array(1) { [0]=> object(stdClass)#14487 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 217

تعافي لبنان وبناء مؤسساته يستلزم دولة تتخذ قرارها بنفسها وجيشًا منيعًا وقضاءً لا يهاب أحدًا

الإثنين، 29 كانون1/ديسمبر 2025

يُعدّ عام (2025م) الأكثر حساسية في التاريخ اللبناني الحديث، لأنه لم يكن مجرد سلسلة أحداث وحسب، بل امتحاناً قاسياً لقدرة الدولة على البقاء في وجه العواصف. فقد كشف هذا العام عن هشاشة البنية الداخلية للدولة، وأظهر بالمقابل الإرادة اللبنانية المتجددة التي ترفض السقوط.

في هذا المقال قراءة موجزة لمسار لبنان خلال العام المنصرم، تتضمن التحديات التي واجهها وكيفية تعامله معها، وما أنجزه رغم الصعوبات، والعبر المستخلصة التي يمكنه الاستفادة منها مستقبلاً، واستشراف ما قد يصادفه في العام الجديد.

 

أولاً: التحدّيات والمخاطر التي قابلها لبنان خلال عام 2025

يمكن إيجازها بما يلي:

  1. تحديات أمنية وعسكرية وسياسية، تتمثل بالآتي:

أ) انفلات أمني: تزايدت في لبنان خلال عام 2025م، عمليات السرقة والسطو المسلح، وتوسّعت السوق السوداء للسلاح، وظهرت عصابات منظّمة عملت على الحدود وفي الداخل، وعاد التوتر في بعض المناطق الحسّاسة... وَضعَ هذا الواقع الأمني المضطرب الدولة أمام مهام صعبة، لضبط الأمن الداخلي والحؤول دون حدوث فوضى شاملة، بقدرات مادية ضيقة.

ب) جهوزية المؤسسة العسكرية: واجه الجيش اللبناني تحدياً مزدوجاً، تمثل بالحفاظ على قدراته رغم شح الموارد، والسيطرة على التوترات الحدودية. مع ذلك، نجح الجيش في الإبقاء على تماسكه المؤسسي، علماً أن هذا التماسك لم يكن مجرّد استمرار تنظيمي، بل فعل مقاومة تحفظ هوية وطن وتاريخه في زمن يوشك فيه كل شيء على الإطفاء.

ج) الأزمة السياسية: نتيجة استمرار النظام السياسي اللبناني "الديمقراطي المقيد بالتوافق الطائفي"، توالى في عام 2025م، الانسداد السياسي في المؤسسات الدستورية والإدارية، وأدّى إلى شلل في مؤسسات الدولة، ليس لغياب السلطة وحسب، بل لغياب الرؤية والمسار، وأفضى إلى ضعف في الاستجابة الوطنية للأزمات المتلاحقة.

د) ملف اللاجئين السوريين: أدى وجود اللاجئين السوريين في لبنان إلى زيادة الضغط على البنى التحتية والخدمات وإلى تفاقم المخاطر الأمنية، في بيئة محلية تتسم أصلاً بالهشاشة الاجتماعية والاقتصادية.

  1. 2. التوتر الحدودي مع إسرائيل: شكّل الجنوب محوراً للتوتر في لبنان خلال عام 2025م، نتيجةً لـ:
  • ازدياد وتيرة الاشتباكات الحدودية التي رفعت احتمالات اندلاع حرب واسعة بين حزب الله والجيش الإسرائيلي، كان من شأنها جرّ لبنان إلى مواجهة شاملة تتجاوز قدراته السياسية والعسكرية والاقتصادية.

ب‌)    الآثار الاقتصادية والاجتماعية: أدّت التوترات الأمنية في الجنوب إلى نزوح آلاف السكان من القرى الحدودية، وتعطّيل القطاعات الزراعية والتجارية، وإلحاق خسائر اقتصادية مباشرة في الممتلكات والبنى التحتية.

