لقد شهد عام 2025 تطورات بالغة الأهمية والخطورة على الصعيدين الدولي والإقليمي في الشرق الأوسط، فقد جنح ترامب عن مقاربة بايدن في مجافاة لقاء بوتين لتسوية الحرب الأوكرانية وأدام مد الناتو أكرانيا بالأسلحة والمساعدات المالية. ورأى ترامب أن عليه ترجمة ما كان يردده بأنه ما كان للحرب أن تقع لو كان هو في السلطة. فالتقى بوتين في 15 أغسطس لكسر الجليد في القطيعة السياسية والدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا، وللتمهيد الناعم أمام حل سلمي للحرب. ومنذ اللقاء والسير نحو هذا الهدف يتعزز يومًا بعد يوم إما من تطور العمليات العسكرية الروسية في التوسع وتراجع القوات الأوكرانية وعجز الاتحاد الأوروبي عن تقديم الدعم لتعزيز الموقف العسكري الأكراني دون الدعم الأمريكي الذي يتراجع منذ بداية إدارة ترامب بهدف الضغط على كييف للتنازل إلى روسيا.
إن الموقف العسكري في ساحة الحرب يميل لصالح روسيا ولا دلائل في الميدان بأن في وسع القوات الأوكرانية وقف الزحف الروسي أو شن هجوم مضاد. وإن دول الناتو الأوروبية لا ترقى في التنفيذ إلى خطابها السياسي في دعم أوكرانيا وتمكينها من دحر روسيا.
إن المشهد الدولي لحرب أوكرانيا ليس عصيًا على التكهن به. فثمة علامات جيواستراتيجية وجيو اقتصادية وسياسية- دبلوماسية تهدي إلى القول بأن ترامب سيهم الخطى لإخراج الصيغة النهائية للتسوية والتي باتت تتبلور وضوحًا يومًا بعد يوم في المقترحات التي يقدمها بتحوير مضامينها لتكون أرضية للتوافق.
إن روسيا تراهن على جهود ترامب وليس من مصلحة موسكو إضاعة فترة ترامب في السلطة. فلا ضامن أن الذي سيخلفه ينهج النهج الذي يسير فيه وهو لصالح روسيا. فالحرب عزلتها دبلوماسيًا. وأصبحت تحت طائل العقوبات الاقتصادية الصارمة. وترامب لا يؤتمن جانبه فقد يعدل عن السيرفي طريق التسوية السلمية. فهو تحت ضغط الصقور في عملية صناعة القرار في واشنطن. إن على بوتين اغتنام تلهف ترامب لتكون له تركة صاحب مفتاح الحل تاريخيًا. فما يحققه من نجاحات يزعمها لا ترقى جمعاء إلى صفقة التسوية لحرب أوكرانيا. إن بها يتوج بجائزة السلام العالمية.
إن من مصلحة كييف أن ترضى بما يعرضه ترامب لأنها لا قدرة لها بدون أمريكا تغيير مسرح الحرب. وستخسر أراضٍ أكثر إن هي ماطلت كمناورة لكسب الوقت والمراهنة على إقدام أمريكا من جديد لنصرتها. إن القدرة العسكرية الأوكرانية تهزل وتتناقص، وليس في وسع أوروبا أن تديم امداداتها الحربية إلى أوكرانيا. لقد تحولت الحرب إلى عبء اقتصادي يعصف بأكبر الاقتصادات الأوروبية ألمانيا وبريطانيا وفرنسا.
الرأي عندي إن عام 2026 م، سيكون عاماً فاصلاً بين الحرب والسلام النهائي في أوكرانيا. الحرب الاستنزافية ليس استراتيجية صائبة. فروسيا تعتقد اعتقادًا راسخًا أن الحرب هي حرب وجود ليس لنظام سياسي. ولا تتنازل روسيا عن شروطها إلا القليل منها ويترك هذا إلى طاولة التفاوض. وفي الجملة، إن التفاؤل له حظ كبير في المشهد الدولي.
المشهد العربي والشرق أوسطي.
إن عام 2025 م، من أكثر السنين صراعات وخلافات وتوترات في الوطن العربي والشرق الأوسط. فقد عاش أزمات متداخلة ومتفاعلة على الصعد كافة. فقد دامت حرب الإبادة العدوانية والشريرة الإسرائيلية في غزة دون هوادة، وأبادت ألوفًا ودكت معالم الحياة ومنعت المساعدات.
وكانت تجري على المسارات السياسية والدبلوماسية مساعي من حوارات ووساطات لإيقاف الحرب التدميرية. وتعثرت بسبب تعنت إسرائيل ومساندة الولايات المتحدة لها عسكريًا وماليًا وسياسيًا ودبلوماسيًا في الضغط على الأطراف المؤيدة للقضية الفلسطينية. وذادت عنها في المحافل الدولية. فأبطلت باسخدامها حق النقض قراراتِ عديدةً في مجلس الأمن للأمم المتحدة لإيقاف الحرب وتسهيل وصول المعونات الإنسانية.
