array(1) { [0]=> object(stdClass)#14597 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 217

نتائج الحرب الأوكرانية تؤسس لقرارات جديدة للناتو وأوكرانيا مرشحة لعضوية الاتحاد الأوروبي لا الناتو

الإثنين، 29 كانون1/ديسمبر 2025

تشهد الساحة الدولية تحولات متسارعة ومتباينة، تقودها إلى مسارات غير متوقعة. وقد تختبر هذه المسارات انعطافات مفاجئة جراء عوامل يصعب استباقها، إذ تتشكل تبعًا للتطورات الراهنة. وبناءً عليه، بات تقديم تحليل معمق لهذه المستجدات أكثر إشكالية من ذي قبل، إذ يتطلب قراءة دقيقة للحقائق بهدف درء التهديدات وإيجاد السبل الكفيلة بحماية نظام عالمي مستقر يضمن استدامة العيش والازدهار.

لم تعد التعددية، كما ترسخت بعد الحرب العالمية الثانية، تمثل حجر الزاوية للعلاقات الدولية أو آليتها الرئيسية للتوفيق بين المصالح المتباينة للدول. بل على النقيض، أصبحنا نعيش في بيئة قائمة فقط على المقأيضًات أو المصالح المتبادلة، حيث تتقدم الهويات الوطنية والمصالح الذاتية المفترضة إلى صدارة الاهتمامات.

السؤال الأساسي إذًا، كيف يمكن لهذا الواقع أن يتماشى مع مجتمع دولي منظم شاغله الرئيسي كيفية تجنب شبح الأزمات أو الحروب. فإذا ما نظرنا إلى وضع حلف شمال الأطلسي "الناتو"، يبدو أن الإجماع حول الأولويات المشتركة بات هدفًا أكثر صعوبة في ظل تزايد عدد الأعضاء الذي بلغ 32 عضوًا. بينما كان الانقسام إبان حقبة الحرب الباردة قائما بين كُتلتين محددتين بما سهل حينها عملية صنع القرار. مع ذلك، فإن القناعة المتنامية لدينا تقضي بحتمية قبول التغيير إذا ما أردنا الحفاظ على مكانتنا كفاعل رئيسي في الشؤون الأمنية.

يُعزى تأسيس حلف الناتو إلى التوقيع على معاهدة واشنطن عام 1949م، وقد مثلت تلك المعاهدة في حينها مستهل حقبة تاريخية اختتمت فصولها مطلع التسعينيات، بالتزامن مع تفكك الاتحاد السوفيتي. وأثبت التحالف الغربي براعة بفضل انتصاره في الحرب الباردة دون إراقة الدماء وباعتماده مزيج جيد من أساليب الردع والحوار. كما واكب التحالف على مدار تاريخه العديد من التغييرات التي استطاع التكيف معها. وهو يعد في الأساس منظمة موجهة للتحرك وقتما تقتضي الحاجة بالتوافق بين الأعضاء، دون التقيد بمجموعة من القواعد المعقدة أو المذاهب، ومدعومة بإرشادات مجموعة من أفضل الخلفيات العسكرية على مستوى العالم.

وبالرغم من عدم مشاركة الحلف في الحرب على العراق، إلا إنه كان ضمن المشاركين في العملية العسكرية التي شنت داخل أفغانستان تحت شعار مكافحة الإرهاب الدولي. والتي شكلت تجربة قاسية نظرًا لعدم توافر دراية سابقة في كيفية التعامل مع هذا النوع من التحديات.

 شكل ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في عام 2014م، نقطة تحول أثارت تساؤلات ملحة حول طبيعة دور حلف شمال الأطلسي. وعلى الرغم من أن الأمن العالمي المستقبلي قد يرتبط بمسارات مختلفة، إلا أن التاريخ الإقليمي والهوية الوطنية يظلان عاملين محوريين وذوي أهمية قصوى.

