array(1) { [0]=> object(stdClass)#14318 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 217

الأمير محمد بن سلمان قدم شرحًا حقيقيًا لترامب حول الحرب و3 سيناريوهات لمستقبل السودان

الإثنين، 29 كانون1/ديسمبر 2025

في خواتيم العام المنصرم استقبل السودان وفدًا رفيع المستوي من صندوق البنك الدولي بعد أربع سنوات من القطيعة بين الطرفين على خلفية قرارات الخامس والعشرين من أكتوبر التي أصدرها الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقضت بحل حكومة الدكتور حمدوك وتعديل عدد من مواد الوثيقة الدستورية منهيًا بذلك شراكة قلقة بين المكون العسكري وعدد من القوى المدنية، وجاءت زيارة وفد البنك الدولي لتقييم الآثار التي خلفتها الحرب الجارية حاليًا في البلاد، ولاستئناف تمويل بعض المشروعات المتعلقة بالطاقة النظيفة وتعزيز قدرة المجتمعات على الصمود بجانب مشاريع خاصة بالقطاعين الصحي والتعليمي، وبغض النظر عن تقييم مدى جدوى التعاون مع البنك الدولي في الجانب الاقتصادي تبقى هذه الزيارة مهمة في بعدها السياسي، ذلك أن استئناف البنك الدولي تواصله مع الحكومة السودانية يعني أن الدوائر والدول المؤثرة في القرار العالمي قد تجاوزت آراءها السابقة التي ترى أن عودة من تسميهم المدنيين وتعني بهم حصرًا مجموعة حمدوك شرطًا للتعامل مع الحكومة السودانية ولم تأت هذه الخطوة مفاجئة للمراقبين للمشهد السوداني، إذ سبقتها إشارات عديدة على حدوث بعض التغيرات الإيجابية على المستويين الإقليمي والدولي فيما يتعلق بالمقاربات التي تحكم تعامل تلك الأطراف مع الأزمة في السودان، كما أن الزيارة ساهمت في نقل صورة أخرى للسودان غير صور الحرب والمآسي الإنسانية المتواصلة في أكثر من مدينة سودانية، وعلى الرغم من أنها أقل من أن تغطي على الجرائم التي شهدتها مدينة الفاشر ولكنها إذا قرئت مع حجم الحراك الشعبي العالمي الداعم للسودان وشعبه فإنها ستعطي مؤشرًا على طبيعة التحولات التي تجري في الملف السوداني.

  خريطة الوضع الميداني:

   يمكن اختصار حصيلة العام  2025م، على أنه عام استعادة زمام المبادرة للجيش السوداني ميدانيًا وسياسيًا، فعلى المستوى الميداني استطاع الجيش وبعد تخطيط محكم وإعادة لترتيب الأوراق والخطط العسكرية هزيمة ميليشيا الدعم السريع هزائم كبيرة كان لها الأثر في قلب الموازين في المشهد السوداني، فقد كانت معركة تحرير العاصمة الخرطوم علامة مهمة في سير المعركة مع ميليشيا الدعم السريع التي كانت قاب قوسين من السيطرة على كل السودان بعد تمددها من الخرطوم إلى ولايتي الجزيرة وسنار في وسط السودان، وعلى الرغم من الميزة الإيجابية التي كانت تراهن عليها الميليشيا بتوفر أعداد المقاتلين لديها ولكنها لم تتحسب إلى خطورة الانتشار الميداني الواسع خاصة في ولاية مترامية الأطراف مثل ولاية الجزيرة، وهو الأمر الذي وظفه الجيش بمهارة عسكرية فائقة حين استطاع تقطيع أوصال الكتائب المنتشرة في مساحات شاسعة قبل أن يلحق بها الهزيمة الأكبر في يناير الماضي باستعادة مدينة واد مدني عاصمة الولاية، ويواصل زحفه نحو المدن والقرى الأخرى، وفي مارس الماضي أعلن الجيش استعادة القصر الجمهوري حيث كانت تتحصن نخبة المقاتلين من ميليشيا الدعم السريع التي أعلن قائدها قبل أسبوع من ذلك بأنهم لن ينسحبوا من القصر أبدًا، وبتطهير ولايات الخرطوم، سنار والجزيرة من ميليشيا الدعم السريع استطاع الجيش إعادة ربط المدن والولايات السودانية من أقصى شرق السودان ولاية البحر الأحمر حيث انتقلت الحكومة مؤقتا إلى تخوم ولايات دارفور ، ومسيطرًا في الوقت نفسه على ثلاث عشرة ولاية من جملة ثماني عشرة هي جملة ولايات السودان، بينما تراجعت الميليشيا لتحكم سيطرتها على إقليم دارفور بولاياته الخمس، وعلى الرغم من سقوط مدينة الفاشر عاصمة الإقليم في يد الميليشيا وكذلك مدينة بابنوسة عاصمة إقليم غرب كردفان إلا أن ذلك جر على الميليشيا حملات إدانة دولية غير مسبوقة نظرًا لحجم الجرائم التي تم ارتكابها في المدينتين، وتتمثل كبرى ثمرات هذه المكاسب الميدانية في إعلان الحكومة السودانية عودتها للعمل من العاصمة الخرطوم خلال الربع الأول من هذا العام، وهو ما يمثل دفعًا كبيرًا لاستعادة عمل الجهاز التنفيذي للدولة ولصورتها القوية داخليًا وخارجيًا ، ويعطي مطبخ التخطيط العسكري قوة إضافية لمواصلة العمل الميداني لاستعادة الولايات المحتلة من قبل الميليشيا في كردفان و دارفور. 

