من الناحية العملية، الحرب على فلسطين لم تتوقف، إنما شكلها ووتائرها اختلفت، وبعد أن كانت تأخذ شكل حرب إبادة جماعية دموية مكثفة في قطاع غزة. على امتداد عامين، بدءًا من السابع من تشرين الأول/ أكتوبر عام 2023م، تحولت إلى حرب استنزاف من جانب واحد، في غزة والضفة. فالاعتداءات تتواصل يوميًا، ويتخللها قصف بالطيران والمدفعية، وتفجير الروبوتات ونسف المباني وقتل المواطنين بالعشرات في قطاع غزة، فمنذ 11 أكتوبر / تشرين أول الماضي تاريخ الإعلان عن الهدنة في غزة ولغاية الآن استشهد ما يقارب من 400 فلسطيني في غزة وجرح أكثر من 1000 وعمليات الهدم والحصار لم تتوقف، أما في الضفة فالحرب تأخذ أشكالًا أخرى، اجتياحات عسكرية واسعة للمدن والقرى والمخيمات، وإرهاب المستوطنين، الممتد على مساحة الضفة كلها. بالتزامن مع توسع استيطاني غير مسبوق، واقتحامات يومية للمسجد الأقصى، بالإضافة إلى سلسلة من القوانين والتشريعات يصدرها الكنيست الإسرائيلي تشكل في مجموعها عملية ضم فعلي ولكن غير معلن.
ما جرى ويجري لا يمكن وصفه سوى أنه نكبة جديدة للشعب الفلسطيني، هي أشد من نكبة العام 1948م، هناك 70 ألف شهيد، و200 ألف جريح ومفقود معظمهم أطفال ونساء، وتدمير أكثر من 80 بالمئة من قطاع غزة. لم يعد هناك مدارس ولا جامعات، وغالبية المستشفيات تم تدميرها او إخراجها عن الخدمة، ومع القليل من التركيز الإعلامي، فإن ما جرى في الضفة لا يقل خطورة، مناطق شاسعة من أراضي الضفة أصبح من المتعذر على المواطنين الفلسطينيين، أهل البلد الأصليين، من دخولها بسبب إرهاب المستوطنين. تغيرات جغرافية وديموغرافية في مخيمي جنين وطولكرم. كل ذلك بالتزامن مع عمل إسرائيلي وغير إسرائيلي ممنهج لتقويض السلطة الوطنية الفلسطينية، التي تتعرض لحصار مالي خانق، وحملات تشكيك مركزة منذ سنوات عدة، فالكيانية السياسية الشرعية والمعترف بها، المتمثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية، والتي تمثل نواة الدولة الفلسطينية يجري عمليًا تقويضها.
وما يجعل المشهد أكثر تعقيدًا، التدخل النشط لقوى إقليمية، بالشأن الفلسطيني، فمن جهة المحور الإيراني، والذي يطلق على نفسه " محور المقاومة "، والذي يمثل غطاءً للتمدد الإيراني في المنطقة، ومن جهة أخرى التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين وحلفائه الإقليميين، وكلاهما لعب دورًا في تغذية الانقسام الفلسطيني وفصل قطاع غزة عن الضفة، مما أضعف، وعلى امتداد عقدين، المبادرات العربية والدولية الصادقة، التي تنادي بحل الدولتين، وكانت هذه المحاور تقدم لإسرائيل الذرائع للتهرب من استحقاق الدولة الفلسطينية المستقلة.
الإيجاز السابق يكشف أن القضية الفلسطينية لم تخرج بعد من عنق الزجاجة، ولم تتجاوز خطر التصفية، ويكشف عن المخاطر والتحديات التي على الشعب الفلسطيني وقيادته مواجهتها في المرحلة القادمة.
فمن جانب الحرب لم تتوقف تمامًا، وبالتالي مخاطرها لاتزال قائمة، ومن جانب آخر التدخل بالشأن الفلسطيني الداخلي لا يزال مستمرًا، الأمر الذي يعرقل استعادة الشعب الفلسطيني لوحدته الجغرافية والسياسية للدولة الفلسطينية، فحماس، المدعومة بقوة من قوى إقليمية، لاتزال ترفض التنازل عن سيطرتها على قطاع غزة، وهي سيطرة باتت تنحصر على أقل من نصف القطاع.
