array(1) { [0]=> object(stdClass)#14703 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 217

معالجة صراعات القرن الإفريقي تتطلب معرفة جذورها المعقدة والفاعلين داخليًا وخارجيًا ثم تقديم الحلول الفعّالة

الإثنين، 29 كانون1/ديسمبر 2025

يتناول هذا المقال التطوّرات السياسية والأمنية التي شهدتها منطقة القرن الإفريقي خلال عام 2025م، والتي كانت السمة البارزة فيها تفاقم الأزمات الداخلية وتصاعد تنافس القوى الخارجية فيها. وحسب المؤشرات المتوفرة حتى الآن يتوقع عدم تراجعها في العام المقبل لمحدودية فرص التسويات فيها. وتأسيساً على ذلك يحاول هذا المقال أن يحلل بنية الأزمات لخارطة الصراعات في القرن الإفريقي، عناصرها ومحدداتها، العوامل المتحكمة فيها، المواقف المعبرة عنها وملابساتها المتجددة، فرص الحلول لمعالجتها.

تعود القيمة الاستراتيجية لمنطقة القرن الإفريقي لوقوعها في المناطق الموسومة بالجيو-استراتيجية وذلك لسيطرتها على اختناقات بحرية تربط القارات الثلاثة (آسيا، إفريقيا، أوروبا) بأقصر طرق الملاحة للتجارة الدولية التي يمرّ عبرها ما يقارب 15% من إجمالي التجارة الدولية، ومثله التحركات العسكرية وقطعها البحرية من مراكزها الأصلية ومناطق انتشارها في أجزاء مختلفة من العالم. كما أنّ البحر الأحمر يحتضن في قاعه كابلات الألياف الضوئية والتي تعد بنية تحتية أساسية للاقتصاد الرقمي العالمي، إلخ. وعلى الرغم من تلك الأهمية الإستراتيجية للمنطقة، فإنّها تعيش في حالة من عدم الاستقرار منذ زمن طويل، نتيجة للصراعات الداخلية وتنافس القوى الدولية والإقليمية فيها. ولا يختلف عام 2025م، عن الأعوام الأخرى التي تراكمت فيها الأزمات في المنطقة. وحسب المؤشرات المتوفرة حتى الآن أيضاً الأوضاع لا تتجه نحو تحسن في العام المقبل، الأمر الذي شكّل وسيشكّل تهديداً جوهرياً لدول القرن الإفريقي التي تعاني أصلاً من الهشاشة السياسية والأمنية والاقتصادية والإنسانية، ومثله أيضاً يشكّل تهديداً حقيقياً للأمن والسلم الدوليين وسلاسل إمدادات الاقتصاد العالمي. وتعزّزت هذه المخاوف أكثر في العام الماضي والأعوام التي سبقته باضطرابات الملاحة في المنطقة بسبب تداعيات الحرب في غزة والحروب الأخرى في الإقليم، عودة القرصنة، تهديدات الأمن السيبراني للبنية التحتية الرقمية، استمرارية الحروب في السودان وإثيوبيا، تصاعد الخطاب الإثيوبي للوصول إلى البحر الأحمر، كما تزايدت حدة التنافس وعسكرة المنطقة من القوى الدولية والإقليمية. وبتداخل العاملين الداخلي والخارجي تصاعدت حدة الأزمات الأمنية والسياسية في المنطقة في العام الماضي، واستمرارها أكثر احتمالاً في العام المقبل.

لكن السؤال هل بإمكان التغلب على تلك الأزمات؟ للإجابة على هذا السؤال لا بدّ من تناول البنية الأساسية لتلك الأزمات. على المستوى المحلي تعود إلى عجز النخب السياسية في تأسيس الدولة الوطنية التي تستوعب الجميع على أساس العدل والمساواة، وفشلها في التنمية وتطوير وسائل تداول السلطة بطرق سلمية سبيلاً؛ فكان وما زال انتقال السلطة في هذه الدول يتم بصيغة المغالبة بالقوة وإلحاق الآخر بها قسراً، وفرض مجموعة بعينها الهيمنة في الحكم مع تهميش الآخرين؛ وتمارس العنف بشكل مباشر أو بطرق تفويضية عبر المؤسسات الرسمية ضد الأفراد والجماعات المختلفة معها. الأمر الذي ينتج عنه عنف وعنف مضاد؛ ينتهي بانقلابات عسكرية، تمرد عسكري، ميليشيات، على شكل سياقات مجتمعية: قومية، إقليمية، قبلية إلخ--. ومن عناصر الصراع الأخرى في المنطقة؛ قضايا مرتبطة بترسيم الحدود بين الدول، التدهور البيئي وزيادة رقعة التصحر، النزاع حول مياه النيل بين دول المنبع والمصب، رغبة إثيوبيا في الوصول إلى البحر الأحمر دون الاهتمام بقانون البحار الدولي والبنود الخاصة المنظمة للعلاقات بين الدول الحبيسة والدول الساحلية، ظاهرة القرصنة، الجماعات المتطرفة إلخ--. وإنّ حدة هذه الأزمات قد تفاقمت أكثر خلال العام الماضي متشابكة مع صراعات مركبة أخرى ذات أبعاد إقليمية ودولية. وتداخل المستويات الثلاثة (المحلية، الإقليمية، الدولية) مع بعضها أدّى إلى تصاعد الأزمات الداخلية وتفاقم التوترات الإقليمية، ويتوقع أن تتواصل هذه الأزمات ما لم يحصل تداركها وإبطال مفعولها.

