array(1) { [0]=> object(stdClass)#14244 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 217

إسرائيل لن تستطيع تشكيل الخارطة السياسية للمنطقة لافتقادها لمقومات القوة المهيمنة

الإثنين، 29 كانون1/ديسمبر 2025

شهد الشرق الأوسط العديد من التحولات السياسية في الأعوام القليلة الماضية أثرت بشكل مباشر في توازن النظام الإقليمي الحالي، ومن المرجح أن يكون لها تأثيرات مستقبلية على طبيعة الصراعات في المنطقة وشكل الاصطفافات الإقليمية الجديدة وكذلك تراجع أدوار قوى معينة وصعود أخرى. لكن، لم تأخذ هذه التحولات شكلها النهائي حتى الآن فما زالت مرتبطة بالطريقة التي ستنتهي بها الصدامات والمعادلات السياسية التي ستتمخض عنها.

من أبرز الأحداث التي أثرت في النظام السياسي الإقليمي خلال العامين الماضيين كانت الإبادة الجماعية التي ارتكبتها – وما زالت – إسرائيل في قطاع غزة والتي أسفرت عن عشرات الآلاف من الضحايا وهدم معظم بيوت غزة وتشريد أهلها. ومن النتائج السياسية لهذه الحرب المدمرة هو تقويض باراديام (نموذج) أوسلو لحل الصراع الفلسطيني والقائم على مفاوضات رسمية بين أطراف الصراع للحصول على حل يفضي إلى دولتين وإلى دفع الإدارة الامريكية بباراديم جديد يستبدل الأطراف من فلسطيني-إسرائيلي إلى إسرائيلي-أمريكي-عربي للتقرير بمستقبل القضية الفلسطينية فخضعت غزة الى انتداب دولي بقرار من مجلس الامن (٢٨٠٣)، وتم استبدال منهج التفاوض إلى فرض قائمة طويلة من الإصلاحات يتوقع من السلطة الفلسطينية القيام بها مثل المناهج التعليمية والإعلام والمؤسسات حتى يتم تأهيلها إلى حوار مع إسرائيل حول حياة مزدهرة كما تنص خطة ترامب حول غزة. بالمقابل، برزت المملكة العربية السعودية وفرنسا (عربي-دولي) لقيادة التحرك الدولي حول تطبيق حل الدولتين وهو نموذج لا يقدم بالضرورة نموذجًا بديلًا لنموذج الإدارة الأمريكية ولكنه يعمل على محاولة جعل المحصلة النهائية للوصاية الدولية على غزة تنتهي بحل الدولتين. في زاوية معينة منه، يقدم نموذج التحرك السعودي-الفرنسي تعديلاً لنموذج أوسلو بأنه يذهب لتطبيق حل الدولتين بقيادة دولية في حين كان يعتمد نموذج أوسلو على ترك الحل النهائي للدولتين متروكاً للطرفين الفلسطيني والإسرائيلي للتوصل اليه عبر التفاوض.

وبالحديث عن الاستشراف المستقبلي فإن هذا الباراديم الجديد إذا نجحت الولايات المتحدة بفرضه وتثبيته على أرض الواقع فإنه سيحدد مستقبل القضية الفلسطينية للأعوام وربما العقود القادمة بتحويل الصراع من نموذج احتلال يجب إنهائه وحق الفلسطينيين بتقرير مصيرهم إلى نموذج يركز على إصلاحات فلسطينية وإعادة إعمار وإغاثة وشركات استثمارية في مشاريع اقتصادية وفي جوهر هذا النموذج يقع الأمن الإسرائيلي الذي سيفرض قولبة السياسات المختلفة لخدمته، بمعنى أن الأمن الإسرائيلي سيكون بالإضافة إلى الاستثمارات الاقتصادية الأمريكي هو الذي سيحدد الكثير من السياسات والإجراءات التي سيتخذها "مجلس السلام الدولي" الذي نجحت الإدارة الأمريكية بإضفاء "الشرعية الدولية" عليه من خلال قرار مجلس الأمن الأخير.

