، القالب الواحد اليوم هو الدولة الوطنية العادلة، التي تساوي بين مواطنيها تحت ظل القانون، دون النظر إلى اللون أو العرق أو اللهجة أو المذهب.

في كتاب مهم صدر في عام 2010م، صدر باللغة الإنجليزية ولم يترجم إلى العربية بعنوان (الحصان القوي القوة والسياسة والأقليات في الشرق الأوسط دراسة تحليلية) لمؤلفه الأمريكي لي سمث، هذا الصحفي الباحث أثارت هجمات 11 من سبتمبر على أبراج نيويورك حفيظته البحثية، وقضى بعد ذلك سنوات في الشرق الأوسط ينظر إلى هذه المجتمعات بتفحص، وأصدر ذلك الكتاب، يحاول فيه تفسير منطق الصراع في الشرق الأوسط في الداخل الثقافي العربي، حيث تفهم الشرعية السياسية بوصفها قدرة على فرض السيطرة أكثر من كونها عقدًا اجتماعيًا مؤسسيًا.

يلاحظ الكاتب في ظل غياب الدولة المؤسسية الحديثة يتحول الناس إلى الولاء الطائفي والقبلي والعرقي ويفسر كثرة الانقلابات العسكرية وتراجع الإصلاحات وتهميش سيادة القانون، بسبب إعلاء هذه الجماعات الفرعية في الدولة الوطنية العرقية أو الدينية أو المذهبية، وهذا ما يحرك الصراعات ويتراجع الإصلاح، ويهمش القانون، وتصبح ما سماه بــ (العنفية) أداة سياسية متكررة لتثبيت السلطة.

يتحدث مستشهدًا بالأقليات التي تعيش داخل كل دولة كبرت أم صغرت، ومن أبرزها المسيحيون والدروز والعلويون والزيديون واليزيديون والأكراد والشيعة والسنة، ويرى أن التعامل مع هذه الأقليات غالبًا كمصدر هشاشة أو أوراق تفاوض، لا كمواطنين كاملي الأهلية، من هنا ظهرت هذه الصراعات التي تبنى في بعض الأوقات على القوة القاهرة، أو تبنى على أيديولوجيات ما ورائية.

الإشكالية التي تواجه العالم العربي اليوم هي ضعف الانتماء للدولة الوطنية، لدينا إما جماعات دون الدولة أو جماعات فوق الدولة، الجماعات دون الدولة هي الميليشيات المختلفة التي تعج بها المنطقة من داعش وحزب الله وبعض الجماعات الأخرى، أو ما فوق الدولة كالحديث عن أيديولوجية الدولة الإسلامية سواء كانت السنية أو الشيعية، وبالتالي يسري جو من تهميش الدولة الوطنية، وفي كثير منها حتى الآن لم تصل إلى مرحلة النضج، وهي المساواة بين المواطنين.

حقيقة الأمر أن الشرق الأوسط أحد أكثر أقاليم العالم تعقيدًا من حيث البنية السكانية والثقافية والدينية لأسباب تاريخية وجغرافية لا تخفى على أحد، فالتعددية هنا ليست خيارًا طارئًا أو حالة مستوردة، بل هي جزء من النسيج التاريخي الذي تشكلت عليه هذه المنطقة منذ فجر الحضارات.

تاريخ المنطقة الممتد من وادي الرافدين إلى الجزيرة العربية مرورًا ببلاد الشام ومصر وشمال إفريقيا هو تاريخ الامتزاج والتفاعل بين الأعراق والأديان والمذاهب واللغات واللهجات، في هذا المشهد المتنوع تقف دول الخليج العربي بوصفها نموذجًا متميزًا في هذه التعددية، ومختبرًا علميًا لإمكانية تحولها من عامل هشاشة إلى مصدر ثراء واستقرار.

 

دول الخليج والتعددية

 

منذ القدم كانت منطقة الخليج العربي ملتقى للهجرات ومعبرًا للتجارة بين الشرق والغرب، وموانئ استقر و ارتحل، فيها العرب والفرس والهنود والأفارقة، وإلى سنوات قليلة كانت تجارة اللؤلؤ هي الرابط الرئيسي بجانب تجارة التمور والخيول، فكانت معبرًا بين الشرق والغرب.