   مكاسب سياسية وتحديات كبيرة:

  على المستوى السياسي شهد العام الماضي تكوين حكومة مدنية هي الأولى منذ العام 2021م، تاريخ حل حكومة الدكتور حمدوك، حيث تم تكليف دكتور كامل إدريس المدير الأسبق للوكالة الدولية للملكية الفكرية برئاسة الوزراء، وكمحاولة للحاق بتلك التطورات الإيجابية أقدمت ميليشيا الدعم السريع على تكوين حكومة موازية بعد تأسيسها لما سمي تحالف تأسيس الذي انضم إليه عبد العزيز الحلو رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان والذي يتخذ من مدينة كاودا في ولاية جنوب كردفان عاصمة له، وكان من اللافت أن خطوة تأسيس حكومة موازية قوبلت برفض مطلق من الهيئات الدولية والإقليمية، كما أن عددًا من الدول مثل المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية وألمانيا وغيرها أصدرت بيانات رفض صريح لتلك الخطوة معلنة دعمها وحدة السودان واحترام مؤسساته وهياكله المعترف بها .

غير أن التطور الأبرز في هذا الجانب جاء إبان زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى الولايات المتحدة الأمريكية وتوليه تقديم شرح للرئيس ترامب حول الرواية الحقيقية للحرب في السودان، وهو الأمر الذي أعطى دفعة قوية للتذكير بالمآسي الإنسانية في السودان، كما أن ذلك اللقاء أوحى بإمكانية تجاوز جهود الرباعية الدولية التي تتكون من الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية والإمارات العربية المتحدة، وكانت الحكومة السودانية قد رفضت مقترحًا تبنته الرباعية الدولية وسط اتهامات بعدم حيادية مبعوث الرئيس ترامب مسعد بولس، وجاء ذلك الموقف وسط موجة دولية شعبية ورسمية لإدانة جرائم ميليشيا الدعم السريع والجهات التي تدعمها، والمناداة بتصنيف تلك الميليشيا كمنظمة إرهابية ..

 تحديات كبيرة:

 وعلى الرغم من كل تلك المكاسب الميدانية والسياسية  للحكومة السودانية لا يمكن التكهن بقرب انتهاء الحرب ولا بالطريقة التي ستنتهي بها، فلا تزال ميليشيا الدعم السريع تسيطر على أجزاء واسعة من السودان، فقد تمددت من إقليم دارفور إلى إقليم كردفان وأكملت سيطرتها على ولاية غرب كردفان وتسعى حاليًا لمحاصرة مدينة الأبيض عاصمة ولاية شمال كردفان والتي تمثل أهمية إستراتيجية على المستوى العسكري والاقتصادي، كما أن الميليشيا تضاعف جهدها لاستقدام المقاتلين المرتزقة الأجانب من دول مجاورة وبعيدة مستفيدة من سيطرتها على الحدود الدولية بين السودان ودولتي تشاد وليبيا ( حفتر) اللتين تدعمانها وتشكلان مهبطًا لتلقي الدعم العسكري وتمريره للميليشيا بصورة دورية وفاعلة، كما أن تأخر استعادة هذه الأراضي الشاسعة سيمكن الدعم السريع تحت الترهيب واستغلال الموارد الضخمة في إقليم دارفور من إقرار أوضاع على الأرض تحت سلطة الأمر الواقع بما يجعل تفكيكها صعبًا للغاية في المستقبل، خاصة وأن هناك تقارير موثقة تتحدث عن تغييرات ديمغرافية ممنهجة تتم حاليًا من قبل الميليشيا بفتح باب توطين القبائل الرعوية من دول أخرى بعد أن نفذت برنامج التهجير في غالب ولايات دارفور، على أن التحدي الأكبر اقتصاديًا يكمن في زحف الميليشيا نحو المواقع النفطية في مدينة هجليج غرب كردفان وفي إجبارها للشركات العاملة هناك من الانسحاب تحت مخاوف من اجتياح الميليشيا لتلك المناطق. ومن التحديات الكبري التي تواجه الحكومة هي الانقسام الحاد في المشهد السياسي بين المكونات المختلفة، فهناك قوى متنوعة تدعم الجيش وتقف خلفه ولكنها ليست مجموعة متماسكة سياسيًا وهيكليًا، وهو الأمر الذي يحد من تأثيرها السياسي، ومن ناحية أخرى هناك قوى تتعاون مع جهات خارجية تعمل بكل وسعها لإدانة الجيش بل وتسويق رؤية الميليشيا والتبرير لجرائمها، ومن المؤكد أن هذا التشظي السياسي ساهم في إضعاف قدرة النخب السودانية في إنتاج أفكار تعمل على التقريب بين الأحزاب بما يجعلها قادرة على التحاور بينها تحت سقوفات وطنية .

