array(1) { [0]=> object(stdClass)#14244 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 217

بيان البحرين خارطة طريق متكاملة وبرز التحدي الأمني بمفهومه الأكثر عمقا وبعيدًا عن الروتينية

الإثنين، 29 كانون1/ديسمبر 2025

مجلس التعاون الخليجي ومنذ إنشائه هو منظمة إقليمية تسعى إلى تحقيق مجموعة من الأهداف التعاونية  بين دول المجلس الست وحيث أن مجلس التعاون منظمة إقليمية تم تأسيسها لأهداف مختلفة منها تحقيق التكامل بين بلدانه في المجالات السياسية والدفاعية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، فمنذ إنشائه في ثمانينات القرن الماضي، استطاع مجلس التعاون ورغم كل التحديات تحقيق الكثير من الإنجازات في مقابل الطموحات المتوسعة لقادة وشعوب الدول الخليجية التي لازالت ترى أن هناك الكثير من القضايا المهمة التي يمكن تحقيقها في المستقبل ، والحقيقة أن التناسب الطردي بين عمر المجلس وإنجازاته هو تناسب إيجابي يعكس حرص دول مجلس التعاون على تحقيق الإنجازات مهما كان حجمها رغم التحديات التي تواجه مشروعات التعاون والتي قد تتعارض في أحيان كثيرة مع المتطلبات الخاصة بكل دولة خليجية.

في البحرين وفي الثالث من ديسمبر 2025م، عقدت الدورة السادسة والأربعين للمجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، الظرف الذي عقدت فيه هذه القمة منعطف تاريخي حيث برزت فكرة التحدي الأمني بمفهوم أكثر عمقًا من ذي قبل عندما كانت القمم الخليجية تعقد في أجواء أقرب إلى الروتينية في مسارها، فقد مثل الهجوم الإسرائيلي على قطر منعطفًا مهمًا استحق التوقف بل إعادة ترتيب الأولويات الدفاعية  فخلط الأوراق الذي تسبب بها هذا الهجوم أضاء الاتجاهات ورتب التحديات الاقتصادية والسياسية والأمنية من جديد، لقد أتى هذا الحدث حيث الهجوم على دولة خليجية من قبل إسرائيل  ضمن مجموعة أحداث توالت نتائجها على الخليج ومنها الحدث الأهم المتمثل في عودة ترامب إلى السلطة وأحداث السابع من أكتوبر والهجوم الإسرائيلي على إيران وولادة الخطة الأمريكية واستراتيجية الأمن القومي الأمريكي للعام 2025م.

في الواقع إن هذه الأحداث ليست الوحيدة التي رفعت مستوى الحذر السياسي والأمني في المنطقة وجعلت من هذه القمة نقطة ارتكاز يتم النظر إليها بعيدًا عن الاجتماعات التقليدية التي دائمًا ما تنتهي إلى نتيجة واحدة تتمثل تعزيز فكرة التكتل الرمزي ذو الحدود الواضحة في بنيته، الصراعات المسلحة على المستوى الإقليمي والدولي أثبتت أن النظام العالمي يمر بمرحلة متأرجحه حول السلام العالمي، فمساحات الحروب تمتد إلى مواقع كثيرة فخلال العام 2025م، امتدت الحروب الثنائية من أوكرانيا إلى حرب إسرائيل وإيران وحرب غزة والتوسع الإسرائيلي في المنطقة وحرب الهند باكستان وصراع أرمينيا وأذربيجان كل هذه الصور خلقت الأسئلة المهمة بالنسبة لقادة دول الخليج الذين أدركوا أن استثناء الخليج من مثل هذه التحديات لم يعد نظرية ثابتة، فالتحولات الدولية تتطلب الحذر وبناء السيناريوهات الواضحة في التعامل مع تلك التحولات الدولية وما خلفته من حروب ثنائية غيرت المفاهيم وفرضت قواعد جديدة في العلاقات الدولية.

قادة الخليج أثبتوا أنهم يدركون بوعي تام أن منطقتهم لن تكون استثناء من حيث التأثر بما يجري في العالم والخيارات المتاحة تتمثل في الاتفاق بأن أمن الخليج لا يمكن تجزئته وهذا ما يتطلب تطوير نظامهم الأمني والدفاعي المشترك ولن يتحقق ذلك إلا من خلال العمل مع حلفاء المنطقة الذين تعهدوا للمنطقة بتعزيز الاستقرار، وخاصة أن التهديدات المحيطة بالخليج لم تعد مجرد مناورات دبلوماسية أو تكتيكات استراتيجية فما حدث في قطر من هجوم إسرائيلي أعاد ترتيب الفرضيات والمتغيرات، فبعد أن كان الهجوم على أي دولة خليجية خط احمر ومتغير ثابت، اصبح اليوم سيناريو قابل للتكرار والتحقق.  

