array(1) { [0]=> object(stdClass)#14487 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 218

التصور الأردني للإصلاح ينطلق من 3 مسارات: تفعيل مقاصد الميثاق والإرادة الجماعية العالمية والمساءلة القانونية الدولية

الأربعاء، 28 كانون2/يناير 2026

تواجه الأمم المتحدة تحديات متزايدة تتعلق بفعالية حضورها الدولي، لا سيما عندما تقتصر على دور المراقب أو التدخل الضعيف في النزاعات، ما يجعلها عرضة للتوترات الجيوسياسية والاستقطاب السياسي، ويحد من قدرتها على فرض القرارات الدولية أو حماية حقوق الإنسان، وانعكس هذا على جهودها في العديد من الملفات المعقدة والحرجة، بما في ذلك قضايا الشرق الأوسط وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

في ظل هذه التحديات، يطرح المجتمع الدولي باستمرار أفكاراً ومبادرات لإصلاح الأمم المتحدة، بهدف تعزيز قدرتها على تحقيق أهدافها الجوهرية المتمثلة في حفظ السلام العالمي، وتعزيز التنمية المستدامة، وحماية حقوق الشعوب. ومن هنا يبرز السؤال المركزي: كيف ينبغي دعم مساعي إصلاح الحوكمة العالمية بحيث تصبح قادرة على التكيف مع التحديات المتسارعة والمعقدة؟

تحديات ناشئة وقديمة ومركبة

يواجه نظام الحوكمة العالمية تحديات ناشئة وقديمة ومركبة، يترتب عنها عجز المؤسسات الدولية والحوكمة القائمة عليها من التعاطي معها، إذ لم تعد قضايا الفقر والبطالة والتفكك الاجتماعي والتنمية هي المخاطر الوحيدة المحيطة بالعالم، وخاصة التي تهدد البلدان النامية منه، بل باتت التهديدات الناشئة مثل المخاطر البيئية والصراعات الممتدة وأزمات اللجوء والأمراض والأوبئة والتغيرات المناخية وانعدام الأمن الغذائي، وزيادة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، أو ارتفاع مخاطر الصراع بين الدول الحائزة للأسلحة النووية، من ضمن التحديات التي تواجه مستقبل البشرية اليوم، والتي تفوق قدرات الدول الوطنية في التصدي لها.

وفي ظل عجز المجتمع الدولي عن التعاون والتواصل للبحث عن الحلول الأفضل لتلك التحديات، دفع قادة الدول والمفكرون والباحثون للتشكيك في كفاءة نظام الحوكمة العالمي، والاعتقاد بأنها إطار ونظام لم يعد يتناسب مع متطلبات العصر والتهديدات الناشئة.

وللبحث عن الحلول، علينا أولاً تشخيص المشاكل في نظام الحوكمة العالمي، وحيث أن المعيار الأول بشأن ذلك ينبثق من هيكل النظام من المؤسسات والقواعد والمعايير، فإن تمكين التعاون الدولي من تفعيل الإجراءات والحلول يتطلب قبل كل شيء تحقيق التوافق حول مكونات ذلك النظام؛ فعند النظر إلى أولى مكونات الهيكلة وأساسها، وهي المؤسسات؛ فسرعان ما يتضح أنها ضعيفة وعاجزة، وقد رسخت مقاربتها تجاه الحربين في قطاع غزة والحرب في أوكرانيا من ذلك الضعف، وتعاظمت الجدلية التي تُحيط بتلك المؤسسات وبأدوارها خاصة الإنسانية والاقتصادية منها، إذ لم يسعف التوافق الدولي حول المؤسسات الأممية المعنية بالمجال الإنساني من توجيه الدعم اللازم لأهالي قطاع غزة، الذين يواجهون ظروفاً غير مسبوقة، وغير معهودة في العالم الحديث والمعاصر، وينطبق ذلك على المؤسسات القضائية الدولية العاجزة حتى اللحظة عن إصدار قرارات ضرورية وملحة لوقف تلك الحرب العشوائية.