قد يكون اللجوء لطرح الأسئلة ومحاولة الإجابة عليها، المدخل الأكثر عملية لتفكيك العقد المزمنة والراهنة، ووسيلة لاستشراف المستقبل، ومسؤولية كل طرف لتحقيق السلام العادل والشامل في المنطقة، من بين هذه الأسئلة، لماذا لم ننجح بعد في كسر دائرة العنف والحروب؟ بالرغم من أن هناك غالبية كاسحة من الدول تؤيد حل الدولتين وتعترف بالدولة الفلسطينية، لماذا لم يرى هذا الحل النور على أرض الواقع؟
ما العمل كي (نقنع إسرائيل)، وحتى إدارة الرئيس ترامب بحل الدولتين وتحقيق الاستقرار في المنطقة؟
هناك حقيقة تاريخية تتعلق بمنطقة الشرق الأوسط، إنها منطقة مليئة بالأزمات ويأخذ التوتر وتأخذ الحروب المساحة الأوسع من التاريخ، ولكن منذ أكثر من قرن، وبالتحديد مع وعد بلفور العام 1917م، ومع تجزئة الوطن العربي في إطار سايكس ـ بيكو، أصبحت القضية الفلسطينية هي مصدر التوتر الرئيسي والسبب لأغلب الحروب، وتحولت إلى مفجر لأزمات أخرى في المنطقة، مما ضاعف من حدة العنف والتطرف. وإلى جانب أبعادها الأخرى، فإن بعدها التاريخي والديني والعاطفي القوي، جعل من القضية الفلسطينية مادة وورقة للاستخدام من قبل أطراف عربية وغير عربية، وفي العقود الثلاث الأخيرة الذريعة والمبرر لتمدد مشاريع الآخرين في الجسد العربي، والمقصود هنا وبالتحديد المشروع الإيراني عبر ما يسمى بـ “محور المقاومة ".
في واقع الأمر كان هناك طرفين ليس من مصلحتهما أن تهدأ المنطقة وتستقر، وأن تجد القضية الفلسطينية حلًا عادلًا ودائمًا لها، الأول هو اليمين المتطرف الإسرائيلي، والذي عمل جاهدًا على تقويض اتفاقيات أسلو وعلى منع قيام دولة فلسطينية. اما الطرف الرئيسي الثاني فهي إيران، التي تغذي مشروعها عبر التوتر والعنف والتطرف، وتستخدم القضية الفلسطينية كأداة للتوسع، وفي الوقت نفسه كأداة ضغط على واشنطن وبقية الأطراف في المنطقة، من أجل إبرام اتفاق أكثر ملاءمة لها.
هناك إدراك متزايد، خاصة بعد حرب العامين الإجرامية والدموية، أن المدخل لنزع فتيل التوتر، وكسر دائرة الحروب والعنف والتطرف، هو في حل الدولتين، وأن تكون هناك دولة فلسطينية مستقلة على خريطة الشرق الأوسط تلبي للشعب الفلسطيني حقه في تقرير المصير، والعيش بسلام مع باقي شعوب ودول المنطقة. وتأتي المبادرة السعودية الفرنسية، والتي أطلقت بقوة الرد المناسب على منطق القوة والحرب، وتوجت بتشكيل محور دولي ضاغط، وباعتراف متزايد بالدولة الفلسطينية، ومن دول وازنة كفرنسا وبريطانيا وكندا، كما بدونها لما كانت إدارة الرئيس ترامب تحركت لوقف الحرب.
التجربة المريرة في العامين المنصرمين تؤكد الحاجة أكثر من أي وقت مضى بضرورة إيجاد حل للقضية الفلسطينية بالوسائل السلمية، وعبر المفاوضات، فخيار ما يسمى بـ " محور المقاومة " سقط من الناحية العملية، بل قدم لإسرائيل، وبالتحديد لليمين المتطرف الإسرائيلي، ليس الذرائع وحسب، وإنما تأكيد نظريته للرأي العام الإسرائيلي، بأن القوة وحدها من يحقق الأمن لإسرائيل، كما منح الدولة العبرية فرصتها الثمينة للتوسع وفرض سطوتها على المنطقة، بالمقابل أثبتت كل التجارب السابقة أن المسلك السلمي التفاوضي هو البديل الذي يمكن أن يضع حد للتوسع الإسرائيلي.
نعود للسؤال، كيف يمكن أقناع إسرائيل وإدارة الرئيس الأمريكي ترامب بأن حل الدولتين هو المدخل ليس فقط لاستقرار المنطقة، بل لأمن إسرائيل وتعايشها السلمي في المنطقة؟
هناك خطوات قد تكون مطلوبة من العديد من الأطراف:
أولًا: الجانب الفلسطيني، طرف الصراع الرئيسي، وصاحب المصلحة بالسلام العادل والشامل. وهنا تأتي أهمية المضي قدمًا بنهج الإصلاح الذي أعلنته القيادة الفلسطينية، والإمساك بالقرار الفلسطيني ومنع استغلاله من دول وأطراف إقليمية لطالما استخدمت القضية الفلسطينية كورقة لتحقيق مكاسب لا علاقة لها بفلسطين، وهذا لن يتحقق إلا عبر فرض معادلة، سلطة واحدة وقانون واحد وسلاح واحد بيد السلطة الفلسطينية، وإعادة صياغة مسألة الوحدة الفلسطينية، عبر قبول جميع الأطراف والفصائل بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا شرعًيا وحيدًا، واحترام التزاماتها، وهنا لابد من الإشارة أن أي حل بالضرورة أن يبدأ من منع تقويض السلطة الوطنية الفلسطينية كخطوة أولى ضرورية.