تاريخ الموانئ على ساحل الخليج، مثل الكويت والبحرين ومسقط ودبي، يظهر أن الخليج لم يكن يومًا فضاءً مغلقًا، بل فضاءً مفتوحًا على التفاعل والتبادل التجاري، حتى القبائل العربية التي استقرت على سواحله كانت جزءًا من حركة دائمة بين الصحراء والبحر، بين الشاطئ الغربي والشاطئ الشرقي للخليج، وبين الشاطئ الغربي وبين الشاطئ الشرقي للبحر الأحمر، لذلك يمكن القول بأن الهوية الخليجية نفسها هي هوية مرنة قادرة على التكيف والتفاعل، من هنا فإن التعددية ليست تهديدًا خارجيًا، بل مكونًا أصيلًا في تكوين المجتمعات الخليجية.

يتعايش أهل الخليج ألونا مكونات، فهناك العرب، وهناك الفرس أو من كانوا من أصل فارسي ثم تعربوا الذين أسهموا في التجارة والعمران والثقافة، هناك الأفارقة الذين اندمجوا في البيئة الاجتماعية منذ قرون بسبب التجارة مع شرق إفريقيا، هناك الآسيويون القادمون مع موجات العمل المعاصرة وحتى قبل ذلك كانت التجارة مع الهند تاريخية وهي المصدر الأكبر للتجارة مع دول الخليج، ومع النفط منذ أكثر من نصف قرن جاء إلى الخليج عرب المشرق ومواطنو الغرب وحتى شرق آسيا.

هذا الخليط أنتج مجتمعات مركبة، تتعدد فيها اللهجات والعادات والمذاهب، ولكنها تلتقي في منظومة قيم أساسية، هي الاحترام والكرم والتسامح والقبول بالآخر، التحدي يكمن في تحويل هذه التعددية إلى تفاعل إيجابي منتج، يسوق هوية خليجية جامعة، وهذا ما تعمل عليه الدولة الوطنية الحديثة، فالقيادات الخليجية تعترف بأن هذا الإقليم متجانس، والدليل لدينا هو قيام منظمة مجلس التعاون الخليجي، التي تتكاثر الدعوات إلى أن تتحول من تعاون إلى اتحاد.

ورغم هذا الثراء في التنوع لم تخل المنطقة من التوترات، وهي توترات نابعة من مؤثرات خارجية سببت بعض الانقسام في بعض هذه المجتمعات، ربما الثورة الإيرانية في  1979م، أحد العوامل المؤثرة في إثارة التوترات في الخليج ولا زالت تفعل فعلها في بعض المكونات، ومع الفشل الاقتصادي والسياسي التي وصلت إليه التجربة الإيرانية الثورية، أصبح هناك انحسار تأييدها من قبل مجاميع في مجتمعات الخليج.

أما البعد الطائفي فكان ولا يزال أحد أهم عوامل الانقسام، والعمل على التوعية في هذا الموضوع له أهمية قصوى للخروج من هذا المأزق.

الصراعات السياسية العربية في دول المشرق أثرت أيضًا على التماسك الاجتماعي في دول الخليج، فقد صدرت هذه الدول فكرة الثورات والانقلابات  و الأحزاب، وأشغلت دول الخليج كمثل ما كان في ستينات القرن الماضي من الصراع على اليمن، أو دعوة القومية العربية التي تريد تذويب كل المكونات في جسم واحد وهي دعوة من الواضح أنها غير منطقية، كما أثبت التاريخ، أما الدعوات ما فوق الدولة فهي الدعوات المرتبطة بالإسلام الحركي، الذي يرى أيضًا أن قيام دولة إسلامية موحدة هو المخرج من الأزمات التي تواجهها هذه المنطقة، وهذه الدعوة كمثل القومية العربية دعوة  مثالية وغير منطقية وخارجة عن الزمن.

أما البعد الثقافي والاجتماعي للتعددية الخليجية فلا يمكن فهمه بمعزل عن الثقافة، فالموسيقى الخليجية واللغة المحكية والأزياء والمطبخ كلها شواهد على تفاعل حضاري طويل الأمد، ففي الغناء مثلًا تجد الإيقاعات الإفريقية والعربية والفارسية متداخلة في اللحن الخليجي،  وفي اللغة المحكية  تجد كلمات من الفارسية والهندية والسواحلية حيث أصبحت جزءًا من اللغة العامية المحكية، هذه النماذج ليست ضعفًا في الهوية، بل دليل على حيويتها وقدرتها على الامتصاص والتجديد والتطور، من هنا يمكن القول إن الهوية الخليجية الحديثة هي هوية تعددية بطبيعتها، قائمة على التنوع لا على الإقصاء.