وخلال فترته الرئاسية الأولى، اعتمد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موقفًا متأرجحًا حيال الناتو، بحجة أن بلاده تدفع الكثير من الأموال نظير حماية حلفائها الأوروبيين الذين ينتفعون من هذا الوضع. ولكن على الجانب الآخر، تُظهر استطلاعات الرأي التي أجريت حول الناتو في العديد من المناسبات (داخل الولايات المتحدة) أن غالبية الرأي العام الأمريكي ينظر بإيجابية إلى التحالف الغربي. شأنه في ذلك شأن قطاع عريض من الأوساط الدبلوماسية والعسكرية الأمريكية. ولعل ذلك السبب الذي أثنى الرئيس ترامب عن تغيير الرابط التاريخي بين ضفتي الأطلسي.

يتعين علينا النظر في وضع الناتو ذاته كمنظمة تسعى للتطوير والتحديث. فهو يواصل التكيف وتحديث قدراته على المستويات العسكرية والصناعية والتقنية. ويشكل هذا المحور نقطة مهمة ينبغي تناولها نظرًا لتأثيرها المباشر على الدور الذي قام به التحالف على مدار عام 2025 والذي يمكن أن يلعبه ونحن على أعتاب عام جديد. عادة ما تُشكل "التحالفات" بهدف بلوغ غاية محددة، وفور تحقيقها سرعان ما يتم حلها. ولكن لم يكن كذلك الأمر بالنسبة لحلف الناتو، الذي يظل، بعد مضي نحو 80 عامًا على تأسيسه، "التحالف السياسي-العسكري الأهم في التاريخ.

 بادئ ذي بدء، يتميز الناتو برابط فريد بين جانبيه العسكري والمدني. حيث يتولى الأخير اتخاذ القرارات النهائية، في حين تظل التوجيهات العسكرية بمعزل عن أية اعتبارات خارجية. ميزة أخرى تكمن في قابلية التشغيل البيني بين جيوش الدول الأعضاء، التي أثبتت في العديد من المناسبات -بدءًا من البوسنة إلى أفغانستان، وصولًا إلى عملياتها الراهنة في منطقة شرق أوروبا- أنها على أهبة الاستعداد للقيام بمهامها الدفاعية. كذلك يتمتع الناتو بقدرة فريدة على إدارة عمليات واسعة النطاق لمسافات طويلة المدى بفضل الخبرات العسكرية المتوفرة لدى بروكسل ومقر القيادة العليا للقوات المتحالفة في أوروبا. بالتالي، فإنه يقدم نموذجًا لمنظمة عملية موجهة لإدارة الأزمات. وعادة ما تُتخذ القرارات النهائية من قبل مجلس شمال الأطلسي بعد مشاورات سرية وموسعة، دون أن يمثل الإجماع قيدًا رسميًا بقدر ما يعد مفهومًا أكثر مرونة ويُمارس بشكل جيد وفعال.

يتضمن الميثاق التأسيسي لحلف الناتو بندًا خاصًا بالمساعدة المتبادلة في حالات العدوان، وهو البند رقم "5" من معاهدة واشنطن الذي تم استخدامه في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر. ومن المزايا المهمة التي طُوِرت بمرور الوقت، تنامي عدد الشركاء المرتبطين بالناتو عبر شتى أنواع التعاون. على صعيد المنطقة العربية، تم تدشين "الحوار المتوسطي"، ومبادرة" إسطنبول للتعاون" في عام 2004م. حيث قام كاتب هذا المقال بدور نشط في تعزيز المشروعات العملية التي تعد محل اهتمام مشترك واستحوذت على الاهتمام الكامل من قبل الحكومات الـ 13 المعنية. ويمكن للشركاء الحاليين للناتو، الذين يتجاوز عددهم 30، نيل العضوية الكاملة. وينطبق ذلك على كل من فنلندا والسويد، اللتين قررتا الانضمام إلى الحلف بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، إيمانًا بأنه الدرع والوسيلة الأفضل لحمايتهما.