لقد أفضت المساعي الأمريكية بعد عدد من المقترحات إلى تقديم مقترح سلام إلى مجلس الأمن لوقف الحرب وخلق وضع سياسي واقتصادي جديد في غزة. وقد صوت 13 عضوًا على مسودة القرار الأمريكي لخطة السلام في غزة في 18 نوفمبر 2025م. وامتنعت روسيا والصين.
القضية الفلسطينية وغزة عند مفترق الطرق
لقد وضع القرار القضية الفلسطينية وقضية غزة عند مفترق طرق تاريخي لم تشهده من قبل حتى في أعقاب الحروب العربية – الإسرائيلية. وقد أصبح موضوع قراءات مختلفة. ترى منها فيه بريقَ أمل لتسوية نهائية. وترتاب منه أطراف أخرى.
وينطوي القرار على بنود أساسية ذات صلة بمستقبل غزة والقضية الفلسطينة برمتها. يجيز القرار نشر قوة دولية في غزة. وجعل غزة خالية من السلاح. وتنزع حماس سلاحها. ولا تمثل غزة مصدر تهديد لإسرائيل. وتصبح غزة خالية من التطرف. ويقوم بإدارة غزة لجنة فلسطينية ومن خبراء دوليين. ويشرف على اللجنة هيئة دولية. وتتألف من رؤساء دول ومن بينهم توني بلير. ويترأس ترامب الهيئة. وتتنازل حماس وفصائل المقاومة الأخرى عن الاضطلاع بأي دور لها في إدارة غزة. وترسل المساعدات بعد الموافقة على القرار.
ورفضت حماس القرار. و أعابت عليه بأنه يفرض واقعًا سياسيًا وجغرافيًا جديدًا. ولا يؤكد السلطة الفلسطينية. ويفصل غزة عن الضفة الغربية. ويتنكر لمبدأ قيام الدولتين. ويلبي شروط إسرائيل. وينفي حق الفلسطينيين في إدارة أرضهم. ويملي الوصاية الدولية على غزة، ومن جهتها رحبت المنظمة الفلسطينية بالقرار. وقرأت فيه محاسن. وأبدت استعدادها للانخراط في تنفيذه.
المشاهد المحتملة في المدى القريب
ويتعذر سبر القرار الأاممي في سياق الرؤية المستقبلية. فلا يعني أن النص اللغوي للقرار سيكون الهادي والمرشد لتنفيذه، بل القراءات المتضاربة له.
فمن ناحية، إن الولايات المتحدة صاحبة القرار والمتحمسة له. ومن ناحية أخرى، يحظى بتأييد الدول الغربية. ولم تعترض عليه الدول العربية. وسارت معه الدول الإسلامية والصديقة.
السؤال هل أمريكا ستلتزم به؟ وهل ستفرضه بالقوة والضغط والعقوبات أم بالتفاوض والحوار؟ وهل سيكون منكشفًا لتفسيرات واجتهادات مع تطور الأحداث في غزة والضفة الغربية والبيئة الإقليمية؟ وهل ستكون أمريكا الطرف المحايد؟
إن أمريكا ستعمل بقوة على تنفيذ القرار بما يخدم إسرائيل أولاً ومصالحها الاستراتيجية في الوطن العربي بأن تتعثر الهيمنة الإقليمية الأمريكية في وجه الزحف الصيني واحتمال عودة النفوذ الروسي وتحديات قوة إقليمية. فكما قال ترامب إنها " اللحظة التاريخية".
لا يتوقع أن تنسحب إسرائيل. وقد ينتهي الأمر إلى تقسيم غزة عند الخط الأصفر. وتماطل أمريكا وإسرائيل في إعادة الإعمار كرافعة للضغط. وتتباين المواقف العربية في تفسير القرار. وتعجز عن دفع أمريكا للضغط على إسرائيل. وسوف تنصاع. وقد يعاد إعمار شمال الخط الأصفر أو الإبطاء للحث والضغط للتهجير. وعصي على حماس أن تنزع سلاحها. فلا يرضى الفلسطينيون بأن يتجردوا من سلاح المقاومة كلياً.
