مثّل سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024م، نقطة تحول فارقة في تاريخ سوريا الحديث. فبانهيار حكم عائلة تجاوز خمسة عقود، بدأت البلاد مرحلة انتقالية معقدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع، الذي تولى السلطة في يناير 2025م، بموجب إعلان دستوري مؤقت لمدة خمس سنوات. وبينما حققت سوريا إنجازات دبلوماسية واقتصادية وأمنية لافتة عام 2025م، إلا أن التحديات البنيوية المرتبطة بالاقتصاد، والملف الطائفي، وبناء المؤسسات، لا تزال تهدد الاستقرار الداخلي.
تهدف هذه النسخة المختصرة إلى تقديم تحليل مركز لأبرز ما تحقق وما يواجه سوريا من عقبات مستقبلية، بالاستناد إلى مصادر دولية مثل CSIS، Crisis Group، OHCHR، البنك الدولي.
أولًا: الإنجازات الرئيسية – خطوات نحو إعادة توظيف اللحظة الانتقالية
- الإنجازات الدبلوماسية الدولية والإقليمية
أبرز نجاحات الحكومة الانتقالية كان الانفتاح الدولي السريع على سوريا. فقد رفعت الولايات المتحدة في يوليو 2025م، تصنيف هيئة تحرير الشام كمنظمة إرهابية، تبعها الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة في أكتوبر، ثم كندا في ديسمبر. وبذلك باتت سوريا قاب قوسين من إعادة بناء علاقاتها مع الغرب ودمج اقتصادها في النظام الدولي.
زيارة الشرع إلى البيت الأبيض في نوفمبر 2025م، كانت أكثر المؤشرات دلالة على التحول الجيوسياسي؛ إذ تمثل أول لقاء بين رئيس سوري ورئيس أمريكي منذ عقود. بالتوازي، حافظت دمشق على علاقات متوازنة مع روسيا، التي استقبلت وفد الشرع في أكتوبر 2025م، ما أظهر رغبة في صياغة سياسة خارجية برجماتية.
إقليميًا، نجحت سوريا في تعزيز عمقها العربي عبر تفاهمات مالية مع السعودية وقطر لتمويل مشاريع بقيمة تُقدّر بمليارات الدولارات، خاصة في البنية التحتية والطاقة. كما أجرت حوارات أمنية مع إسرائيل في مايو 2025م، لمنع التوتر في الجولان، وحافظت على سياسة عدم التصعيد مع إيران بعد انتهاء وجود ميليشياتها في سوريا. وانضمت البلاد رسميًا إلى منظمة التعاون الإسلامي كعضو كامل في سبتمبر 2025م، ما أعاد دمجها في المحيط الإسلامي.
- الإنجازات الاقتصادية
أفرز رفع العقوبات الغربية عن سوريا بوادر تعافٍ اقتصادي مبكر. فقد أشار صندوق النقد الدولي في يونيو 2025م، إلى زيادة الأنشطة التجارية، وعودة الاستثمارات الخليجية، منها عقود في الطاقة وتطوير البنية التحتية. وتمكنت الحكومة من إعادة تشغيل حقول النفط إلى 95 ألف برميل يوميًا، فيما بلغت صادرات الفوسفات نحو 500 مليون دولار في النصف الثاني من العام.
كما أسهم تحسن البيئة الاقتصادية في عودة ثلاثة ملايين لاجئ من دول الجوار، وفق بيانات UNHCR. تراجع معدل التضخم من 54% في 2024م، إلى أقل من 20% في 2025، ونما الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1% بحسب البنك الدولي. وأطلق الشرع استراتيجية "إعادة الإعمار عبر الاستثمار" في مؤتمر الرياض، معلنًا توقيع مذكرات تفاهم بقيمة 14 مليار دولار، ما يمنح الاقتصاد دفعة أولية لبناء قطاعات إنتاجية حيوية.
- الإنجازات الأمنية
أحد التحولات الحاسمة تمثّل في تفكيك الميليشيات المدعومة من إيران، وإطلاق حملة واسعة ضد معامل الكبتاغون، ما أسهم في خفض الإنتاج بنسبة تقدَّر بـ 70%، وهي خطوة تلقّاها المجتمع الدولي بترحيب. كما انخفض مستوى العنف الوطني إلى أدنى مستوياته في نوفمبر 2025م، خاصة بعد ترتيبات أمنية مباشرة مع إسرائيل.
تم تأسيس قوة شرطة وطنية قوامها 50 ألف عنصر، وإعادة فتح طريق M5 الحيوي الذي رفع مستوى الاتصال بين المدن الرئيسية. كما بدأت عملية دمج الفصائل المسلحة في الأجهزة الأمنية الرسمية، ما يشكل خطوة أولى نحو توحيد المؤسسات السيادية.