العامل السياساتي الآخر الذي سيشهده التحول على مسار القضية الفلسطينية على الأقل للسنوات الثلاث القادمة والمرتبطة بإدارة الرئيس الأمريكي هو التمحور باتجاه الإقليم لمحاولة استئناف تطبيق "السلام الإبراهيمي" والقيام بالمزيد من تسويق إسرائيل في المنطقة وتطبيع لعلاقاتها مع دول عربية أخرى. إلا أن هذا المسار سيواجه المزيد من التعثر فقد أصبح تطبيقه أكثر صعوبة اليوم مما كان عليه الحال في إدارة ترامب الأولى. وتعود أهم أسباب التعثر إلى عبثية تسويق إسرائيل سواء كان في العالم العربي أو حتى الغربي بعد الإبادة الجماعية التي ارتكبتها بغزة، فهناك رفض شعبي عربي أقوى مما كان عليه الحال في إدارة ترامب الأولى يجعل الأمور في غاية الصعوبة للدولة العربية لتجاوز المشاعر الشعبية الرافضة لقبول دولة الإبادة. مما يعزز تعثر استئناف السلام الإبراهيمي مستقبلاً أيضاً هو تشدد المملكة العربية السعودية في موقفها تجاه التطبيع مع دولة الاحتلال مقارنة بما كان عليه الحال قبل أحداث السابع من أكتوبر والإبادة في غزة، لا بل أن المملكة قد نجحت بطرح مسار بديل وذلك بالتعاون مع فرنسا ينطلق من نموذج حل الدولتين الأصلي – الذي تحاول الإدارة الأمريكية استبداله – والذي حقق إنجازات دبلوماسية مهمة تمثلت باعتراف عدد كبير من الدول الأوروبية مثل بريطانيا وكندا وأستراليا بالدولة الفلسطينية. وبحكم ثقلها في العالمين العربي والإسلامي فإن إحجام المملكة عن التطبيع مع إسرائيل دون حل للقضية الفلسطينية سيجعل الأمر أكثر صعوبة للدول العربية الأخرى لسلوك هذا المسار.

من التحولات البنيوية الأخرى للنظام الإقليمي هو التغير الهيكلي ونفوذ ومدى فاعلية "محور المقاومة" ودوره في الإقليم. فقد شكل سقوط النظام في سوريا خسارة ركن أساسي في المحور ليس بالضرورة بسبب قوته العسكرية ولكن لما يشكله من حلقة الوصل المهمة في العلاقة ما بين إيران وحزب الله في لبنان. خروج سوريا من "محور المقاومة" شكل تراجعاً جوهرياً للدور الإيراني في الإقليم وهو ما يذكر بعام ٢٠٠٣م، وكيف كان لخروج العراق من المحور العربي أثراً في اختلال النظام الإقليمي لصالح إيران ومنحها دوراً قيادياً في الإقليم أثر على طبيعة التحالفات اللاحقة.

عزز من التغير في نفوذ "محور المقاومة" التراجع الكبير في قوة ودور الفواعل غير الرسمية في النظام الإقليمي ممثلة بحزب الله وحركة حماس خلال العامين الماضيين. فبرغم أن المعركة بينهما وبين إسرائيل لم تنته بعد، إلا أنه يصعب رؤية الحزبين العودة إلى نفس المستوى من القوة والنفوذ على الأقل في الأعوام القادمة. ومن المهم الملاحظة هنا، أن التراجع في دور الفواعل غير الرسمية الممثلة بحزب الله وحماس رافقه صعود كبير لدور وفاعلية الحوثيين في اليمن. فبرغم الخسائر التي منيت بها خلال العامين الماضيين في مواجهتها المباشرة مع إسرائيل إلا أنها استطاعت أن تحقق عدداً مهماً من المكاسب السياسية التي قد تعزز دورها الإقليمي مستقبلاً. من أهم نقاط القوة التي راكمها الحوثيون في هذه المواجهة أولاً قدرتها على إيصال صواريخ الفرط صوتية إلى داخل العمق الإسرائيلي والتي لم تتوقف حتى وقف إطلاق النار. ثانياً، حقق الحوثيون مكسبًا إضافيًا من خلال توقيع الإدارة الأمريكية على وقف إطلاق نار معهم، وهي التي تصنفهم كمنظمة إرهابية مستثنية إسرائيل من الاتفاقية وترك الحوثيون يهاجمون تل أبيب دون رادع أمريكي. ثالثاً، كسب الحوثيون تعاطفاً شعبياً حيث أن القطاع الأوسع من الشعب اليمني يدعم على نطاق واسع للشعب الفلسطيني بصراعه مع إسرائيل. رابعاً، مع تراجع نفوذ حزب الله وحماس، أصبح الحوثيون أكثر أهمية من أي وقت مضى بالنسبة لإيران وعلاقاتها مع الحلفاء لا سيما أن الحشد الشعبي لا يضطلع بدور مهم خارج حدود العراق، ومع ذلك فإن التعاظم بدور الحوثيين في الإقليم لا يمكن له أن يعوض الخسارة الكبيرة التي لحقت بإيران جراء خروج سوريا كحليف بالإضافة إلى تراجع أدوار حزب الله وحماس. بقي أن يضاف في هذا المضمار بأن المواجهة المباشرة التي خاضتها إيران مع إسرائيل والولايات المتحدة قد ساهمت هي الأخرى بتراجع نفوذها، فمن جهة استطاعت صواريخها أن تصل إلى العمق الإسرائيلي إلا أن عدم قدرتها على حماية منشآتها النووية واغتيال عدد كبير من قيادتها قد أثار تساؤلات كبيرة حول مدى الثقة بالاعتماد عليها كلاعب إقليمي مؤثر.