التحدي الأكبر لدول الخليج هو الموازنة بين الولاء الوطني والانتماء الثقافي أو المذهبي، فالدولة الحديثة لا تبنى على نفي المكونات، بل على إدماجها في مشروع وطني جامع، ولعل من أبرز دروس العقود الأخيرة أن السعي نحو المواطنة المتساوية، هو الضمان الحقيقي للاستقرار، والتي تخضع لقانون واحد يطبق على الجميع.

وحين يشعر الأفراد على الاطمئنان لحقوقهم وأنها مضمونة، بغض النظر عن أصل المواطن أو مذهبه يصبح شريكًا حقيقيًا في الدفاع عن الدولة وتنميتها، والمساهمة الإيجابية في كل النشاط الوطني أما حين يستبعد أو يشكك في انتمائه، فإن الهوية الفرعية هنا تطغى على الانتماء العام، ويبدأ تشقق في جدار الوحدة الوطنية.

فمن أجل تحويل التعددية إلى طاقة إيجابية، لا بد من سياسات ذكية تعتمد على العديد من الخطوات والتي كثيرًا ما طالب بها المستنيرون من أهل الخليج، منها تعزيز التعليم الشامل والنوعي الذي يزرع قيم التسامح والانفتاح، ويتيح للطالب معرفة الآخر المواطن لا نبذه، مع الأسف الشديد هناك بعض الجيوب التي تؤكد فكرة الطائفية أو حتى العنصرية، وهو مرض قد يقعد المجتمعات عن التطور.

استخدام الثقافة والفنون هو السلاح الأهم لتكون ساحة التعبير المشترك بين المكونات المختلفة وتشجيع المسرح والأعمال التلفزيونية، بشكل واع، تستطيع أن تقدم زادًا إيجابيًا للوحدة الوطنية، كما تشجع الحوار الديني والمجتمعي المستنير، لكسر النمطية المتزمتة، وفهم الآخر بشكل أفضل، وإبعاد التشدد عن هذه الساحة المهمة.

 

علينا إعادة قراءة التاريخ، فجزء من التاريخ الذي يدرس هو انتقائي، علينا أن نعيد قراءته قراءة نقدية تبرر إسهامات الجميع في بناء الدولة والمجتمع تاريخيًا، فكل هذه العناصر البشرية ساهمت بشكل أو بآخر في بناء المجتمع الحديث

أيضًا علينا أن نتحدث عن مفهوم جديد للعيش المشترك، فهو ليس شعارًا رومانسيًا، بل خيارًا استراتيجيًا لبناء الدولة الحديثة، حيث إن دول الخليج بما تمتلك من موقع جغرافي وثروة بشرية واقتصادية اليوم مؤهلة لأن تقدم نموذجًا متقدمًا في إدارة التنوع، فالرهان الحقيقي في القرن الحادي والعشرين لم يعد على القوة العسكرية أو المالية فقط أو الاقتصادية، بل القدرة على إدارة التعدد، وتحويله إلى مصدر إبداع وتكامل، فالتنوع ليس نقيصة وليس نقيض الوحدة، بل طريقها الأوسع إذا أحسن توجيهها.

التعددية في الشرق الأوسط وفي الخليج بالذات ليست مشكلة تحتاج إلى حل بل طاقة تحتاج إلى وعي إذا أدركنا أن هذا التنوع هو مصدر قوة لا ضعف، هو الخطوة الأولى لبناء المستقبل المشترك، وحين تتحول التعددية إلى قاعدة لبناء دولة المواطنة الحديثة العادلة، نكون قد تجاوزنا منطق الخوف من الآخر، إلى منطق الشراكة الإنسانية، التي تثري المجتمع وتضمن استقراره، فالعيش المشترك ليس نهاية الطريق بل بدايته نحو شرق أوسط جديد وخليج جديد يتسع للجميع.

مقالات لنفس الكاتب