ففي عام 2025م، ساد المشهد الإثيوبي توترات في تنفيذ مخرجات عملية السلام التي وُقّعت بين الحكومة الفيدرالية والتيغراي في بريتوريا، وبسبب هذه التوترات عاد الخوف من شبح الحرب المدمرة مرة أخرى في الإقليم، كما أصبح أيضاً يرتفع خطاب الأصوات المطالبة بتقرير المصير لإقليم التيغراي. وحرب أخرى انفجرت في إقليم الأمهرة بين الجيش الفيدرالي وفانو وصفت بمواجهات عنيفة. ومثله شهد إقليم الأرومو مواجهات متقطعة بين الحكومة الفيدرالية وبعض الفصائل الأرومية المسلحة، التي تطالب بحكم ذاتي موسّع والاعتراف بالهوية الإرومية في البلاد. كما أنّ بعض الأقاليم في البلاد تشهد خلافات بينية حدودية على سبيل المثال بين إقليمي التيغراي والأمهرة وبين العفر والصومال إلخ--. وإنّ تلك المواجهات المسلحة والتوترات المجتمعية جعلت القوميات الإثيوبية في حالة استنفار واستعداد للتحول من التنافس السياسي إلى مواجهات عسكرية، وهو ما شاهدناه خلال عام 2025م، والأعوام التي سبقته. وفي الوقت نفسه توترت علاقات إثيوبيا مع بعض دول الإقليم بسبب استمرار النزاع بينها وبين دول المصب حول مياه النيل، ومثله مع الصومال وإرتريا بسبب تصاعد خطابها للوصول إلى البحر الأحمر بأي طريقة؛ وإنّ هذا الخطاب وغيره أدى إلى تقارب مصر، السودان، الصومال، إرتريا لمواجهة التهديدات الجيو-سياسية في المنطقة. ومما سبق مناقشته أنّ إثيوبيا تعاني من أزمات متعددة الأبعاد منها: ضعف المؤسسات المركزية مع نزوع الأقاليم لتوسيع صلاحياتها، التوترات المجتمعية مع إبراز الهويات القومية، النزاعات المسلحة القائمة على السياقات القومية. إضافة إلى توتر علاقاتها مع غالبية دول الجوار بسبب تعاملها مع بعض القضايا دون الاكتراث لحساسيتها في المنطقة. هذه الأمور وغيرها مجتمعة تجعل مستقبل إثيوبيا في محك ما لم تستطع ردم الهوة بين الأقاليم والمركز بهيكلة نظام الحكم بطريقة متوازنة يستوعب الجميع ويتخذ الديمقراطية سبيلاً في تداول السلطة، الاهتمام بالتنمية المستدامة، تطوير هوية وطنية جامعة، وقف العمليات العسكرية، تبني علاقات خارجية متوازنة إلخ-- فإنّ مستقبل استمرارية الدولة الإثيوبية بصيغتها الحالية سيكون أمراً صعباً، وفي أسوأ الحالات قد يصل بها الأمر إلى التفكك، الأمر الذي سيكون له انعكاسات سلبية بعيدة المدى على إثيوبيا وعلى أمن الإقليم برمته.