توقعات وآمال:

 بحلول أبريل القادم تكون الحرب قد دخلت عامها الرابع مخلفة مآس إنسانية كبيرة ، حيث تجاوز عدد القتلى الثلاثين ألفا بحسب منظمة الصحة العالمية، بينما بقي أكثر من ثلث سكان البلاد البالغ عددهم أربعين مليونًا بين نازح ولاجئ، وفي الوقت الذي تصارع فيه الحكومة لاستعادة الحياة المدنية في العاصمة الخرطوم وتعمل على إقناع المواطنين بالعودة لمنازلهم ودعوة رجال الأعمال لاستئناف أعمالهم من العاصمة لا تزال هناك تحديات كبيرة تبطئ هذه المساعي والآمال، وفي مقدمة ذلك قدرة الحكومة على استقطاب الداعمين لتبني برنامج لإعادة الإعمار بينما لا تزال الحرب مشتعلة في مناطق أخرى واسعة، وفي نفس الوقت تستميت ميليشيا الدعم السريع لنشر الذعر بإرسال الطائرات المسيرة لمناطق المدنيين واستهداف البنية التحتية ومحولات الطاقة ومحطات المياه .

وإذا نجحت الحكومة في تأمين عودة المؤسسات القومية والمواطنين إلى العاصمة فإن تلك الخطوة تعتبر نجاحًا كبيرًا سيساعد الحكومة لتقوية برامجها الساعية لاستكمال تحرير الأراضي التي تسيطر عليها الميليشيا واستعادة تفعيل البيروقراطية المدنية للدولة، أما على المستوى الميداني فإن هنالك سيناريوهات ثلاث متوقعة لهذه الحرب، وهي على النحو التالي:

أولًا : نجاح الجيش السوداني في استعادة المدن التي تحتلها ميليشيا الدعم السريع في إقليمي كردفان ودارفور ، وإرغامها على الإذعان لسلطة الدولة والحضور للتفاوض تحت سقف الاعتراف بالدولة والتخلي عن فكرة التمرد وحمل السلاح، وهو جوهر الخطة التي سلمها مجلس السيادة للأمين العام للأمم المتحدة، وظل قائد الجيش متمسكًا بها كشرط للجلوس مع الدعم السريع، وعلى الرغم من صعوبة هذا الخيار إلا أن تحققه وارد بنسبة كبيرة خاصة إذا استثمر الجيش السوداني التحولات الإيجابية إقليميًا بصورة ذكية بما يدعم مواقفه ميدانيًا ودبلوماسيًا.

ثانيًا: أن تنجح ميليشيا الدعم السريع في استعادة المواقع التي طردت منها خاصة العاصمة الخرطوم في محاولة لفرض نفسها عسكريًا وسياسيًا بالقوة وحمل الجيش على تنازلات مؤلمة، مستندة في ذلك على الدعم العسكري الإقليمي وعلى تدفق المقاتلين الأجانب، ولكن لا يبدو أن هذا الخيار سهل في ظل ترتيب الجيش لصفوفه والالتفاف الجماهيري الكبير خلفه، بجانب الهوة السحيقة بين المواطنين والدعم السريع الذي صار وحشًا مفترسًا في عيون المدنيين..

ثالثًا: أن تفرض القوى الدولية تسوية سياسية هشة تقوم على بقاء الكل في مناطق سيطرته استنساخًا لتجارب مشابهة، فتنشأ سلطتان في البلاد، وهو ما يمهد لانفصال إقليم دارفور في المدى البعيد.

وعلى كل فإن التعهدات التي ظل يرددها قائد الجيش بتحرير البلاد وعدم الاستجابة للضغوط الخارجية ترجح انطلاقة حملة عسكرية كبيرة خلال المرحلة القادمة لتطهير المدن من وجود الميليشيا واستعادة تلك المناطق لسلطة الدولة، وصحيح أن تلك الحملة سيكون ثمنها غاليًا ولكنه ثمن يهون أمام هدف المحافظة على وحدة البلاد وكرامتها.

مقالات لنفس الكاتب