تأسّست منظمة الأمم المتحدة عام 1945م، بعد الحرب العالمية الثانية على أنقاض عصبة الأمم التي فشلت في مهامها. وتعتبر الأمم المتحدة أكبر منظمة دولية تقوم بمهمات واسعة في العالم أهمها: حفظ السلم والأمن الدوليين بمنع النزاعات قبل وقوعها، التدخل لوقف الحرب، إرسال البعثات لحفظ السلام، فرض السلام، مراقبة وقف إطلاق النار، نزع الأسلحة، دعم بناء السلام بعد الحرب. كما تلعب الأمم المتحدة دوراً مهماً في تقديم المساعدات الإنسانية للمناطق المنكوبة بالكوارث الطبيعة أو النزاعات المسلحة، وتقوم أيضًا بدور التنسيق بين المنظمات الدولية الأخرى التي تساهم في العمل الإنساني في المناطق المتضرّرة، ومن مجالات اهتمامات المنظمة أيضًا دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية كمشاريع التعليم، الصحة، مكافحة الفقر والجوع، أهداف التنمية المستدامة، بناء القدرات المؤسسية والفنية إلخ-- ومن الأمور التي تهتم بها المنظمة أيضًا قضايا حقوق الإنسان، التغيّر المناخي، دعم القانون الدولي، التنسيق بين الدول لمناقشة القضايا التي تشغل الرأي العام للمجتمع الدولي مثل الإرهاب، الهجرة، الأمن، الغذائي، التكنولوجيا إلخ -- لاتخاذ تدابير جماعية في شأنها. على العموم أنّ مهمات المنظمة تنوّعت وتوسّعت باستمرار استجابة للتحديات المستجدة في العالم خلال ثمانية عقود الماضية. حققت نجاحات في بعضها وأخفقت في أخرى. فنجاحاتها تكمن في وكالاتها المتعددة المتخصصة التي تعمل بصمت في شتى المجالات في العالم، وأمّا قصورها في بعض القضايا فيعود إلى طبيعتها كونها مؤسسة حكومية تؤثّر فيها موازين القوى للأعضاء خاصة في الجوانب السياسية فيها.
وبإسقاط ما سبق في واقع القرن الإفريقي الذي يشهد أزمات متتالية منذ زمن طويل نتيجة لصراعات داخلية وخلافات حدودية وتنافس القوى الدولية والإقليمية في المنطقة. فإنّ المنظمة الدولية لعبت دوراً مهمًا في تقديم الحلول والمعالجات لبعض الأزمات في القرن الإفريقي وأخفقت في أخرى خلال الثمانين عامًا الماضية. وبالعودة إلى رؤية دول القرن الإفريقي لدور الأمم المتحدة في المنطقة فإنها تتقاطع في بعض الملفات وتتباين في أخرى، بناءً على التطورات التاريخية والرؤية السياسية لكل دولة. على سبيل المثال علاقة الأمم المتحدة بإريتريا تعد من أعقد العلاقات في تاريخ القارة الإفريقية، بدأت عندما هزمت إيطاليا في الحرب العالمية الثانية وأحيلت مستعمراتها في إفريقيا (إرتريا - الصومال - ليبيا) إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948م، للبت فيها، وبعد مداولات مطولة أوصت اللجنة السياسية في الأمم المتحدة بمنح ليبيا والصومال الاستقلال واختلفت اللجنة حول مصير إرتريا. وكحل وسط تقدمت الولايات المتحدة بمشروع ربط إرتريا بإثيوبيا فيدرالياً في ديسمبر 1950م ودخل حيز التنفيذ في ديسمبر عام 1952م. وقد رأى قطاع واسع من الإرتريين في ذلك القرار ترجيح مصلحة إثيوبيا ضد إرادة الشعب الإرتيري، ولاحقًا تم إلغاء النظام الفيدرالي من طرف واحد وضمت إرتريا إلى إثيوبيا قسرا، ولم تدِن الأمم المتحدة ذلك ومثله كان موقفها سلبياً من النضال الإرتري 1961-1991م،إلاّ أنّ العلاقة بين الطرفين شهدت تحسنًا بعد تحرير إرتريا عام 1991م. وقد دعمت الأمم المتحدة تنظيم الاستفتاء في إرتريا، ومثله قدّمت وكالاتها المختلفة دعمًا مقدراً لإريتريا في التنمية، التعليم، الصحة، الإغاثة، إعادة اللاجئين، إعادة دمج المقاتلين السابقين في الحياة العامة إلخ- إلاّ أنّ العلاقة مرة أخرى أصابها الفتور بسبب اتهام إرتريا للمنظمة بعدم الضغط على إثيوبيا لتنفيذ قرار ترسيم الحدود. وعلى إثره فرضت إرتريا قيوداً على حركة بعثة الأمم المتحدة ولاحقًا طلبت منها مغادرة البلاد. وأعلنت رفضها للتعاون مع آليات حقوق الإنسان للأمم المتحدة، وساءت العلاقة أكثر بعد فرض مجلس الأمن عقوبات على إرتريا بتهمة دعمها حركة الشباب في الصومال، واستمر الوضع على هذا الحال إلى عودة التعاون الجزئي عام 2018م، بعد رفع الأمم المتحدة العقوبات عن إرتريا إثر تصالحها مع إثيوبيا، ومازالت العلاقات الجزئية الحذرة مستمرة بين الطرفين. على العموم إنّ علاقة إرتريا بالأمم المتحدة تسيطر عليها نظرة الشك والربية بسبب الذاكرة التاريخية لموقف المنظمة من القضية الإرترية.