ج) قوات الأمم المتحدة (اليونيفل)، لعبت دوراً مهماً في الحد من التصعيد العسكري مع إسرائيل، من خلال تنسيقها الميداني مع الجيش اللبناني الذي اعتمد مقاربة تقوم على ضبط النفس بمنع توسع المواجهات وتثبيت الاستقرار الهش.

  1. 3. النفوذ الإيراني، يُعدّ أحد العناصر الأكثر تأثيراً في صياغة مسار الأحداث في لبنان، خاصة أن لبنان ليس جزيرة معزولة، بل موجة صغيرة تتأثر بمدّ إقليمي عاتٍ. في عام 2025م، حاول حزب الله بمساعدة إيران "استعادة نفوذه السياسي الداخلي" بعد الخسائر الكبيرة التي تكبدها عام 2024م، أدّى ذلك إلى:
  • زيادة القلق الدولي من قدرة الدولة اللبنانية على ممارسة سيادتها الكاملة بالنسبة لقرارات الحرب والسلم، لوجود قوة مسلحة موالية لإيران تمتلك قدرات تفوق قدرات الدولة الرسمية.
  • انعكاس النفوذ الإيراني على علاقة لبنان بدول الخليج التي تُعدّ داعماً أساسياً للبنان، تسبب في تراجع الدعم الاقتصادي والاستثماري، في لحظة يحتاج فيها لبنان إلى كل رافد مالي خارجي.
  • تأثر لبنان بتوتر علاقة إيران بأمريكا وإسرائيل، جعل لبنان رهينةً ومسرحاً للنزاعات الإقليمية، وحجر صغير في رقعة شطرنج كبرى، تتقاذفه تحركات اللاعبين.

4. إشكالية السلاح خارج إطار الدولة، مثّلت أحد أعمق إشكاليات الدولة اللبنانية، وجعلتها كجسد متعدد النبضات يصعب جمعها في نبضة واحدة، لعدم معالجتها ملف حصر السلاح بشكل تام خلال عام 2025م، رغم النص على ذلك في اتفاق نوفمبر 2024م، الذي عقده لبنان مع الكيان المحتل بعد اعتدائه السافر على لبنان، عقب حرب الإسناد التي شنها حزب الله دعماً لغزة. علماً أن الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني -الذي قدم العديد من الشهداء خلال قيامه بهذه المهمة الصعبة- بذلا جهوداً كبيرة لتنفيذ هذا الاتفاق، لكنها لم تسفر عن حصر سلاح كل الفصائل الفلسطينية ولا سلاح حزب الله من شمال نهر الليطاني. كما واجهت الدولة صعوبات في ضبط حدودها لمنع تهريب السلاح، وفي فرض سلطتها على مناطق باتت تُعدّ خارج سيطرة الأمن الرسمي، نظراً لمواصلة القوى المسلحة لعب أدوار أمنية وعسكرية موازية للدولة.

 

ثانياً: كيفية تعامل لبنان مع هذه المخاطر

استخدم لبنان مزيجاً من الأدوات للحد من هذه المخاطر، فمثلاً:

  1. اعتمد الجيش اللبناني مقاربة "الاحتواء المرنالتي أثبتت فعاليتها، رغم الضغوط، من خلال تكثيف الانتشار على الحدود، ومنع توسع الاشتباكات، والحفاظ على الوحدة الداخلية للجيش.
  2. اعتماد النشاط الدبلوماسي الدولي: نشطت الدبلوماسية اللبنانية بتفعيل الدولة قنوات الاتصال مع الأمم المتحدة واليونيفيل والدول الراعية للاستقرار الإقليمي، ونجحت في إحياء حضورٍ دوليّ للبنان كاد يبهت تحت ضغط الانهيارات الداخلية.