- الإنجازات الاجتماعية والحقوقية
أعاد الإعلان الدستوري في مارس 2025م، بعض الحريات الأساسية، وفي مقدمتها حرية التعبير وتشكيل الجمعيات. وارتفع عدد منظمات المجتمع المدني المسجلة بنسبة 300%، ووصل إلى أكثر من 500 جمعية جديدة. كما دعمت الحكومة عمليات ترميم المواقع الأثرية في دمشق بالتعاون مع اليونسكو، وافتتحت دور عبادة مدمرة في حمص وحلب.
في الجانب الحقوقي، أُطلق سراح 24,200 معتقل من سجون النظام السابق، في خطوة تُعد الأكبر منذ بدء الثورة. لكن ما يزال ملف المفقودين (أكثر من 100 ألف شخص) ينتظر تقدمًا أكبر في آليات العدالة الانتقالية.
ثانيًا: التحديات الرئيسة – فجوة بين النجاح الخارجي والضعف الداخلي
- التحديات الاقتصادية والإنسانية
على الرغم من التحسن النسبي، يقدّر البنك الدولي تكلفة إعادة الإعمار بـ 216 مليار دولار، فيما لم يتجاوز تمويل خطة المساعدات الأممية 25% من المطلوب. كما أن معدلات البطالة ارتفعت إلى نحو 80%، و40% من المدارس و60% من المراكز الصحية ما زالت مدمرة.
عودة اللاجئين، رغم أهميتها، صاحبتها صعوبات تتعلق بالإسكان والخدمات الأساسية، إذ يواجه 80% منهم نقصًا في المساكن. ومع حاجة 16.5 مليون شخص إلى المساعدات، تبدو البلاد أمام أزمة إنسانية حادة تهدد الاستقرار الاجتماعي، خاصة في ظل غياب خطة وطنية متكاملة لمنع عودة شبكات المحسوبية والاقتصاد غير الرسمي.
- التحديات الأمنية والطائفية
لم تنجح الحكومة الانتقالية بشكل كامل في معالجة الاحتقان الطائفي المتراكم. فقد شهد الساحل ووسط سوريا مذابح دامية في مارس 2025 م، راح ضحيتها أكثر من ألف مدني علوي، كما شهدت السويداء مواجهات عنيفة بين الدروز والقوات الحكومية، أدت إلى مقتل ما بين 1000–2000 شخص.
وأشارت OHCHR إلى انتهاكات خطيرة شملت إعدامات خارج القانون وخطف عشرات النساء والفتيات. كما ما زالت التوترات مستمرة مع قوات سوريا الديمقراطية في الشمال الشرقي، مع نزوح 1.1 مليون شخص في مطلع 2025. هذه التطورات تعكس فجوة عميقة في محاولات تطبيق نموذج "الديمقراطية التوافقية" الذي تتطلبه البنية الطائفية المتعددة لسوريا.
- التحديات السياسية والحقوقية
تعتمد الحكومة على دائرة ضيقة من المقربين للرئيس الشرع، ما يثير مخاوف من إعادة إنتاج نمط استبدادي جديد. ورغم ازدياد الجمعيات المدنية، لم تُصدر الحكومة قوانين جديدة للأحزاب أو المجتمع المدني، ما يبقي النشاط العام مقيدًا.
تقدمت العدالة الانتقالية ببطء شديد؛ انتهاكات جديدة سُجلت في الشمال الشرقي، واستمرت الاعتقالات العشوائية (نحو 600 حالة). كما يشكل غياب الثقة المجتمعية عقبة أمام المصالحة، حيث عبّر جزء كبير من السكان عن مخاوف متزايدة من التفكك الطائفي.
ثالثًا: تحليل الأوضاع – بين آمال الانتقال ومخاطر النكوص
يمتاز التحول السوري بوجود "نافذة انتقالية" على المستوى الدولي، مدعومة بقبول غربي – خليجي، لكن الداخل ما زال هشًا ومفتقرًا إلى بنية سياسية جامعة. ورغم التفاؤل الشعبي النسبي (66% تجاه المساعدات الأمريكية)، إلا أن 92% يرون إسرائيل تهديدًا وجوديًا، ما يعقد أي ترتيبات إقليمية محتملة.
اقتصاديًا، سوريا أقرب إلى نموذج أفغانستان ما بعد طالبان، حيث التعافي يعتمد على التمويل الخارجي بشكل رئيس، بينما يهدد نقص التمويل بإحياء الإرهاب والجريمة المنظمة. والفشل في دمج الأقليات ضمن صيغة حكم لامركزية قد يعيد إنتاج تجربة العراق بعد 2003.