أمّا إثيوبيا وهي من الدول الإفريقية القليلة التي شاركت في تأسيس منظمة الأمم المتحدة، ولعبت دورًا نشطًا فيها، وخاصة بإسهاماتها في بعثات حفظ السلام المتعددة، فكانت جزءًا من قوات حفظ السلام في كوريا والكونغو ولاحقا في بعثات أخرى كثيرة. وبالمقابل ؛ إنّ الأمم المتحدة لعبت دوراً محورياً في بناء مؤسسات الدولة الإثيوبية الحديثة في التخطيط الاقتصادي، التنمية الزراعية، البنية التحتية، تطوير الجوانب الإدارية والقانونية، التعليم والتدريب، الصحة، الإغاثة إلخ- إلا أنّ هذه الشراكة بين المنظمة وإثيوبيا انفضت بعد وصول نظام منجستو الشيوعي إلى الحكم، والذي كان يرى أنّ منظمة الأمم المتحدة متأثّرة بالنظام الغربي، وتقاريرها في حقوق الإنسانية منحازة ومهدّدة لسيادة إثيوبيا، فتحولت العلاقة بين الطرفين في تلك الفترة من التعاون إلى التوتر، إلاّ أنّ دور المنظمة في البعد الإنساني لم يتأثر كثيراً فاستمرت المنظمة في تقديم المساعدات الإنسانية لإثيوبيا خلال المجاعات المختلفة التي أصيبت بها البلاد وخاصة في فترة المجاعة الكبرى بين عام 1983-1985م، والتي قامت الأمم المتحدة بنفسها وبتنسيق مع المنظمات الدولية الأخرى بتقديم الإغاثة الطارئة للمتضررين، إلا أنّ عملياتها آنذاك واجهت تحديات أمنية معقدة بسبب الصراعات الداخلية في البلاد، الأمر الذي كشف أهمية تلازم الأمن بالعمل الإنساني. وبعد سقوط نظام منجستو عام 1991م، عادت العلاقة بين الطرفين وأصبحت الأمم المتحدة شريكاً في تنمية البلاد، وتعزّزت مكانة إثيوبيا في داخل المنظمة من خلال مشاركتها الواسعة في عمليات حفظ السلام في العالم، وقد بلغ عدد أفراد قواتها المشاركة في البعثات الأممية المختلفة في العالم حوالي 80 ألف عنصر كما ذكرت بعض المصادر، الأمر الذي رسخ الصورة الإيجابية لإثيوبيا داخل منظمة الأمم المتحدة. وعند اندلاع الحرب الحدودية بين إثيوبيا وإرتريا 1998-2000م، لعبت الأمم المتحدة دوراً مهماً في وقف الحرب بين الطرفين، ونشرت قوات لمراقبة وقف النار، وحينها حصل بعض الفتور في علاقة المنظمة بإثيوبيا بسبب موقف الأخيرة من تطبيق حكم المحكمة في أرض الواقع، وانتقادات المنظمة أيضًا للحكومة في ملف حقوق الإنسان، الاعتقالات السياسية، القيود الإعلامية، واستخدام العنف ضد المتظاهرين السلميين وخاصة بعد انتخابات 2005م، كما اتهمت تقارير الأمم المتحدة لإثيوبيا بانتهاكها حقوق الإنسان في حربها في الصومال عام 2006-2009م، وإقليم التيغراي 2020-2022م، وقد رأت إثيوبيا في تلك التقارير تدخلاً في شؤونها الداخلية، إلاّ أنّ العلاقة بينهما بعد وقف الحرب في التيغراي وتوقيع اتفاقية بريتوريا للسلام طرأ فيها بعض التحسن والانفتاح الحذر. مما سبق مناقشته يمكن القول إنّ الحكومات الإثيوبية المختلفة ترحب بالتعاون مع الأمم المتحدة في مجالات التنمية المختلفة والإغاثة ودعم الاستقرار الإقليمي وفي الوقت نفسه ترفض التدخل السياسي للمنظمة وتتحسس من تقاريرها في حقوق الإنسان.