أما المعيار الثاني فهي القواعد الناظمة للحوكمة العالمية، نجدها أولاً غير مُتفق عليها، وباتت محط اعتراض من قبل العديد من دول الجنوب العالمي، إذ يطالب الكثيرون مراجعتها وتجديدها وتنشيطها.

مع ذلك لا تزال دول أخرى تنظر إلى تلك القواعد بالرؤية ذاتها في تسعينات القرن الماضي، ومن منطلقات الواقعية السياسية والحفاظ على القوة والمكانة والهيمنة العالمية، دون إدراك الحاجة في إعادة ترتيب الأولويات لمواجهة القضايا والتحديات الناشئة على الساحة الدولية.

لقد زاد ذلك من تعقيد الاستجابة لتلك التحديات، وأخل في أطر التعاون الدولي، وحال دون تبني استراتيجية لكيفية معالجة تلك التحديات. وقادت في الوقت نفسه إلى اشتداد الصراعات والمنافسات الجيوسياسية. وكل ذلك ترك العالم منكشفاً ومنقسماً وضعيفاً أمام التحديات، وكان ذلك جلياً في أعقاب جائحة كوفيد-19، وترك تلك المؤسسات على هامش الأحداث؛ بل ودفع العديد من القادة إلى معارضتها واستثنائها ومهاجمتها لا سيما من قادة الدول ذات النفوذ على تلك المؤسسات، ويرجح أن يشتد مأزقها مع محاولات إسرائيل تقويض عمل الأونروا، وبالتزامن مع إدارة الرئيس دونالد ترامب الثانية غير المتتالية منذ يناير 2025م.

أما عن جانب المعايير، باعتبارها ثالث مُكونات الحوكمة، فهي حجر الزاوية في تقوية وتدعيم المكونين السابقين أو إضعافها، وعندما نتساءل عن الأسباب التي أدت إلى تراجع وظائف الحوكمة العالمية، فعلينا النظر إلى ازدواجية استخدام معايير الحوكمة من قبل القوى الناظمة لقواعد النظام الدولي. يُمكننا المُقارنة هنا بين إجراءات مؤسسات الحوكمة العالمية من الحربين في قطاع غزة وأوكرانيا، ففي الوقت الذي لا تزال فيه عاجزة عن إصدار قرار حاسم لوقف الحرب في قطاع غزة، وتقديم الدعم الإنساني للشعب الفلسطيني، سارعت تلك المؤسسات لإصدار قراراتها وتدابيرها ومواقفها منذ الأيام الأولى للحرب في أوكرانيا، وذلك عائد بالنظر إلى اختلاف مواقف بعض الدول التي لديها نفوذ في المؤسسات الأممية من الحربين. وبذلك نرى أن الحوكمة العالمية قائمة ومبنية على رؤى يشوبها التمييز والانتقائية، كفيلة ببناء مقاربات غير إنسانية تعتمد على الجنسية والعرق واللون.

وعبر ذلك التشخيص، يُمكننا الاعتراف بالفجوات والخلل في بُنية الحوكمة العالمية، والانطلاق منها للبحث عن الحلول الإصلاحية والتشاركية لها، ولأن تلك المُهمة مُعقدة ومتشابكة، ويطول الحديث حولها، فعلينا تسليط الضوء على المعايير الواجب اتباعها لتعزيز نظام الحوكمة العالمية ودفعها إلى الأمام، وفي مقدمة تلك المعايير العدالة والإنصاف وأن تقترن قواعد ذلك النظام بالأخلاق السياسية، ليس من المنظور الفلسفي والنظري، بل باعتبارها جوهر الحوكمة وأساسها ومن ضروراتها،

كيف تنظر الأردن إلى دور الأمم المتحدة؟

منذ انضمام المملكة الأردنية الهاشمية رسمياً إلى الأمم المتحدة في 14 ديسمبر 1955م، حافظ الأردن على مستوى عال من التعاون المؤسسي مع المنظمة الدولية، شمل مختلف الأبعاد التنموية والإنسانية والسياسية، وقد تعزز هذا التعاون بشكل ملحوظ نتيجة التحديات المتراكمة التي واجهتها المملكة، لا سيما مع تدفق ملايين اللاجئين إليها من دول الجوار، بدءًا من موجات اللجوء الفلسطيني بعد عام 1948م، ثم بموجات اللجوء من العراق بعد عام 2003 م، وسوريا بعد عام 2011وم، إضافة إلى اللاجئين من ليبيا واليمن، فضلًا عن تداعيات أزمات إقليمية أخرى.