الاتجاه الذي تتخذه دول الخليج يذهب بجدية نحو بناء قدرات دفاعية متكاملة فالتجربة التي مرت بها دول الخليج على مستوى أمنها الاستراتيجي بعد الهجوم على قطر غير القواعد الخاصة بمعايير الأمن الخليجي حيث فرضت الحالة الإقليمية بأن الدفاع المشترك والتعاون التكاملي بين دول الخليج في المجال الأمني يتحول بشكل تدريجي إلى ضرورة وليس مطلب وهذا ما يستوجب التغلب على مجموعة كبيرة من التحديات لضمان التنفيذ الناجح للمشروع الخليجي الخاص بالأمن المشترك.

القوة الخليجية: اختراق سقف التحديات:

بيان القمة الخليجية عبر عن حالة وعي متقدمة وتفاعل صلب استند إلى الإرث التاريخي الذي تشكلت منه مسيرة المجلس خلال العقود الماضية، فقمة البحرين تماهت بشكل دقيق مع حجم التحولات المحيطة بالمنطقة والإقليم الخليجي فلغة البيان الخليجي كانت واضحة ودقيقة في وصف الحالة القائمة وخاصة تلك المتعلقة بالأمن، فالتطورات التي خلقتها الحالة السياسية في المنطقة شكلت الدافع الرئيس خلف لغة بيان البحرين الواضحة التي تجاوزت المعتاد، وهذا في الحقيقة يعيدنا إلى  حقيقة مهمة تتمثل في أن بيان البحرين نموذج واضح لخارطة طريق متكاملة بين دول المجلس تمس الأمن، والاقتصاد، والحوكمة، والعلاقات الخارجية، وقضايا المنطقة المشتعلة، وهو ما منح بيان البحرين بعداً استراتيجياً يتجاوز اللغة المعتادة لمثل هذه البيانات.

قمة البحرين  وإن كانت الظروف مختلفة إلا أنها تعيدنا إلى ما حدث في العام 2011م، في افتتاح اجتماعات الدورة الثانية والثلاثين للمجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية حيث دعا الملك عبد الله بن عبد العزيز، ملك المملكة العربية السعودية في ذلك الوقت قادة دول مجلس التعاون الخليجي إلى تجاوز مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد، ورغم أن هذه الفكرة قد تبدو لكثيرين بعيدة في شقها السياسي إلا أن التناظر بين فكرة الاتحاد وبين فكرة الدفاع المشترك يبدو ممكنًا وقد تكون فكرة الدفاع المشترك عملية تأسيسية لطموحات شعوب مجلس التعان الخليجي نحو تحقيق التكامل والاتحاد وهو خيار استراتيجي يبدو أن دول الخليج سوف تصل إليه في يوم من الأيام رغم كل التحديات.        

الفقرة الأولى من بيان البحرين أكدت على "تعزيز الروابط الراسخة والتكامل بين الدول الأعضاء، حيث أكد القادة عزمهم على مواصلة مسيرة التنسيق والتكامل بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في جميع المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية وصولًا إلى وحدتها المنشودة، بما يحقق المصالح الأخوية المشتركة، ويسهم في إرساء دعائم الأمن والسلام والازدهار في المنطقة والعالم"، أما الفقرة الثانية من البيان فقد أكدت على  "احترام سيادة دول مجلس التعاون وسائر دول المنطقة، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، ورفض استخدام القوة أو التهديد بها، مؤكدين أن أمن واستقرار دول مجلس التعاون كل لا يتجزأ وأن أي مساس بسيادة أي دولة عضو يُعد تهديدًا مباشرًا لأمنها الجماعي.

وحدة الأمن الخليجي كانت عبارة لافته للنظر بل تعطي دلالات واضحة على أن الموقف الخليجي من قضية أمنه تدخل منعطفًا جديدًا يأخذ قضية الأمن على محل أكثر جدية من أي وقت مضى، فكما أشار البيان بشكل واضح أن "أمن دول المجلس كل لا يتجزأ" فرغم ازدحام البيان الخليجي بالكثير من القضايا المعتادة مثل الاستمرار في تحقيق التعاون عبر جميع المجالات السياسية والاقتصادية والتنظيمية وكذلك الموقف من القضية الفلسطينية والقضايا الخاصة بالعلاقات مع جيران الخليج والمساهمات الخليجية في السلام الدولي والتعاون الثنائي ومجلات التعاون، إلا أن فكرة توازنات الأمن الخليجي هي الفكرة المحورية التي صبغت قمة المنامة بلون لافت للنظر ولا يجب أن تخطئه الأبصار فالمسار التقليدي للتعامل مع قضية الأمن الخليجي تنتقل إلى مرحلة مهمة فأحداث المنطقة خلال الأشهر الماضية لم تكن رسائل يمكن تجاوزها ببساطة فالمنعطف التاريخي الذي خلفته أحداث السابع من أكتوبر والهجوم الإسرائيلي على غزة أثبت أن المنطقة أصبحت اكثر استجابة لأزماتها الجانبية والتقليدية.