السمة الأبرز لسجل الناتو في عام 2025م، تمثلت في قمة "لاهاي"، التي تعد مرحلة فارقة في تاريخه -حتى وإن كان بيانها الختامي الأقصر على امتداد تاريخ المنظمة. فقد أكدت القمة على الرابط بين ضفتي الأطلسي، كما شددت على أهمية البند رقم 5، وعدم تخلي الحليف الأمريكي عن عضويته الكاملة داخل التحالف. في الوقت ذاته، أكدت القمة على رفع مستوى الإنفاق الدفاعي لكافة الدول الأعضاء إلى 5 % من إجمالي الناتج المحلي؛ مقسمة بين 3.5% للمساعدات العسكرية و1.5% للانتفاع المتبادل. فيما يعد التزامًا سياسيًا مهمًا متفقًا عليه من قبل الأوروبيين وسيتم مراجعته بحلول عام 2029.

وهكذا، يمكن بسهولة أن نرى أننا بصدد قرار تاريخي ربما يستلزم جهودًا جادة من قبل الأعضاء الأوروبيين، ولكنه قطع دابر أي جدل داخل الأروقة الدولية حول أهمية دور الناتو. ومن مميزات هذا التطور، عودة "البعد الجنوبي" على أجندة التحالف الغربي. وذلك من خلال تعيين مبعوث خاص مكلف بتحسين آفاق التعاون الأمني داخل المنطقة العربية. واكب ذلك أيضًا تركيزًا ملحوظًا على التكنولوجيا الفائقة، والابتكار الصناعي، والأدوات الجديدة تماشيًا مع الأولويات الناشئة التي تفرضها متطلبات هذا العصر.

وإذا ما نظرنا للأزمة الأوكرانية، ربما لم ينخرط الناتو بشكل مباشر في الحرب الدائرة رحاها، وهذه نقطة مهمة يجب أخذها في الاعتبار، لكن هناك مشاركة نشطة من قبل الدول الأعضاء في سبيل دعم كييف بشتى الطرق بما في ذلك تقديم الدعم العسكري. في الوقت ذاته، اتخذ الناتو موقفًا دفاعيًا قويًا على صعيد جناحه الشرقي مع تكثيف أنشطة المراقبة الجوية، وأنظمة الإنذار المبكر، وتمركز العناصر المسلحة لكافة الدول الأعضاء داخل ثماني دول، بدءًا من إستونيا في الشمال إلى بلغاريا في الجنوب، ويعتمد كل ذلك على نظام التناوب. هناك أيضًا أنشطة إنذار مبكر متعددة المجالات، مثل "الحارس الأوروبي" و"حارس البلطيق". فيما أصبحت الطائرات المسيرة عنصرًا رئيسيًا في هذه الحرب، وقضية يتم تناولها ضمن إطار أوسع يعرف بــ “الدفاع الجوي والصاروخي المتكامل". تُشكل هذه المواقف، التي تحاكي عملية شاملة متعددة الأركان، رادعًا قويًا وتحذيرًا من مغبة أية تحركات عدوانية محتملة من جانب روسيا.

من جانبه، يعكف الاتحاد الأوروبي على رفع مستوى قدراته ويجرى حاليًا نقاشًا سياسيًا جادًا بشأن ما هو الهدف النهائي الذي يسعى لتحقيقه. حيث تقضي النظرة السائدة بحتمية الإبقاء على حلف الناتو كمنظمة أساسية للدفاع والأمن، مع ضرورة تشكيل "دعامة أوروبية" وتعزيزها، دون الحاجة لترجمة هذا المفهوم إلى مصطلحات مؤسسية أو مجموعة جديدة من القوانين الرسمية. بعبارة أخرى، ينبغي للدول الأوروبية العمل على ترسيخ حضورها والاضطلاع بدور أكبر في تقاسم الأعباء دون وجود داع لإعادة تشكيل المنظمة. بل وأن يواصل حلف الناتو التكيف وإعلاء التغيير بما في ذلك تطوير القدرات التكنولوجية المتقدمة.

