array(1) { [0]=> object(stdClass)#14542 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 218

4 محاور هندية لإصلاح الأمم المتحدة و3 تحديات تعترض حصولها على مقعد دائم بمجلس الأمن

الأربعاء، 28 كانون2/يناير 2026

كان تأسيس منظمة الأمم المتحدة عام 1945م، إيذانًا بإنهاء فترة طويلة من الأزمات الدولية. ورغم وجود أوجه قصور في أدائها، إلا أنها مهدت لمرحلة جديدة من الاستقرار والازدهار النسبي على الصعيد العالمي، وحافظت عليه على مدار العقود الثمانية الماضية. وبينما يشير النقاد إلى عدم فاعلية المؤسسة الدولية، لا يمكن إنكار حقيقة أن الأمم المتحدة نجحت في تحقيق أحد أبرز أهدافها، وهو منع اندلاع حرب عالمية ثالثة.

وقد ظل موضوع إصلاح الأمم المتحدة على رأس أولويات النقاشات الدولية منذ العقد الماضي، إلا أن عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض دفعت النقاد إلى توقع سيناريوهات كارثية للمنظمة التي يقع مقرها في نيويورك، تشمل الانحراف عن أهدافها، وتراجع فعاليتها، وتحولها إلى نهج "ترامبي" في صناعة واتخاذ القرار.

وبينما يشهد النظام الدولي تحولات جذرية فعليًا، فإن السيناريوهات الكارثية المذكورة تبدو أكثر إثارة للجدل من كونها واقعية. وعلى النقيض، يمكن القول إن ما يجري حاليًا، سواء نتيجة أعباء الماضي أو بسبب النهج الأحادي غير المتوقع للرئيس ترامب، يمثل فرصة لإعادة تقييم التعددية الدولية بوجه عام وإصلاح الأمم المتحدة بصفة خاصة.

وفي هذا الإطار، تبرز مساعي الهند الحثيثة وجهودها الدؤوبة لإصلاح هيكل الأمم المتحدة وتوسيع دورها كزعيم لدول الجنوب العالمي، إذ تسعى نيودلهي لتأكيد موقعها الدولي ليس كمشارك في عملية الإصلاح، بل كلاعب رئيسي لهندسة التعددية الدولية المعاد تشكيلها.

تعد الهند إحدى الدول الـ 51 المؤسسة للأمم المتحدة، وعقب استقلالها عن بريطانيا في عام 1947م، استمرت كعضو رئيسي في المنظمة. وقد عكست أولى بياناتها الرسمية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 1947م، الوضع الراهن للعالم آنذاك، حيث ذكرت: “أن القوى العظمى، بدلاً من التقارب، تتباعد بشكل متزايد، وسط أجواء من التوتر والترقب والقلق، وإحساس بالريبة بأن العالم قد يواجه كارثة جديدة مدمرة للبشرية…"

وبدون إغفال حقيقة الأبعاد الدولية للأمم المتحدة، فقد اعتبرت الهند، التي كانت آنذاك قد تحررت من الحكم الاستعماري، المنظمة متعددة الأطراف إطارًا عالميًا يسهم في تحقيق التحول الاجتماعي والاقتصادي للهند وللعالم بأسره.

الإسهامات الكبرى

تتبلور إسهامات الهند الجوهرية في منظمة الأمم المتحدة عبر مسارين رئيسيين؛ يرتكز المسار الأول على دورها الريادي في ترسيخ المبادئ الديمقراطية ضمن أطر العلاقات الدولية، وذلك من خلال تمكين الدول حديثة الاستقلال من نيل عضويتها الكاملة في الجمعية العامة. وقد توّجت هذه الجهود بالتمهيد لاعتماد القرار التاريخي الصادر بالإجماع في ديسمبر 1960م، والمعنون بـ "إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة".