 

  1. إدارة سياسية للأزمات: رغم الانقسامات والخلافات الداخلية بين القوى اللبنانية المتخاصمة، بقيت هناك إرادة خفية لدى هذه القوى تشدّها إلى طاولة البحث عن مخرج، وكأن الوطن يهمس لهم بأن خلافاتهم أصغر من جراحه. ووفّرت بذلك قدراً من "الاستقرار السياسي السلبي".

 

ثالثًا: قدرة لبنان على تجاوز الأزمات

رغم هشاشة وضع لبنان، أظهر هذا البلد قدرته على الصمود. من عناصر هذه القدرة:

  1. الصمود المجتمعي: الصمود في لبنان ليس مقولة شعرية، بل فعل يوميّ يمارسه اللبنانيون عبر مبادراتهم الفردية، قبل أن تمارسه الدولة. إذ أثبت المجتمع اللبناني امتلاكه قدرة عظيمة على التأقلم والابتكار في إدارة شؤونه، رغم انعدام الموارد والخدمات. وأن لبنان وطنٌ لا يموت رغم شدة الملمات، لأن شعبه يحبّ الحياة، ولديه إصرار لا يلين.
  2. تماسك المؤسسة العسكرية، وسط الانهيارات التي عصفت بلبنان، ظلّ الجيش كالصخرة التي تتكسّر عندها رياح الفوضى، حافظاً ما تبقى من هيبة الدولة وطمأنينة الناس.
  3. التوازنات الإقليمية، ساعدت التفاهمات غير المعلنة بين القوى الإقليمية في الحد من التصعيد على الساحة اللبنانية، لعدم رغبة هذه القوى في حدوث ذلك. أثّرت هذه التفاهمات بشكل إيجابي في اللحظات الحرجة التي مر بها لبنان، وحالت دون توسع رقعة الحرب فيه.
  4. تجربة لبنان الطويلة في إدارة الأزمات، التي قاسى منها لسنوات، جعلت منه بلداً يعرف كيف يحوّل الصدمة إلى درس، والانهيار إلى دعوةٍ للصمود.

رغم كل هذه القدرات للبنان، لا يزال تجاوز الأزمات فيه بطيئاً. ربما لأنه تجاوز المخاطر الآنية فقط دون معالِجته لجذور المشكلات، أي بقيت العوامل البنيوية التي أنتجت الأزمة قائمة. ما يشير إلى أن "القدرة على الصمود" تختلف عن "القدرة على النهوض"، وهو ما قلل فرص التعافي المستدام في لبنان.

 

رابعاً: الدروس والتجارب المستفادة من العام المنصرم

تشير التجربة اللبنانية إلى دروس جوهرية، منها:

  1. 1. ضرورة بناء استراتيجية دفاعية شاملة تقودها الدولة، لأنه لا يمكن تحقيق استقرار دائم دون تنظيم العلاقة بين الدولة والسلاح غير الشرعي، ووضع رؤية متكاملة للدفاع الوطني.
  2. 2. محورية المؤسسة العسكرية، حيث أثبت عام 2025م، أنها القاعدة الرئيسية للأمن الداخلي، وأن أي إضعاف لها يهدد بفتح الباب أمام الفوضى.
  3. أهمية إعادة بناء الثقة مع الدول الخليجية، لاعتماد لبنان التقليدي على تحويلاتها ودعمها السخي.
  4. ضرورة بناء اقتصاد متماسك، لأن الأمن لا يستقيم في ظل اقتصاد منهار، إذ يشكّل الفقر والبطالة بيئة مثالية للجريمة والنزاعات.
  5. 5. ضرورة إصلاح البنية السياسية اللبنانية لضمان الاستقرار المؤسسي.
  6. 6. إن الأزمات التي مر بها لبنان ليست عابرة، بل مرايا عكست ضعف الدولة، وعليها إعادة صياغة طرق فهمها للواقع.