مع ذلك؛ فإن علاقة الأردن بالأمم المتحدة لم تقتصر على الأبعاد التنموية والإنسانية، بل تطورت مع مرور الوقت لتشمل الملفات السياسية والأمنية المرتبطة مباشرة بالمصالح الوطنية الأردنية، وبالأخص قضايا الأمن والسلام الإقليميين، في ظل بيئة جيوسياسية مضطربة جعلت من الاستقرار هدفاً استراتيجياً للسياسة الخارجية الأردنية.

فحيث يقع الأردن منذ عقود في محيط إقليمي شديد التقلب، اتسم بتصاعد الصراعات وعدم الاستقرار، بدأ من استمرار الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، الذي يشكل القضية المركزية في السياسة الخارجية الأردنية منذ عام 1948م، ثم تداعيات اجتياح الكويت 1990م، وصولاً إلى الحرب على العراق 2003م، واندلاع الأزمة السورية منذ عام 2011 واستمرارها لغاية اليوم، وقد تداخلت هذه الأزمات بشكل مباشر مع الأمن الوطني الأردني، سواء من خلال تدفقات اللاجئين، أو التحديات الاقتصادية، أو المخاطر الأمنية – تهريب المخدرات والسلاح والإرهاب- العابرة للحدود

إذ تنطلق المقاربة الأردنية من موقف ثابت ومعلن مفاده أن تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة لا يمكن فصله عن التوصل إلى حل سياسي عادل وشامل للقضية الفلسطينية، حيث يرى الأردن أن هذا السلام العادل يقوم على دولة فلسطينية مستقلة على خطوط الرابع من حزيران عام 1967م، وعاصمتها القدس الشرقية، على أساس حل الدولتين، وعند هذه النقطة، يتقاطع الموقف الأردني مع التقييم الأممي في أن استمرار تجاهل إسرائيل لحقوق الفلسطينيين، وانتهاكها للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، يشكل تهديداً مباشراً للأمن والسلم الإقليمي والدولي.

كما يستند هذا الموقف على مرجعية القرارات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة، والتي من أبرزها: (قرار الجمعية العامة لتقسيم الأراضي الفلسطينية رقم 181 لعام 1947م، وقرار مجلس الأمن رقم 242 لعام 1967م، الذي طالب بانسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها في ذلك العام، الجمعية العامة رقم 67/19 لعام 2012م، الذي منح فلسطين صفة دولة مراقب غير عضو، وأكد على حل الدولتين على حدود عام 1967م، إضافة إلى الترحيب الأردني بـ "إعلان نيويورك" في سبتمبر 2025م، بوصفه خطوة سياسية داعمة لتطبيق حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة.)

فمن وجهة النظر الأردنية، فإن الالتزام بتلك القرارات وتطبيقها، ولا سيما من قبل إسرائيل، يُعد المفتاح الرئيسي لتحقيق الأمن والاستقرار الإقليمي، ولذلك ينقل الأردن هذه الرسالة باستمرار إلى الأمم المتحدة، معتبراً إياها قناة التواصل العالمية الأساسية القادرة على تحويل الإجماع الدولي إلى سياسات فاعلة، ومطالباً إياها بتجاوز الأدوار الرمزية نحو ممارسة تأثير حقيقي في مسار السلام.

حيث تمثل الأمم المتحدة الفضاء الأساس للشرعية الدولية، والإطار الشرعي الوحيد للعمل الدولي متعدد الأطراف، وتؤكد السياسة الأردنية أن العديد من التحديات العالمية، ولا سيما النزاعات المسلحة وقضايا السلام، لا يمكن معالجتها عبر قرارات منفردة أو تحالفات خارج هذا الإطار، فالأمم المتحدة، هي: الجهة المخولة قانونياً بمنح الشرعية لاستخدام القوة، والضامن الأساسي لاستدامة السلام، والإطار المؤسسي القادر على منع تفاقم الصراعات وتحويلها إلى نزاعات مفتوحة.