إلا أن ما سيحدد مستقبل المنطقة السياسي لدرجة كبيرة هو طبيعة النظام الإقليمي الذي سيحل محل ثنائية "محور المقاومة" و "الاعتدال العربي"، والذي تطمح عدة دول لأخذ دور القيادة به وتشكله حسب رؤيتها للمنطقة وأهمها إسرائيل وتركيا والسعودية ومصر وقطر والإمارات. يرى البعض وعلى رأسهم الحكومة الإسرائيلية التي جاهرت بالأمر على لسان سياسييها أنها ستعيد تشكيل الخارطة السياسية بما يتناسب ومصالحها في المنطقة، إلا أن هذا الاعتقاد يفتقد إلى الكثير من المقومات التي لا تسمح لإسرائيل بأن تكون قوة مهيمنة. يرى مارك لينتش أستاذ العلوم السياسية في جامعة جورج واشنطن بأن إسرائيل ليس لديها المؤهلات للهيمنة وأهمها أن القوة العسكرية الإسرائيلية لا يمكن ترجمتها إلى قوة شرعية في الإقليم، وأن القضية الفلسطينية وتعاطف الشعوب معها تقف عائقاً أمام طموح إسرائيل لنسج تحالفات عميقة مع الدول العربية، وأن إسرائيل تعتمد على الولايات المتحدة وبالعادة "المهيمنون لا يعتمدون على مهيمنين آخرين"، وأن إسرائيل لا يمكنها أن تبني نظام مستقر لأن وجودها يولد عدم الاستقرار، وأخيراً فالمنطقة برمتها ترفض الهيمنة الإسرائيلية لأسباب تتعلق بالهوية والأيدلوجيا والخطاب.

إزاء هذه التحولات الإقليمية، ومن أجل الوصول إلى حالة من الاستقرار ومنع الحروب، فإن توازن النظام الإقليمي هو الذي سيتكفل بهذه المهمة، والموازنة تتطلب مجموعة من السياسات أهمها:

اولاً، منع إسرائيل من الوصول إلى حالة "الهيمنة" التي تنشدها أو "رسم الخارطة السياسية" للشرق الأوسط كما صرح بذلك رئيس وزرائها نتنياهو عدة مرات. إن حصول إسرائيل على دور أمني متقدم كما تطمح سيخلق نظاماً إقليمياً يدور في فلكها ويخدم مصالحها لوحدها، وسيكون بداية لصراعات عديدة وطويلة ومعقدة ستشهدها المنطقة، فكما عودتنا إسرائيل بحكم ممارساتها في فلسطين فلا نهاية لأطماعها، حيث إنه وقبل أن ينتهي نتنياهو من الحرب في غزة قد تحدث علناً وهو في موقع رئاسة الوزراء عن "إسرائيل الكبرى" والتي تضم أراض لدولتين موقع معهما اتفاقات سلام – مصر والأردن – بالإضافة لأراضي في السعودية والعراق ولبنان وسوريا.