أما المسار الثاني، فيتجلى في الدعم الهندي المتواصل لإدراج قضايا التنمية المستدامة ضمن أولويات الأجندة الأممية ووكالاتها المتخصصة؛ وهو التوجه الذي تكلل بإقرار الجمعية العامة بالإجماع لـ "أجندة 2030" في سبتمبر 2015م. وقد اشتملت هذه الخطة على سبعة عشر هدفاً للتنمية المستدامة، غطت قطاعات الصحة، والتعليم، والمساواة بين الجنسين، والطاقة، والتوظيف، والبنية التحتية، والحد من التفاوت، والنمو الحضري، والاستهلاك، وصولاً إلى حماية البيئة بمجالاتها البرية والبحرية والجوية.

كما شاركت الهند عام 1961م، في تأسيس حركة عدم الانحياز، والتي رفضت سياسة المواجهة للحرب الباردة. وفي عام 1964م، شاركت الهند في إنشاء مجموعة الـ 77، بهدف الدفع نحو إقامة نظام دولي جديد أكثر عدالة وإنصافًا.

وأضاف إدراج الديمقراطية والتنمية المستدامة مضمونًا حقيقيًا لأنشطة الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة على مدار الثمانين عامًا الماضية، وهو ما تحقق بفضل الانخراط الدبلوماسي النشط للهند مع غيرها من الدول على أسس من القيم والمصالح المشتركة.

ومع ذلك، يواجه السلم والأمن الدوليان تهديدات متزايدة، لعدة أسباب رئيسية وهي تجاهل واشنطن لمبدأ التعددية، وغياب القيادة الدولية والتعاون المشترك، فضلاً عن تراجع فاعلية مجلس الأمن الدولي. وحاليًا، يُدرج على أجندة مجلس الأمن أكثر من 50 نزاعًا، من بينها النزاعات في جمهورية الكونغو الديمقراطية، والسودان، ومالي، وجمهورية إفريقيا الوسطى، وليبيا، وسوريا، واليمن، والعراق، وأفغانستان، وميانمار، وأوكرانيا والصراع الفلسطيني الإسرائيلي. وقد أسفرت هذه النزاعات عن نزوح نحو 100 مليون شخص عبر مختلف القارات، في ظل غياب خطة ملموسة من الأمم المتحدة للمساعدة في تسويتها.

المطالبة بالتغيير

واستجابةً لتلك التحديات، استعرض رئيس الوزراء الهندي "ناريندرا مودي" رؤية طموحة تهدف إلى "تعزيز العمل متعدد الأطراف" وإعادة صياغته ليكون "محوره الإنسان"؛ جاء ذلك خلال كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بمناسبة الذكرى الخامسة والسبعين لتأسيس المنظمة الدولية في عام 2020م. وترتكز هذه الخطة على هدفين رئيسيين: الأول، إجراء إصلاحات داخل منظومة الأمم المتحدة، وخاصة مجلس الأمن؛ والثاني، إصلاح المنظمات متعددة الأطراف المترابطة (الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية)، وذلك بهدف بناء إطار عالمي متماسك قادر على مواجهة التحديات المشتركة التي تواجهها الإنسانية جمعاء.

وهذا التوجه يرجع إلى حقيقة أن الدول النامية، التي تشكّل الغالبية العظمى من عضوية الأمم المتحدة، لديها مصلحة جوهرية في إصلاح المنظمة الدولية والمؤسسات متعددة الأطراف؛ بما يضمن تعزيز كفاءتها ورفع قدرتها على الاستجابة لمتطلبات الواقع الدولي ومستجداته.

وترتكز جهود الهند لإصلاح الأمم المتحدة على أربعة محاور رئيسية:

الأول، توسيع عضوية مجلس الأمن الدولي، بما يشمل عددًا أكبر من الأعضاء الدائمين، حيث ترى الهند بأن البنية الحالية المكوّنة من خمسة أعضاء دائمين تعتبر إرثًا قديمًا يعود إلى عام 1945م، ولم تعد تعكس الواقع الجيوسياسي للقرن الحادي والعشرين. ورغم أن غالبية الأعضاء الدائمين (باستثناء الصين) أعربوا عن دعمهم لترشح الهند، فإن نيودلهي تتمسك بموقفها الراسخ بأن أي مقعد دائم جديد يجب أن يتضمن حق النقض (الفيتو)، وهو ما يثير خلافًا مع بعض الدول الغربية ومجموعة "متحدون من أجل التوافق". وفي أواخر عام 2025م، دعت الهند إلى إطلاق مفاوضات فورية قائمة على نصوص واضحة وبجداول زمنية محددة، بهدف تجاوز ما وصفته بـ«التحسينات الجزئية» في أساليب عمل المجلس.