وفي المقابل، فإن لجوء بعض الدول إلى تجاوز هذا الإطار الدولي، أو اتخاذ قرارات أحادية تتعارض مع قرارات الأمم المتحدة والقانون الدولي، من شأنه أن يضع النظام الدولي أمام أزمات بنيوية تهدد السلم العالمي، ويُقارب الأردن هذا التوصيف بوضوح على السلوك الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث يرى أن العديد من السياسات والإجراءات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية تمثل انتهاكاً للقانون الدولي ولقرارات الأمم المتحدة.

برز هذا الخلل بوضوح خلال الحرب في قطاع غزة، حيث حذر جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين من أن الأمم المتحدة تواجه أزمة حقيقية "تضرب في صميم شرعيتها، وتهدد بانهيار الثقة العالمية والسلطة الأخلاقية"، وذلك على خلفية تعثرها في فرض وقف فوري لإطلاق النار وضمان وصول المساعدات الإنسانية الكافية إلى المدنيين في القطاع.

وفي السياق ذاته، تستمر إسرائيل في تجاهل قرارات الأمم المتحدة التي تطالب بوقف الاستيطان في الضفة الغربية، ومن بينها: قرارات مجلس الأمن 446 و452، وقرار مجلس الأمن رقم 2334 لعام 2016م، إضافة إلى تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2024م، الذي طالب إسرائيل بإنهاء "وجودها غير الشرعي" في الأراضي الفلسطينية دون تأخير، وقد استند هذا التصويت إلى الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في يوليو 2024م، والذي خلص إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة يُعد غير قانوني بموجب القانون الدولي.

وعلى الرغم من تمسك الأردن بالأمم المتحدة كإطار شرعي لا عوض عنه، فإنه يؤكد ضرورة أن تتجاوز المنظمة دورها التقليدي كمنصة لعرض المواقف أو منبر لإلقاء الخطابات، وأن تتحول إلى مؤسسة قادرة على اتخاذ إجراءات عملية تعالج جذور الصراعات وتمنع إعادة إنتاج حلقة العنف، وينطلق التصور الأردني لتعزيز دور الأمم المتحدة من 3 مسارات رئيسية:

أولًا: تفعيل مقاصد ميثاق الأمم المتحدة

من خلال اعتماد مقاربة شمولية تُفعل مبادئ الميثاق وأهدافه، باعتبارها ضمانات قانونية وأخلاقية يمكن أن تشكل إطاراً عملياً لتعزيز السلم والأمن الدوليين.

ثانياً: ترسيخ البعد الإنساني والإرادة الدولية الجماعية

وذلك استناداً إلى أن الغاية الجوهرية للأمم المتحدة تتمثل في جمع شعوب العالم تحت مظلة واحدة، على أساس المساواة في الكرامة والحقوق والقيمة الإنسانية، بما يستوجب رفض الازدواجية في المعايير أو الانتقائية في تطبيق القانون الدولي.

ثالثاً: تعزيز مبدأ المساءلة الدولية

من خلال إخضاع جميع الدول، دون استثناء، لآليات المساءلة عند تجاوز قرارات الأمم المتحدة أو انتهاك القانون الدولي، ورفض توفير أي شكل من أشكال الحصانة السياسية أو القانونية، إذ إن غياب الردع الفاعل يؤدي إلى توسيع دوائر الصراع وتقويض فرص الحلول السلمية.

منظمة الأمم المتحدة: تعزيز الفعالية والاستجابة

في الوقت الذي يُجري فيه المجتمع الدولي الاستعدادات لانتخاب أمين عام جديد للأمم المتحدة خلال عام 2026م، تعترف المنظمة بشكل متزايد بالحاجة الملحة إلى إصلاح هيكلي ووظيفي يعزز من قدرتها على التصدي للتحديات العالمية المعقدة، وقد سعت الأمم المتحدة، ضمن هذا الإطار، إلى تعزيز مشاركة الدول الأعضاء ومنظمات المجتمع المدني في عملية اختيار الأمين العام لا سيما بعد عام 2026، بما يتيح شفافية أكبر ويمنح القيادة الأممية شرعية واسعة ودعماً جماعياً.