ثانياً، بحكم "تفتت النظام الإقليمي" (fragmentation) وتوزيع القوة في عدة أطراف – بخلاف النظام الإقليمي المتسلسل (hierarchy) أو المركز – فإن هذا التوزيع يفسح المجال لبناء تحالفات بإمكانها المساعدة على توازن النظام الإقليمي، وبشكل خاص فإن تقارباً أو تنسيقاً سعودياً - تركياً سيحد لدرجة كبيرة من الهيمنة الإسرائيلية التي تسعى لها تل أبيب. كذلك فإن تنسيقاً مصرياً – تركياً فيما يخص غزة بالتحديد من الممكن أن يشكل ثقلاً مهماً يمنع إسرائيل من تصدير لمشاكلها الأمنية إلى الإقليم.

ثالثاً، عدم التسليم بما يطلق عليه "العلاقة الخاصة" بين الولايات المتحدة وإسرائيل، فهذه العلاقة قد أصابها الكثير من التصدعات في الأعوام الأخيرة، وكذلك ربما يكون لأول مرة تصل إدارة أمريكية إلى البيت الأبيض – إدارة ترامب – تقدم مصالحها، وتحديداً الاقتصادية منها، على "العلاقة الخاصة" ولو بشكل نسبي. بالإضافة لذلك، تجدر الإشارة إلى التقدم في العلاقة التي تربط كل من القيادتين التركية والسعودية بالإدارة الأمريكية والاتساع النسبي لمساحة التأثير في إدارة ترامب. هذا يؤهل البلدين للتأثير بالقرارات الأمريكية في الشرق الأوسط.

رابعاً، التراجع الكبير في قوة ونفوذ إيران في المنطقة مهد لبناء نوع جديد من العلاقة تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل بالشؤون الداخلية لدول الجوار، فقد أصبحت موازين القوى أكثر اقتراباً مما كانت عليه في السابق، وهذا التوازن النسبي فتح المجال بشكل أكبر لتسوية خلافات بينها وبين دول الجوار. تجدر الملاحظة هنا بأن الإدارة الأمريكية ممثلة بترامب قد عبر في العديد من المناسبات عن التفاوض مع إيران والتوصل لاتفاقيات معها، فإذا كان هذا هو الحال مع الإدارة الأمريكية فإن دول الجوار أولى بذلك. كذلك فإن التقارب الإيراني مع دول الخليج على أسس علاقات جديدة يساعد في توازن النظام الإقليمي أيضاً.

خامساً، هناك فرصة للانتفال بالعلاقات الداخلية ضمن إطار مجلس التعاون الخليجي إلى مستويات متقدمة مستفيدة بذلك من التحولات في النظام الدولي العالمي ومواصلة تحوله من أحادي القطبية باتجاه تعدد الأقطاب وهو الذي أفسح مجالاً للمنظمات الإقليمية لتعبئة بعض الفراغ الناتج عن هذه التحولات. مجلس التعاون الخليجي هو التكتل الأكثر تماسكاً، برغم التحديات الداخلية، في المنطقة ويمكن لمجلس تعاون أقوى التأثير بمحيطه بشكل أكبر.

سادساً، المبادرة السعودية – الفرنسية لفرض حل الدولتين استطاعت أن تترجم الرفض الدولي للممارسات الإسرائيلية والتحولات في الرأي العام الأوروبي ضد سياساتها إلى إنجازات دبلوماسية باعتراف عدد من الدول الأوروبية بالدولة الفلسطينية وهي خطوة باتجاه التقدم نحو إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وهو الحل الذي يمكن له ان يساهم لدرجة كبيرة في السلام والاستقرار بالمنطقة. هذه المبادرة يمكن البناء عليها والاستفادة من الزخم الدولي المتوفر لها. كما يجدر الإشارة إلى أن السعودية بعد تطويرها لعلاقات متقدمة مع الإدارة الأمريكية الحالية فإنها لن تستفيد من أي تطبيع مستقبلي مع إسرائيل بل على العكس فإن المستفيد من أي تطبيع ستكون إسرائيل في حين ستخسر السعودية على المستويين الداخلي وعلى مستوى العالمين العربي والإسلامي.

مقالات لنفس الكاتب