رابعًا: السيناريوهات المستقبلية (2026–2030)
- السيناريو الإيجابي: سوريا الجديدة (احتمال 40%)
ويتوقع حدوثه إذا نجح الرئيس أحمد الشرع في تعزيز الشرعية الداخلية عبر تطبيق نموذج ديمقراطي توافقي يضمن مشاركة الأقليات، وإطلاق خطة إعمار شاملة بتمويل خليجي وغربي؛ مما يسهم في: نمو معدلات الاقتصاد بواقع 5% سنويًا بحلول 2028م، وعودة 70% من اللاجئين، وتفكيك قوات SDF تدريجيًا بالتعاون مع الولايات المتحدة وتركيا؛ وتنخفض هجمات داعش بنسبة 80%، وتحقق العدالة الانتقالية اختراقًا كبيرًا في ملف المفقودين. وهذا النموذج يشبه تجربة تونس بعد 2011م، ويفتح الباب أمام استقرار طويل المدى وعلاقات طبيعية أوسع مع الإقليم، وربما مع إسرائيل.
- السيناريو السلبي: التجزئة الجديدة (احتمال 35%)
وهو المتوقع في حال فشل الحكومة في إدارة الاحتقان الطائفي؛ وتوسع الاشتباكات في الساحل والسويداء؛ واندلاع انتفاضات مسلحة بدعم روسي ــــ إيراني؛ مما يسهم في تبخر الاستثمارات الخليجية، وارتفاع البطالة إلى 90%، واستعادة داعش ما يصل إلى 20% من الأراضي في الشرق. ما يجعل البلاد تتجه نحو تفكك فعلي، وتنقسم إلى كيانات مناطقية (شمال تركي، وشرق كردي، ووسط سني)، في سيناريو مشابه للعراق 2003–2014م، وتتفاقم موجات النزوح إلى أكثر من 20 مليون شخص بحلول 2030م.
- السيناريو المتوسط: الانتقال غير المستقر (احتمال 25%)
ويتوقع حدوثه إذا حققت الحكومة تقدمًا جزئيًا في الإصلاح الدستوري والاقتصادي، مع بقاء التوترات الأمنية قائمة. مما يقلل نسبة النمو المتوقع إلى 2–3%، ويوقف عودة اللاجئين عند 50% على الأكثر. وقد يواكب ذلك استمرار الخلافات مع SDF، وبقاء العنف بصورة متقطعة. وفي ظل هذا الواقع لن تحقق العدالة الانتقالية سوى نتائج جزئية فقط، مما يُبقي مستوى الشكوك الطائفية مرتفعًا. وبذلك يصبح الوضع قريبًا من نموذج لبنان: استقرار هش يعتمد على الدعم الخارجي ويتهدد بانفجارات داخلية دورية.
خامسًا: التوصيات – نحو انتقال مستدام
في ضوء ما تقدم من تحليل مختصر لأوضاع سوريا على مدى عام من سقوط نظام الأسد الاستبدادي وانتقال السلطة إلى حكومة انتقالية برئاسة أحمد الشرع، الذي قاد (جبهة تحرير الشام) وغيرها من جماعات المقاومة لتحرير سوريا من النظام السابق، والعمل على إعادة بنائها، واستعادة مكانها في المنظومة العربية والإسلامية، والإقليمية والدولية، فحقق إنجازات ملموسة على المستوى الخارجي، ولكنه اصطدم بتحديات كبرى على المستوى الداخلي؛ وعليه توصي الورقة القيادة السورية بما يلي لاجتياز ما تواجه من عقبات ومعوقات:
- تبني لامركزية سياسية تضمن مشاركة فعلية للأقليات.
- تعزيز العدالة الانتقالية عبر آليات شفافة، وكشف مصير المفقودين، ومحاكمات منتقاة لرموز النظام السابق.
- صياغة خطة وطنية للإعمار تستهدف الزراعة والصناعة والطاقة، وتركز على خلق فرص عمل.
- استثمار المناخ الدولي للحصول على تمويلات مشروطة بالإصلاح، مع السعي لرفع كامل العقوبات المتبقية.
الخاتمة
بعد عام واحد على سقوط الأسد، تقف سوريا بين فرص تاريخية للعبور نحو دولة مستقرة، ومخاطر حقيقية للانزلاق إلى الفوضى. وتؤكد الإنجازات الأمنية والدبلوماسية وجود إمكانات هائلة، لكن التحديات الداخلية ـــــ الاقتصادية والطائفية والسياسية ــــ تُظهر أن طريق الانتقال ما زال طويلًا ويحتاج إصلاحات جذرية. ويعتمد نجاح سوريا في السنوات المقبلة على قدرتها على تحويل المكاسب الخارجية إلى استقرار داخلي ومصالحة وطنية شاملة، بما يضمن تفادي السيناريوهات السلبية والسير نحو نموذج ديمقراطي يستجيب لتطلعات شعبها.