إلا أن التحديات الجوهرية التي تواجه هذا الإصلاح لا تقتصر على الإجراءات الشكلية، بل ترتبط بـالتوترات الجيوسياسية والاستقطاب السياسي بين القوى الكبرى، والتي غالباً ما تعرقل اتخاذ قرارات فاعلة أو حاسمة في أزمات الأمن والسلام، ويبرز هذا الانقسام بوضوح في الملفات الإقليمية الحرجة، بما في ذلك الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، والأزمات في سوريا واليمن وليبيا، حيث تتقاطع المصالح الإقليمية والدولية.

كما برزت تحديات أخرى تحد من قدرة المنظمة على ممارسة دورها الكامل، إذ بدأت العديد من الدول تغيير توجهاتها وطبيعة تعاملها مع الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها، غالباً وفق مصالح ضيقة أو استنادًا إلى أحكام مسبقة. ففي مثال واضح، وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في يناير 2026 م، قراراً بالانسحاب من 66 مجموعة دولية، نصفها عبارة عن هيئات تابعة للأمم المتحدة، من بينها اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، بالإضافة إلى منظمة اليونسكو.

وفي سياق مشابه، قامت إسرائيل في أواخر عام 2024 م، بحظر عمل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) نهائياً في الأراضي التي تسيطر عليها، مما يعكس محاولات لبعض الدول والجهات للحد من تأثير الأمم المتحدة في الملفات الإنسانية والسياسية الحيوية.

ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى الحضور الضعيف والوظيفي للأمم المتحدة على الساحة الدولية، لا سيما اعتمادها على صفة المراقب التقليدية في إدارة النزاعات والصراعات؛ هذا النمط من الأداء جعل المنظمة عرضة للتوترات الجيوسياسية والاستقطاب السياسي، والاتهامات المسبقة من بعض الدول، الأمر الذي يشير إلى ضرورة تحويل أدوار الأمم المتحدة نحو أكثر فاعلية ومبادرة، من خلال زيادة فاعليتها في معالجة القضايا العالمية الكبرى، واعتماد منظور استباقي وعلاجي يركز على معالجة جذور الصراعات ومنع تفاقمها، وليس الاكتفاء بالتدخل بعد وقوع الأزمات، إلى جانب ترسيخ دور المنظمة كقوة محورية قادرة على فرض القرارات الدولية وضمان الالتزام بالقانون الدولي، بما يحقق أهدافها في حفظ الأمن والسلم الدوليين بشكل حقيقي ومستدام.

كما أن إصلاح الأمم المتحدة، يجب أن يشمل أيضاً تعزيز المساءلة والشفافية في جميع أطر اتخاذ القرار، بحيث تُصبح كل الدول مسؤولة عن الالتزام بالمعايير الدولية، دون استثناء أو ازدواجية في تطبيق القوانين، بما يرفع من قدرة المنظمة على التعامل مع التحديات المتشابكة والمتعددة الأبعاد، سواء كانت سياسية أو إنسانية أو اقتصادية.

وأخيراً؛ أختم بما قاله دانتي اليغييري في القرن الرابع عشر مؤلف الكوميديا الإلهية والجحيم. وتأكيده على ضرورة وجود حكومة عالمية واتحاد عالمي يحمي من الحروب في أطروحته دي موناركيا: "يجب فهم فكرة الحكومة العالمية من منطلق كونها حاكمة للبشر على أساس المشترك بين الجميع، وأنها وباستخدام قانون عام، تأخذ بيد الجميع إلى السلام". وربما من المهم الإشارة أيضًا هنا إلى رفض الفيلسوف كانط لفكرة الحكومة العالمية لسببين: أولهما أنها فكرة غير واقعية وثانياً؛ أنه اعتقد أن تتحول الحكومة العالمية إلى ديكتاتور أو طاغية.

مقالات لنفس الكاتب