سوف تبتز أمريكا وإسرائيل الفلسطينيين والعرب بالربط الشديد بين المساعدات والإعمار وبين الامتثال إلى القرار. وأثر المعاناة سيكون ماضيًا في تحديد المواقف. وسؤال المستقبل في المدى المتوسط كيف ومتى سوف ترفع الوصاية الدولية عن غزة وسيف الفيتو الأمريكي فوق الأعناق؟
سوريا وليبيا والسودان وبناء الدولة الجديدة
لقد انتهى نظام دام لعقود في سوريا. والتحدي الكبير ما هو البديل؟ الواقع ليس كالتمني والخطاب السياسي. لقد ولجت سوريا في محن على صعد عدة. إن الوحدة الداخلية سر القوة الخارجية. لا يلوح في الأفق لسوريا حظوظها في المجالين. لقد بدأت بالتشظي. شأنها شأن العراق بعد الغزو الأمريكي وإسقاط نظام القذافي في ليبيا ونظام البشير في السودان.
سوريا أحد الأثقال العربية الرئيسة في التاريخ العربي منذ الخمسينات سوف تنهمك في تدبر تحديات الوحدة الوطنية التي وهنت روابطها. وتباعدت في جغرافيتها الوحدات المكونة لها. وتصاعدت المطالب من منطق الهوية القومية والدينية والطائفية والجهوية كل ذلك على حساب الهوية الوطنية ووحدة سوريا. وأصبح لا مفر من صوغ نظام سياسي جديد، وقد يكون الفيدرالية تلافيًا للتقسيم.
لقد خسرت إيران حضورها، ولكن نشط التزاحم على سوريا. تدفعه المصالح وتجذبه الأطراف الداخلية. فقد أصبحت مرتعًا للاحتلال. أمريكا في شرقها وتركيا في شمالها وإسرائيل في الجولان وجوارها.
ويُخشى أن تدفع التحديات النظام الجديد إلى تفاهمات وصفقات لإنقاذ النفس. والعروض ماثلة. الوفاق مع إسرائيل. التحالف مع أمريكا الضاغطة على الشريان الاقتصادي السوري. إخراج روسيا من طرطوس. وستسارع إسرائيل في سياسة القضم الجغرافي في سوريا ولبنان، بإرغام المناطق الحدودية الدولية على الجلاء بالحضور العسكري المباشر أو غير المباشر والتدمير والمطالبة بمناطق عازلة تحدد إسرائيل مساحاتها تمهيدًا لواقع جديد من الضم بالاستيطان.
وتعيش ليبيا منذ الربيع العربي مخاض بناء الدولة الجديدة. ولا بصيصَ أمل في الأفق. فعلى الأرض توجد سلطات تحكم مناطق. وتتفاعل في أحداثها السياسية بل تخلق بعضها قوى إقليمية مثل تركيا وخليجية وخارجية مثل أمريكا وفرنسا وإيطاليا. وسيبقى هدف عودة الوحدة السياسية لليبيا بعيداً، بل لا مفر من الاعتراف بأنه مطلب عصي.
وتفاقمت أزمة السودان بعد سقوط نظام البشير. وولجت في حرب جهوية وعرقية وقبلية. وتغذيها قوى خارجية عربية وأجنبية. وتغيب فرص التسوية. ولا يتقدم الوسطاء بخيارات. ويتصاعد عدد الضحايا ويتسع الدمار العمراني والتدهور الاقتصادي.
وأمام السودان جملة خيارات. أولًا، أن يستمر الاقتتال لدرجة حالة الاستنزاف وهي ليست محتملة، وبذا لا سقف زمني له. ثانيًا، أن تتقطع السودان إلى أشلاء على أساس قبلي جهوي ليحكمها أمراء حرب " فتتصومل". ثالثاً، أن تسود الحكمة والتعقل للأخذ بنظام فيدرالي. ولا يبدو أن عام 2026 يحمل هذا النبأ.
وفي الجملة، لا يبدو أن هاك ملامح موقف عربي في الأفق القريب والمتوسط يعين سوريا وليبيا والسودان على التغلب على محنها. فالموقف العربي بات غائباً بحكم وهنه ومغيباً بفعل التطورات الإقليمية والدولية. لقد تحولت الثقافة السياسية العربية المجتمعية من القومية إلى القطرية. وانصرفت القيادات والفئات السياسية إلى تدبر قضايها فغدت لها الأولية في أجندتها الداخلية والخارجية.
مستقبل إيران بعد الحرب
لقد وضعت الحرب على إيران نهاية للاستراتيجية التي اعتمدها النظام في سياسته في علاقاته مع الدول العربية وإسرائيل والغرب. فقد انخرطت الولايات المتحدة في الحرب ولا مجال للطعن في تدخلها مرة أخرى. ولا يصح الافتراض أن التدخل فقط من أجل إسرائيل وحسب. ويحمل التدخل رسالة فحواها حيثما ترى أمريكا تهديداً لمصالحها من طرف إيران فقد تستجيب بعمل عسكري. والأمر متروك لإدراك صناع القرار الإيراني وفي هذا فعل الردع. وتدرك طهران ذلك بلا منازع.