 

خامساً: النجاحات والمكاسب التي سجلها لبنان

استطاع لبنان في عام 2025م، تسجيل عدة نجاحات، أثبتت أنه قادر على النجاة حتى في أشد اللحظات قسوة. منها:

  1. 1. منع اندلاع حرب كبرى مع إسرائيل، يُعد هذا إنجاز استراتيجي، يُحسب للدولة وللقوى الدولية الداعمة.
  2. تفعيل التعاون الأمني الدولي.
  3. 4. إحباط خلايا وأعمال تخريبية، وإلقاء القبض على مروجي المخدرات وإتلاف معامل تصنيعها.
  4. تنشيط الحراك الدبلوماسي، الذي أعاد إدراج لبنان على أجندة الاهتمام الدولي.

 

سادساً: استشراف المخاطر والتحديات في العام الجديد 2026

يبدو العام الجديد مثقلاً بالاحتمالات، منها:

  1. مخاطر أمنية، من التصعيد مع إسرائيل، خاصة مع استمرار خروقاتها للاتفاقات واغتيالها لقادة حزب الله. ومن احتمال ارتفاع الجريمة داخلياً، نتيجة تدهور الظروف الاقتصادية.
  2. 2. مخاطر جيوسياسية، يُتوقع أن يبقى مصير لبنان مرتبطاً بالتفاهمات الدولية بشأن الشرق الأوسط، وأن تنعكس التطورات الإقليمية مباشرة عليه، وأن يؤدي أي تصعيد إقليمي مرتبط بإيران إلى دفع لبنان لخط المواجهة، لارتباط بعض القوى الداخلية في لبنان مع إيران.
  3. 3. استمرار التدهور الاقتصادي والمالي، إذ لم تُستكمَل الإصلاحات في ملفات الكهرباء والمصارف، وسواها.
  4. 4. مخاطر سياسية، يُتوقع أن تتفاقم الضغوط السياسية الداخلية، وأن تؤدي إلى تعطيل القرارات المصيرية المتعلقة بالأمن والاقتصاد.
  5. 5. وقوع الدولة اللبنانية في مأزق، لعدم استطاعتها الوفاء بـ"حصر السلاح بيدها"، وإمكانية قيام إسرائيل بإنهاء هذه المهمة عسكرياً، نيابة عنها. ما يشير إلى أن مستقبل لبنان قد لا يكون مشرقاً، بل ملبد وضبابي بامتياز.

 

سابعاً: الفرص والنجاحات المنتظرة في 2026

يقف العام الجديد على الأبواب، كصفحة بيضاء تنتظر من يكتبها بوعي ومسؤولية. أي أن المستقبل لا يُمنح، بل يُصنع، ولبنان أمامه فرص واعدة ليعيد تشكيل ملامحه، منها:

  1. 1. إمكانية التوصل إلى تسوية سياسية داخلية، لتشكل مدخلاً لخطة إصلاحية متكاملة.
  2. 2. دعم دولي مشروط بالإصلاح، بفتح الباب أمام استثمارات ومشاريع إعادة الإعمار والطاقة.
  3. 3. استمرار تعزيز دور الجيش، بالدعم الدولي المستمر.
  4. 4. تعاون اقتصادي إقليمي، في مجالات الطاقة، ومشاريع النقل الإقليمي.
  5. 5. تنشيط قطاعات اقتصادية واعدة، كالتكنولوجيا والخدمات الطبية والسياحة.

 

خلاصة

كشف لنا تحليل مسار لبنان خلال عام 2025م، حجم التحديات التي تواجه هذا البلد والفرص القائمة أمامه وعمق إرادة الحياة لدى اللبنانيين. لكن

ختاماً نطرح السؤال التالي: هل سيستطيع لبنان تحويل صموده إلى نهوض؟ قد تسكن الإجابة، في ثنايا صفحات العام الجديد، لا سيما أن لبنان اعتاد رغم كل شيء، أن ينهض من تحت الركام، كطائر فنيق لا يعرف إلا التحليق.

مقالات لنفس الكاتب