هذه القمة فرضت مصطلح الأمن الخليجي كمتغير ثابت فرضته الحالة الإقليمية، هذه العبارة، التي تكررت بصيغ متعددة في بيان القمة، تعكس وعياً خليجياً فرضته اللحظة الخليجية فالتهديدات لم تعد افتراضية أو محتملة وخاصة بعد أن شهدت المنطقة ثلاثة أحداث كبرى عكستها أحداث غزة والهجوم الإسرائيلي على إيران والهجوم الإسرائيلي على قطر، بيان قمة البحرين يؤكد أن الأزمات الدولية أصبحت عابرة للحدود والجغرافيا في إقليم الشرق الأوسط والخليج وهذا مؤشر أساس لفهم أي اختلالات يمكن أن تحدث في المنطقة، السيولة المعتادة في تمرير قضايا مجلس التعاون تدخل اليوم إلى مرحلة تتطلب التعامل مع قضايا المنطقة بشكل أكثر صلابة مما يعني التعامل مع الواقع بشكل مفصلي، ولعل السؤال هنا يرتبط مباشرة بالكيفية التي سوف تعبر فيها دول الخليج عن تعاونها الأمني المشترك ،  فهل يمكن أن تعاد صياغة السؤال حول الفكرة التي أثارتها اجتماعات الدورة الثانية والثلاثين للمجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية عندما دعا الملك عبد الله بن عبد العزيز في ذلك الوقت قادة دول مجلس التعاون الخليجي إلى تجاوز مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد، التحولات التي حدثت منذ عقد من الزمان عندما تمت الدعوة إلى تحول مجلس التعاون إلى فكرة الاتحاد، أثبتت أن حجم التغيرات وسرعتها لم يعد قابل للسيطرة أو التحجيم أو التقليل من آثارها ، فقبل عقد من الزمان كان الأمن الإقليمي أكثر ثباتًا واحتمالات الحرب العابرة للجغرافيا ضعيفة جدًا ، اليوم وبعد هجوم إسرائيل والحرب الإسرائيلية الإيرانية التي كانت صواريخها تمر  فوق الفضاء الخليجي بشكل مباشر وغير مباشر، أصبحت التحديات أكبر وضرورة الانتقال إلى مراحل حاسمة وأكثر جدية في قضايا الأمن الخليجي لم يعد خيارًا بل أصبح واقعًا يتطلب التعامل معه بطرق فاعلة.

الأمن الخليجي يقرّب طموح التكامل:

لا يمكن تجاوز فكرة الأمن الخليجي دون مناقشة المعطيات التي يمكن أن يقوم عليها هذا الأمن والمبادي السياسية والقانونية والتي يمكن أن يقوم عليها هذا التوافق الأمني الخليجي والصيغة السياسية المطلوب تنفيذها لتحقيق هذا الأمن، قمة البحرين انعكاس طبيعي لفكرة أن الخليج أصبح أقرب من أي وقت مضى إلى استرجاع فكرة الاتحاد بطريقة مناسبة تتوافق مع تلك الاتفاقات الثانية التي أقامتها دول الخليج مع القوى الدولية الفاعلة أمريكا أو الصين.

الأمن الخليجي لكي يتحقق فإنه يتطلب بناء الاستقرار بين دوله من خلال تعزيز الثقة وبناء الاحترام المتبادل والعمل المشترك لمواجهة أي تهديد يمكن أن يطال السيادة الخليجية بجميع دوله دون استثناء، وهذا يعني أن يلتزم الجميع بفكرة أن أي تهديد لأي دولة هو تهديد مباشر للأخرين وهذا ما نصت عليه قمة البحرين التي شكلت مرحلة جديدة من إعادة التموضع والرغبة في التعامل المباشر من قبل دول الخليج مع أحداث المنطقة.

فكرة الأمن الخليجي ليست مقتصرة فقط على القوة العسكرية ولكنها تمتد إلى التوافق الاستراتيجي بين دوله فالأمن الخليجي فكرة غير قابلة للتقسيم بل إن الأمن الخليجي هو فكرة تتجاوز المصالح الخاصة لكل دولة من دولة نحو المصلحة الجماعية التي لا يمكن أن تتوفر إلا من خلال الاتفاق على أن فكرة الخليج والتعاون أو التكامل بين دوله هي فكرة تتكسر أمامها كل مصلحة خاصة بدولة بعينها، وهذا هو الخيار الضامن للكيان الخليجي وإطالة عمره قدر الإمكان.


 

مقالات لنفس الكاتب