ثانيًا: الجانب العربي والذي عليه دعم الخطوات الفلسطينية سابقة الذكر، فإن على الدول العربية الالتفاف حول المبادرة السعودية الفرنسية، والتضامن فيما بينها وتنسيق خطواتها بما يتعلق بمبادرة الرئيس ترامب وقرار مجلس الأمن المتعلق بإنهاء الحرب في غزة. وضرورة تحويل " قد " المستخدمة للحديث عن حق الشعب الفلسطيني بتقرير المصير والدولة، إلى نهاية حتمية للخطة.
ثالثًا: بما يتعلق بإيران، عليها أن تدرك بأنها ستكون أكثر قوة عبر العلاقات الصحيحة فقط مع الدول العربية، وأن تتخلى عن أذرعها التي لم تخدم في المحصلة سوى إسرائيل.
رابعًا: بما يتعلق بإسرائيل، فقد آن الأوان أن تدرك أنها ليس بالقوة وحدها يمكن أن تحقق أمنها، فقد أثبتت التجربة أن هذا المبدأ لم ينجح وبقيت إسرائيل تعيش تحت التهديد، كما عليها أن تدرك أن الدولة الفلسطينية هي الطريق الوحيد لضمان الأمن خصوصًا أن الرئيس محمود عباس، وما يقوله ناتج عن قناعته والقيادة الفلسطينية، بأن الدولة الفلسطينية ستكون دولة سلام وتعاون واستقرار في المنطقة.
هناك حاجة أن يدعم الأشقاء العرب القيادة الشرعية الفلسطينية، ويمنعوا مخطط تقويضها وإضعافها، ولا بأس أن يراقبوا إصلاحاتها، ويتعاونوا معها بهذا الشأن، وبموازاة ذلك، أن تجمع وتتوحد الدول العربية حول هدف حل الدولتين والمبادرة العربية، وهناك حقيقة لا يمكن القفز عنها، وهي ورقة في غاية الأهمية، أن العرب هم المكون الأساسي في الشرق الأوسط. وهم يحتلون المساحة الأوسع والأهم من الناحية الجيوسياسية.
وفي نظرة متفحصة، وبالرغم من هول المأساة الناجمة عن حرب العامين، وما تركته من نتائج وتداعيات خطيرة على القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني، إلا أن الأحداث قد أثبتت أنه يمكن تعديل ميزان القوى، عندما يكون لدينا موقف عربي متضامن ومنسق، وخلال الحرب، سجل العرب إنجازات دبلوماسية وسياسية مهمة، ونجحوا في تحويل هزيمة فادحة، إلى واقع يمكن البناء عليه والنهوض من جديد، والأهم أنهم منعوا تصفية القضية الفلسطينية، سواء عبر مخطط التهجير والضم، أو عبر تقويض السلطة الوطنية الفلسطينية، وإنهاء الكيانية السياسية المعترف بها للشعب الفلسطيني.
ويمكن ملاحظة النجاحات التي حققتها المبادرة السعودية الفرنسية، والتي لم تكرس حل الدولتين والاعتراف بالدولة الفلسطينية، وإنما شكلت عامل ضغط ساهم في المحصلة، وإلى جانب تحركات عربية أخرى في وقف الحرب. كما شكل صمود مصر والأردن في وجه مخطط التهجير حجر الزاوية في منع تصفية القضية الفلسطينية، كما نجح العرب في انتزاع موقف علني من الرئيس ترامب يمنع ضم الضفة الغربية، وأخيرًا وأثناء طرح المشروع الأمريكي على مجلس الأمن الدولي، استطاع العرب إدخال تعديلات جوهرية على المشروع ليتضمن إشارة واضحة لحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
من دون شك أن إنجازات تحققت، ولكن كما تمت الإشارة له في المقدمة أن الحرب لاتزال متواصلة بوتائر مختلفة، كما يشكل الغموض الذي يكتنف خطة الرئيس ترامب وقرار مجلس الأمن (2803) تحديًا كبيرًا، ومن هنا تأتي أهمية وحدة الموقف الفلسطيني والعربي.