المحور الثاني: وفي مضمار ريادتها لدول الجنوب العالمي، يبرز دور الهند بشكل متزايد بوصفها جسراً يربط بين الدول النامية والهياكل القيادية للأمم المتحدة. فقد جددت الهند التزامها بـ "ميثاق المستقبل" الأممي الذي تم اعتماده في أواخر عام 2024م، مع التركيز بشكل خاص على "الميثاق الرقمي العالمي" و"إعلان الأجيال القادمة". ومن خلال "صندوق الشراكة الإنمائية بين الهند والأمم المتحدة" تدعم نيودلهي عشرات المشاريع في إفريقيا ومنطقة الكاريبي وآسيا، والتي تتنوع مجالاتها من الصحة الرقمية وصولاً إلى الطاقة الشمسية. وتتمثل إحدى استراتيجياتها المستقبلية المحورية في مشاركة قصة نجاحها في مجال التحول الرقمي، والترويج للبنية التحتية الرقمية العامة، مثل منصتي "كو وين"(CoWIN)، وواجهة المدفوعات الموحدة (UPI)، كنماذج قابلة للتطبيق في الدول النامية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

المحور الثالث: تكريساً لمكانتها كأحد أبرز الشركاء التاريخيين في عمليات حفظ السلام الدولية، تواصل الهند جهودها الحثيثة لتطوير أدوارها في هذا المجال الحيوي. ففي أكتوبر 2025م، استضافت نيودلهي مؤتمر رؤساء الدول المساهمة بقوات حفظ السلام التابع للأمم المتحدة، بهدف مناقشة التهديدات الناشئة، وتطوير التشغيل المشترك بين القوات. كما تدعو الهند إلى توظيف التكنولوجيا المحلية منخفضة التكلفة لحماية عناصر حفظ السلام، وتعزيز مبدأ "صناعة قرار أكثر شمولًا" يمنح الدول التي تشارك في قوات حفظ السلام دورًا أكبر في عملية اتخاذ القرار. ومن المرجح أن تنتقل الهند تدريجيًا من مرحلة نشر القوات ميدانيًا إلى التركيز على التدريب وبناء القدرات للدول الأخرى.

رابعًا، ومع تصاعد الحضور الشامل للتكنولوجيا في مختلف المجالات، تشارك الهند بفاعلية في المفاوضات الجارية داخل الأمم المتحدة لإنشاء هيئة علمية دولية مستقلة للذكاء الاصطناعي، وإطلاق حوار عالمي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي، بما يضمن احترام التكنولوجيا لسيادة الدول. كما تواصل الهند الدفاع عن مبدأ "المسؤوليات المشتركة لكن المتباينة"، إلى جانب مطالبتها بإرساء بنية مالية عالمية عادلة ومنصفة لدعم جهود مواجهة تغير المناخ والتحول الأخضر.

التحديات

ترى الهند، بوصفها قوة كبرى طموحة، أنها حُرمت على نحو غير عادل من مقعدها المستحق على طاولة القوى الكبرى. وعلى الرغم من الضغط المستمر، يبدو من غير المرجح أن تنال الهند عضوية دائمة في مجلس الأمن الدولي في المستقبل القريب، لعدة أسباب. فهناك ثلاثة تحديات رئيسية على الأقل يتعين على الهند تجاوزها قبل تحقيق هذا الهدف:

أولاً، ترفض الصين تأييد ترشّح الهند، حيث تعد الصين الدولة الآسيوية الوحيدة حتى الآن، التي تشغل مقعدًا دائمًا في مجلس الأمن الدولي. وهذا الوضع يضيف لها نفوذًا واسعًا ومكانة دولية مرموقة، مما يجعلها غير متحمسة لتقاسم هذه المكانة مع الهند، في ظل استمرار الخلافات الحدودية غير المحسومة بين البلدين وتاريخ المواجهات العسكرية بينهما. ولا يزال من المبكر القول بما إذا كان التحسّن النسبي الأخير في العلاقات الهندية-الصينية، أو التحركات الصادمة التي قادها ترامب وأربكت قواعد القانون الدولي، سيؤديان إلى تغيير حسابات بكين.