يُفضي بنا ذلك إلى استنتاج واضح مفاده أن استجابة حلف شمال الأطلسي (الناتو) والاتحاد الأوروبي للأوضاع التي لم يكن يتوقعها إلا قلة قبل تتابع الأحداث، جاءت منسقة ومخالفة للتوقعات. وبالنظر إلى المستقبل القريب، فمن المتوقع أن تشكل نتائج الحرب الأوكرانية الكلمة الفصل لما تنطوي عليه من دلالات سياسية، واقتصادية، وإنسانية. وربما تُرسي أساسًا لقرارات جديدة يتخذها الحلف. الأمر المؤكد هو أن أوكرانيا مرشحة لنيل عضوية الاتحاد الأوروبي لا الناتو.

ويشار إلى أنه من المقرر أن تستضيف العاصمة التركية أنقرة القمة المقبلة لحلف الناتو بحلول صيف 2026م، لتصبح المرة الثانية في تاريخ تركيا، بعد انعقاد قمة إسطنبول في يونيو 2004م. ولكن من الصعب التنبؤ بالقضايا المهيمنة على المشهد في ظل التغيرات السريعة الطارئة على الأجندة الأمنية. فإذا حُسمت قضية أوكرانيا، فمن المتوقع أن نلمس دافعًا جديدًا لتدشين مبادرات مثل "الأمن التعاوني" في الجنوب والشرق الأوسط. ورغم أن مبادرتي "إسطنبول للتعاون"، والحوار المتوسطي" لا تزالان قائمتين، إلا أن الحرب في أوروبا استحوذت على المشهد الراهن.

بالتالي، قد نشهد استحداث مبادرة جديدة أو إعادة إحياء أخرى، نظرًا لأن الوجود النشط للناتو داخل المنطقة، سواء كان مقترنًا بشكل من أشكال الوجود العسكري، أو المشروعات المشتركة، يحمل آفاقا كبيرة ويمكن أن يخدم كمكمل للمبادرات الأخرى سواء داخل قطاع غزة أو على المستوى الإقليمي. على سبيل المثال، يمكن أن يرافق ذلك صفقة أمنية بين الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية. ويعد رأي الجانب العربي في هذا الشأن موضع ترحيب، حيث من المتوقع أن تضطلع المملكة بدور ريادي لاسيما حاليًا بعدما أصبحت "حليفًا رئيسيًا من خارج الناتو".

متى يُتخذ قرار سياسي، يتحول حلف الناتو إلى أداة شديدة الفعالية في مجالات التعاون العملي، وذلك بفضل سجله الموثّق والحافل، وقدرته على توحيد عدد كبير من الأطراف الفاعلة الوطنية المعنية. من الممكن أيضًا أن تطغى قضايا منطقة المحيطين الهندي والهادي وتايوان على المشهد في القريب المستقبل. وذلك في ظل التطورات المتوالية بينما نكتب هذه السطور: فقد صرحت طوكيو بأن مستقبل تايوان تعد مسألة حياة أو موت بالنسبة للدولة اليابانية مما أثار بلا شك ردود فعل مضادة من قبل الجانب الصيني. وعلى ما يبدو أننا على وشك اندلاع مواجهة محتملة بين البلدين لا يمكننا التنبؤ بما ستؤول إليه. لاسيما وأن الجانب الأمريكي لم يبادر حتى اللحظة بلعب دور مؤثر في القضية.

ختامًا، من المتوقع أن يستمر حلف شمال الأطلسي في الاضطلاع بدور حيوي ومؤثر كركيزة للدعم الأمني في المستقبل. ويؤكد هذا السياق المقولة الشهيرة: "إن حلف الناتو تحركه الضرورة لا التخطيط المُسبَق". لقد أثبت التحالف، من خلال الأزمة الأوكرانية، قدرته المتجددة على الفعالية والإنجاز. وبذلك، يمكن للمجتمع الدولي أن يعوّل عليه كأداة ذات قيمة وكفاءة عالية لتعزيز الأمن، شريطة أن يتم توظيفها بتبصر وحكمة.

مقالات لنفس الكاتب