أمّا الأزمة السودانية فهي في تفاقم مستمر، فالحرب في أشدّها في غرب البلاد، بعد انسحبت إليه قوات الدعم السريع في مطلع عام 2025م، من العاصمة الخرطوم وولايتي الجزيرة وسنار. وإنّ الحرب في السودان تحولت منذ البداية إلى حرب شاملة، تستهدف جميع جوانب الحياة، وتميّزت بالاستمرارية دون الانقطاع بأعلى مستوياتها العنيفة. وما زال الطرفان يملكان القوة البشرية والمادية، ولذلك لم تُحسم المعركة لصالح أحدهما حتى الآن، بل تبادل الطرفان الانتصارات والهزائم. ففي الجولة الأولى من الحرب أحدث الدعم السريع اختراقات في استراتيجية الجيش السوداني، وعلى ضوئها سيطرت قوات الدعم السريع على غالبية العاصمة وولايتي الجزيرة وسنار وأجزاء من إقليم دارفور. وفي الجولة الثانية كان الاختراق من نصيب الجيش السوداني لاستراتيجية قوات الدعم السريع، فاستطاع الجيش طرد قوات الدعم السريع من العاصمة وولايتي الجزيرة وسنار وأجزاء من الإقليم الغربي. وأمّا الجولة الثالثة حتى الآن فيبدو السائد فيها التوازن السلبي بعد سقوط الفاشر ومناطق أخرى في يد الدعم السريع مع بطء تقدم الجيش في الجبهات المختلفة في الإقليم. وبناءً عليه أصبح من الصعب التنبؤ بمآلات الحرب في السودان على المدى القريب، وعلى الرغم من ذلك قد لا تخرج الأمور من الاحتمالات الآتية:

  • أن يسيطر الجيش وحلفاؤه على الوضع.
  • أن يصل الطرفان إلى التوازن السلبي فيجنحان إلى السلم.
  • أن يُحكم كل منهما مناطق سيطرته مثل الحالة الليبية.

على العموم إنّ هذه الحرب تسببت في تدمير شامل للسودان، وفي قتل وجرح آلاف المدنيين ونزوح يُقدّر بنحو 11 مليون شخص، منهم 9 ملايين داخل البلاد و2 مليون إلى دول الجوار وفق المنظمة الدولية للهجرة، علاوة على تدمير البنية الاقتصادية والنسيج الاجتماعي إلخ. هذه الأمور وغيرها مجتمعة سيكون لها آثار سلبية بعيدة المدى على السودان وعلى استقرار الإقليم بكامله.

وأمّا الوضع في الصومال في عام 2025م، فلم يحدث فيه أي تغيير يُذكر، ما زالت البلاد تعاني من ضعف الحكومة الفيدرالية وعدم سيطرتها على الخارطة الصومالية بكاملها، استمرار الصراع مع حركة الشباب، كثرة الميليشيات والحركات المسلحة الأخرى، إضافة إلى القوات التابعة للأقاليم شبه المستقلة، الجدل حول الاعتراف بأرض الصومال وتداعياته الإقليمية. على العموم تبدو الأوضاع في الصومال شبه ثابتة، ولا يتوقع أن يحدث فيها تغييرات كبيرة في العام المقبل.

وإرتريا هي الأخرى التي تعاني من أزمات سياسية وأمنية واقتصادية، الأمر الذي دفع المزيد من الإرتيريين للهجرة، إضافة إلى توتر علاقاتها مع إثيوبيا، مما جعل عام 2025م، لا يختلف عن الأعوام الأخرى في البلاد، ويتوقع أن يستمر الأمر كما هو في العام المقبل ما لم تحصل إصلاحات عاجلة لتلك الأزمات.

وأمّا جيبوتي في عام 2025م، فقد حافظت على مكانتها كمركز تجاري ولوجستي، ومثله في مكانتها كمنصة مهمة للقوى الدولية والإقليمية. وبالمقابل تواجه تحديات كبيرة تتعلق بالديون، الحوكمة لتعزيز الشفافية في إدارة الموارد، البطالة، الحفاظ على التوازن الداخلي الدقيق، ومثله توازن دبلوماسي دقيق مع القوى الدولية المتنافسة التي تحتضن جيبوتي قواعدها العسكرية.

آفاق الحلول

لمعالجة حدة هذه الصراعات في منطقة القرن الإفريقي؛ لا بد من النظر إلى جذورها التاريخية المعقدة والفاعلين فيها داخلياً وخارجياً، ومن ثم تقديم معالجات فعّالة لها، منها: الاهتمام بملف الحكم الرشيد، التنمية الشاملة والمستدامة، تحويل اهتمام القوى الدولية والإقليمية إلى منطلق تكاملي لتبادل المصالح. وبالمقابل مطلوب من القوى الدولية والإقليمية مساعدة هذه المنطقة للخروج من أزماتها والوصول إلى سلام مستدام، عبر مساعدتها في بناء القدرات المؤسسية والفنية والإمكانيات المالية، مع التركيز في تمويل المشاريع الإنتاجية والأمن الغذائي وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص فيها، والاهتمام بالحوكمة لتعزيز الشفافية وسيادة القانون فيها.

مقالات لنفس الكاتب