ثانيًا، طرحت بعض الدول مقترحًا لحصول الهند على عضوية مجلس الأمن الدولي ولكن بدون حق النقض (الفيتو). ويشمل ذلك تكتلات مثل مجموعة "الاتحاد من أجل التوافق"، التي تضم إيطاليا وكندا والمكسيك وإسبانيا وباكستان وكوريا الجنوبية وتركيا، والتي تفضل زيادة عدد الأعضاء غير الدائمين بدلاً من توسيع العضوية الدائمة. بيد أن نيودلهي لا تبدي ارتياحًا لهذا الطرح، وتعتبره انتقاصًا من جوهر الإصلاح المنشود.

ثالثًا، هناك مخاوف غربية حول احتمالية عدم توافق سياسات الهند مع أولويات الولايات المتحدة. وتشمل هذه المخاوف دوائر صنع القرار الأمريكي حتى في مرحلة ما قبل الرئيس ترامب. وفي هذا السياق، قال نيكولاس بيرنز، وكيل وزارة الخارجية الأمريكية الأسبق للشؤون السياسية عام 2008م: "نحن نرغب في الحفاظ على حق النقض، ولا نريد توسيع نطاق هذا الحق ليشمل أعضاء دائمين جدد".

وصرح الخبير الأمريكي آشلي تيليس بأن السياسة الخارجية المستقلة للهند تجعل الولايات المتحدة غير قادرة على ضمان دعم نيودلهي في القضايا الاستراتيجية الكبرى. واستشهد بموقف الهند من الحرب الروسية-الأوكرانية، والذي كان مغايرًا لموقف واشنطن، كمثال واضح على ذلك. ومع عودة الرئيس ترامب إلى السلطة وما يشهده دور الأمم المتحدة من تراجع متزايد، يظل من غير الواضح ما إذا كانت واشنطن ستقود عملية إصلاح المنظمة الدولية ودعم ترشّح الهند بنفس الطريقة كما كان الحال في الماضي.

خاتمة

ثمة أسباب جوهرية تدفع باتجاه التعجيل بإصلاح منظمة الأمم المتحدة، وخاصة مجلس الأمن. ولذلك يبدو إشراك الدول النامية مثل الهند مفيدًا للأمم المتحدة والمجتمع الدولي على حد سواء، إذ لا يمكن تجاهل التأثير الجغرافي والسياسي والاقتصادي والتكنولوجي والاجتماعي والثقافي للهند داخل قارة آسيا وخارجها. ومع ذلك، هناك عوامل هيكلية وجيوسياسية تطغى على مساعي الهند لإصلاح الأمم المتحدة والحصول على عضوية دائمة في مجلس الأمن. ولذلك، يجب على نيودلهي تكثيف جهودها لتعزيز موقفها الرامي إلى إصلاح المنظمة الدولية، بما يساهم في خدمة المصالح الدولية، وفي الوقت نفسه دعم مصالحها الوطنية.

وفي ظل إظهار الولايات المتحدة قدرًا محدودًا من الاحترام للتعددية، أو عدم احترامها للتعددية من الأساس، فإن أهداف الهند أو أهداف المجتمع الدولي بشأن إصلاح الأمم المتحدة لن تحقق تقدمًا ملموسًا، على الأقل حتى نهاية ولاية الرئيس الأمريكي ترامب عام 2028م. ونظرًا لأن إصلاح المؤسسات الدولية متعددة الأطراف عملية طويلة ومعقدة، فلن يكون هناك تغييرات جوهرية ومؤثرة في الأمم المتحدة، اللهم إلا بحلول احتفالات الذكرى المئوية لتأسيس المنظمة الدولية عام 2045م.

مقالات لنفس الكاتب