لقد خسرت إيران قابلية الردع والمشاغلة في سلم التصعيد من بُعد ومن خلال الوكلاء. فكانت تعفي نفسها من الانتقام المباشر. لقد حُكم عليها بعد الحرب أنها أول الأهداف.
لقد تقلص عدد الوكلاء والجبهات الخارجية مثل سوريا. وبزغت بيئة محلية وإسرائيلية وإقليمية ودولية جديدة في لبنان تعمل على تحجيم حزب الله حليف إيران الرئيسي في مواجهة إسرائيل والعرب والغرب. وينكمش دور وكلاء إيران في العراق. ويصعب عليها إدامة التعاون مع الحوثيين عسكرياً.
ويواجه حزب الله خيارات لا قدرة لإيران لردعها أو دحرها. أن ينزع سلاحه طواعية وهو أمر ليس بعيد عن الاحتمال، وينتقل إلى فاعل سياسي. أن تتعاون أمريكا وإسرائيل على فرضه عليه بالقوة. وليس في وسع إيران أن تنصره. فإن فعلت تستهدفها أمريكا وإسرائيل. وعندها ستكون الحرب غير محدودة الأهداف بما فيها تغيير النظام.
ماذا يحمل 2026 لإيران؟
- أن تنخرط في السياسة الإقليمية. وهذا من مصلحتها وستعمل من أجله. والشواهد كثيرة منها تأكيد الوفاق مع السعودية.
- أن تحافظ على استراتيجية المقاومة. ولا قدرة لها على ذلك.
- أن تتخلى عن برنامجها النووي. ولن تفعل ذلك.
- أن تُسرع الخطى لحيازة القدرة النووية. لن تجيز لها أمريكا وإسرائيل ذلك. بل إنها تقدم الحجة لهما لشن هجوم غير محدود.
- أن ينهار النظام تحت وطاة العقوبات الاقتصادية بحدها الأقصى. وهذا أمر بعيد الاحتمال.
- الراجح أن تناور إيران في مباحثات بشأن اتفاق نووي أقرب إلى صيغة 2015م، لتعذر العودة إليها.
السعودية وتحديات الدور الجديد
لقد تغيرت معادلة القوة والدور في السياسة العربية منذ حرب الخليج الثانية والحرب على العراق في 2003م. فقد كانت رباعية الأضلع: مصر والعراق والسعودية وسوريا. فانكمش الدور المصري. واختفى دور العراق. وانحسرت سوريا.
وعلى العكس من ذلك تصاعد نجم السعودية في سياسة الخليج العربي والوطن العربي وإقليميًا ودولياً. وأصبحت لاعباً من بين الأربعة الإقليميين: السعودية وتركيا وإيران وإسرائيل في معادلة نظام توازن الشرق أوسطي الجديد.
لقد حصدت السعودية من عام 2025م، الكثير. وستعمل على زيادة رصيدها. فلم تذعن لضغوط التطبيع. وتمسكت بحل الدولتين. وقادت بيان نيويورك. وتحقق تقدمًا في النمو والتنمية الاقتصادية. وتحسنت قدرتها الدفاعية. ومنحت منزلة حليف رئيسي من خارج الناتو كرافعة للردع. وولجت بناء القدرة النووية السلمية.
ستسعى الرياض إلى تعزيز دورها القيادي في مجلس التعاون، وتماسك عرى التضامن.
وتراجع عقيدة الأمن المشترك بعد هجوم إسرائيل على قطر، إذ توسعت دائرة الفعل العسكري الإسرائيلي في الأهداف والأسباب والجغرافية. ولم تعترض أمريكا.
وتوظف وزنها الاقتصادي للضغط على واشنطن. وتعزيز دورها المركزي في السياسة العربية. وتعظم نفوذها وتاثيرها الإقليمي.
ستتبع الرياض سياسة الانخراط الإيجابي والفعل الناشط لا رد الفعل تساوقًا مع معطيات البيئة الجديدة الآمرة والتي بعض منها من صنع دبلوماسيتها، وستعزز الرياض سياسة المضامير المتعددة للإفلات من قيود الاعتمادية الأحادية، وستواجه تحدي الخيار بين الانضمام إلى بركس وصداقة أمريكا. وإن أرجأت الرياض عضوية بركس، ستعزز التعاون مع الصين وروسيا ثنائيًا ومن منصة منظمة شنغهاي.
إن صدقية الدور الجديد للسعودية سيمنحها تحديات ما بعد قرار وقف الحرب في غزة، وريادة حل الدولتين، وضغوط التطبيع، وتعامل الدول العربية والإقليمية والدولية مع دور السعودية الإقليمي.