ومثل إثيوبيا علاقة الصومال بالأمم المتحدة أيضًا مرت بمراحل عدة، علاقات عادية بعد الاستقلال واستفادة الصومال من بعض خدمات المنظمة في التنمية، التعليم، الصحة، بناء مؤسسات الدولة، وكان دور الأمم المتحدة في الصومال بشكل عام في تلك المرحلة دوراً محدوداً. إلا أنّ دور المنظمة حدث فيه تغيير جذري بعد انهيار الدولة الصومالية عام 1991م، ودخول البلاد في حرب أهلية شاملة ترتب عليها كارثة إنسانية، الأمر الذي دفع الأمم المتحدة للتدخل الإنساني في البلاد، إلاّ أنّ جهودها واجهت تحديات أمنية معقّدة، بسبب سيطرة الفصائل المسلحة في البلاد. وللتعامل مع تلك التعقيدات أرسلت الأمم المتحدة قوات حفظ السلام إلى الصومال مهمتها حماية العمل الإنساني وإعادة بناء الدولة، لكن قواتها واجهت مقاومة شرسة من الفصائل الصومالية وتعرضت إلى خسائر بشرية كبيرة، الأمر الذي أجبر المنظمة لسحب قواتها بالكامل من الصومال. ومن يومها سلكت الأمم المتحدة نهجاً مغايراً للتعامل مع المشكلة الصومالية تقديم المساعدات الإنسانية عبر وكالاتها والاعتماد على دول الجوار والمنظمات الإقليمية في دعم المصالحة الصومالية. وعندما بدأت الأمور في الصومال تتحسن بعد تشكيل الحكومة الفيدرالية، انخرطت الأمم المتحدة في دعم العملية السياسية وبناء مؤسسات الدولة وفي تقديم المساعدات الإنسانية والتنموية. كما أنّ المنظمة موّلت جزءًا كبيرًا لبعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال. وتعتبر المنظمة اليوم شريكة الحكومة الصومالية في إعادة بناء مؤسسات الدولة، مكافحة الإرهاب، التنمية، مواجهة الأزمات الإنسانية في البلاد. على العموم إنّ علاقة الطرفين مرت بمراحل العلاقات العادية ثم التوتر والصدام ثم التحسن والتعاون في مجالات متعددة. وأمّا علاقة جيبوتي بالأمم المتحدة تختلف عن باقي دول القرن الإفريقي، فهي تتسم بالاستقرار والتعاون بالاستمرار منذ الاستقلال عام 1977م، الأمر الذي أتاح لها الاستفادة من الدعم الأممي في المجالات المختلفة. وعندما شهدت البلاد نزاعات داخلية محدودة دعمت الأمم المتحد جهود الوساطة بين المتنازعين، ولاحقًا ساهمت في إعادة الإعمار ودمج المقاتلين السابقين في الحياة العامة. وحظيت جيبوتي بدعم من الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بشكل عام عندما توسطت لحل المعضلة الصومالية. وتواصل التعاون مع المنظمة الدولية حتى أصبحت جيبوتي مركزًا لوجستيًا لعمليات الأمم المتحدة في المنطقة. كما أنّها أصبحت توفر الدعم اللوجستي لقوات متعددة الجنسيات التي تقوم بمواجهة القرصنة والإرهاب وغيرهما، عمومًا جيبوتي كدولة صغيرة تجنح إلى دعم الشرعية الدولية ومنسجمة مع الإجماع الإفريقي، الأمر الذي جعل علاقاتها مستقرّة مع الأمم المتحدة ومع المنظمات الدولية والإقليمية الأخرى.
التوجهات العامة لرؤية دول القرن الإفريقي لدور الأمم المتحدة
إنّ منطقة القرن الإفريقي ارتبطت بالأمم المتحدة منذ وقت مبكر، ذلك لوقوعها في المنطقة الجيو-استراتيجية للقوى الدولية والإقليمية عبر التاريخ، وما تواجهه بالاستمرار من حروب أهلية ونزاعات حدودية وصراعات دولية، فإنّ المنطقة بحاجة إلى دعم الأمم المتحدة ووكالاتها المختلفة في عمليات الإغاثة، الصحة، التعليم، اللاجئين، وفي تعزيز الحكم الرشيد والتنمية الشاملة، ومساعدة دول القرن في بناء قدراتها المؤسسية والفنية والإمكانيات المالية إلخ --- ومثله دور الأمم المتحدة كوسيط في الصراعات أمر لا غنى عنه. لكن في المقابل هناك مآخذ في تدخل المنظمة في القضايا السياسية والحقوقية والسيادة الوطنية، فإنّ قرارات مجلس الأمن في هذه الأمور في الغالب تعكس مصالح الدول الكبرى، وخاصة إنّ منطقة القرن الإفريقي بسبب موقعها الاستراتيجي أضحت ساحة صراع للقوى الدولية الأمر الذي يجعل أحيانًا سياسات المنظمة رهينة لتنافس الكبار فيها. وللخروج من هذا المأزق تدعو دول القرن الإفريقي لتوسيع المقاعد الدائمة في المنظمة وتمثيل إفريقيا فيها بمقعدين، حتى تكون قرارات المنظمة متوازنة تمثل الجميع. ومثله تدعو دول القرن الإفريقي إلى تعزيز دور الأمم المتحدة أكثر في التنمية، وأن يتحول دور المنظمة من التدخلات الطارئة إلى تعزيز المناعة، إضافة إلى تقوية التعاون مع المنظمات الإقليمية والمحلية في تنفيذ مشاريعها.





