array(1) { [0]=> object(stdClass)#14487 (3) { ["GalleryID"]=> string(1) "1" ["ImageName"]=> string(11) "Image_1.gif" ["Detail"]=> string(15) "http://grc.net/" } }
NULL
logged out

العدد 218

يرتبط مستقبل المنظمة بمصير مجلس الأمن وضبط استخدام الفيتو يستعيد فاعلية المنظمة

الأربعاء، 28 كانون2/يناير 2026

بعد ثمانية عقود من قيام الأمم المتحدة، تعمّقت الهوّة بين مبادئها القانونية وقدرتها على إنفاذها، في عالمٍ تتسارع أزماته وتختل فيه موازين القوة. أثار هذا الواقع تساؤلات جوهرية حول مستقبل المنظمة وحدود دورها وحجم الإصلاحات الكفيلة بإبقائها إطاراً فاعلاً تحكمه سيادة القانون. ويعرض هذا المقال لمحة عن واقع الأمم المتحدة وآفاقها، ويسلط الضوء على مطالب إصلاحها والتحديات التي تعترض مسارها.

 

أولاً) رؤية قانونية لدور وواقع الأمم المتحدة اليوم

أُنشئت الأمم المتحدة عام 1945م، بوصفها انتصاراً للقانون على منطق القوة، وأرسى ميثاقها مبادئ حاسمة في العلاقات الدولية، من حظر استخدام القوة إلى تسوية النزاعات سلمياً وحماية حقوق الإنسان. غير أنّ سرعان ما عكست المنظمة اختلال موازين القوى التي قامت لتجاوزها، وكشفت أن النظام الدولي لا يزال أقرب إلى إرادة الكبار منه إلى حكم القواعد.

تفاقم هذا الخلل مع ظهور تحديات عابرة للحدود، تمثلت بالإرهاب والفضاء السيبراني والمناخ والأزمات الإنسانية المركّبة. كما برز الخلل بوضوح في "مجلس الأمن"، حيث نسف "حق النقض/الفيتو" مبدأ المساواة السيادية، وأفضى إلى شللٍ مزمن في مواجهة الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي.

في المقابل، مثّلت "الجمعية العامة" منبراً أوسع للشرعية، وأسهمت في تطوير مفاهيم محورية كحق تقرير المصير. غير أنّ عدم إلزامية قراراتها عمّق الفجوة بين الإرادة الجماعية والقدرة الفعلية على التأثير.

أما القضاء الدولي وحقوق الإنسان، فبالرغم من تحقيق الأمم المتحدة إنجازات لا يمكن إنكارها حولهما، عبر "محكمة العدل الدولية" ومنظومة الاتفاقيات والآليات الحقوقية، إلا أن غياب آليات إنفاذ ملزمة وخضوع الاختصاص القضائي لقبول الدول، جعل العدالة الدولية خياراً سياسياً أكثر منها التزاماً قانونياً.

واليوم، في عالمٍ متعدد الأقطاب، تتقدّم فيه الحسابات الجيوسياسية على القواعد المشتركة، يُطرح سؤالاً حاسماً: هل ما زال ميثاق 1945م، قادراً -بصيغته الراهنة- على تنظيم عالمنا اليوم، أو أن ملامح الشيخوخة طالت هذه المنظمة؟ 

 

ثانياً) أسباب دخول المنظمة مرحلة الشيخوخة

لا تُفهم "شيخوخة" الأمم المتحدة بوصفها أثراً طبيعياً لتقادم الزمن، بل باعتبارها نتيجة لاختلالٍ تراكمي بين نصوصٍ جامدة وواقعٍ دولي سريع التحوّل. فالمنظمة لا تزال تعمل بأدوات صُمّمت لعالمٍ لم يعد موجوداً، ما أضعف قدرتها على أداء وظائفها الجوهرية. يمكن تحديد أبرز أسباب هذا الضعف في النقاط الآتية:

  1. عدم ملاءمة الميثاق للنزاعات المعاصرة: وُضع ميثاق الأمم المتحدة لتنظيم نزاعات تقليدية بين دول، في حين باتت الصراعات اليوم داخلية، ومتعددة الفاعلين، وعابرة للحدود، وتشمل الإرهاب والفضاء السيبراني والمناخ والجريمة المنظمة. لكن هذا التحوّل، لم يقابله تحديث فعّال في أدوات المنظمة أو قواعد تدخلها.
  2. اختلال مبدأ المساواة السيادية: حوّل "حق النقض/الفيتو" داخل مجلس الأمن المساواة السيادية إلى مبدأ نظري، وأدى إلى شلل المجلس في أزمات كبرى، وجعل قرارته رهينة الحسابات السياسية للقوى العظمى.
  3. انتقائية تفعيل الفصل السابع من ميثاق المنظمة: أُفرغ هذا الفصل من مضمونه القانوني لتطبيقه الانتقائي، إذ فعُّل في حالات وعُطَّل في أخرى وفق مصالح سياسية، ما أفقد القواعد القانونية طابعها الكوني وأضعف الثقة بها.
  4. غياب سلطة إنفاذ ملزمة: تفتقر الأمم المتحدة إلى جهاز تنفيذي مستقل يضمن تنفيذ قراراتها، لذا، تعتمد على إرادة الدول الأعضاء. الأمر الذي جعل الكثير من قراراتها حبراً على ورق، وأبرز مظاهر عجزها المؤسسي.
  5. قيام القضاء الدولي على الاختصاص الرضائي: خضوع ولاية القضاء الدولي لقبول الدول حدّ من فعاليته، وأضعف مبدأ "عدم الإفلات من العقاب"، وحوّل العدالة الدولية إلى خيار سياسي لا التزام قانوني.
  6. ارتهان التمويل والتنفيذ للقوى النافذة: تعتمد المنظمة في تمويلها وتنفيذ برامجها على مساهمات الدول، الأمر الذي قيّد استقلالها، وجعل أولوياتها عرضة للضغط السياسي والمالي.
  7. تغيّر طبيعة الصراعات: في زمن أصبحت فيه الصراعات أكثر تعقيداً وتشابكاً، بقيت آليات الأمم المتحدة بطيئة وغير قادرة على الاستجابة السريعة والشاملة، ما عمّق فجوة الثقة بينها وبين الشعوب.

بذلك، تعبّر شيخوخة الأمم المتحدة عن قصور الإطار المؤسسي عن التكيّف مع عالمٍ متغيّر. ومن دون إصلاحٍ يعيد التوازن بين القاعدة والقوة، ويعزّز الإلزام والمساءلة، ستبقى المنظمة عاجزة عن معالجة أزمات النظام الدولي.

 

ثالثاً) نظرة في مستقبل المنظمة ووضعها القانوني

تتمتع الأمم المتحدة، بشخصية قانونية دولية مستقلة لم تتآكل نصّاً، لكنها أُفرغت عملياً. ومن المرجّح أن تبقى مستقبلاً مرجعيةً لوضع القواعد الدولية في مجالات حقوق الإنسان والقانون الإنساني والمناخ والفضاء السيبراني، مُحَافِظَةً على دورها كحارسٍ للنظام القانوني الدولي، وإن بقدرةٍ أضعف على فرض احترامه.

كذلك يرتبط مستقبل الأمم المتحدة بمصير مجلس الأمن، لأن استمرار الفيتو سيُبقي شرعية المجلس موضع تشكيك، بينما قد يُفضي ضبط استخدامه أو تفعيل دور الجمعية العامة، إلى استعادةٍ جزئية لفاعلية المنظمة.

كما قد يفرض العالم المتعدد الأقطاب إعادة تعريف "السلم" و"الأمن"، لأن النزاعات لم تعد عسكرية وحسب، بل أضحت تشمل أزمات عالمية كالمناخ والهجرة والأمن الغذائي، والانهيارات الاقتصادية...، وهي مجالات تملك فيها المنظمة فرصة لتعزيز مكانتها عبر توسيع اختصاصاتها وتطوير أدوات تعاون غير صدامية.

غير أنّ التحدّي الأخطر، يبقى فجوة الثقة بين "الشرعية القانونية" و"الشرعية الشعبية"، والتي لا تُردَم بإصلاح النصوص وحدها، بل بإثبات القدرة على حماية المدنيين، ومساءلة المنتهكين، وإدارة الأزمات دون انتقائية.

لذلك، لن تنهار الأمم المتحدة قانونياً، لكنها عند مفترق طرق، فإمّا أن تُعيد ضبط القوة بالقانون، أو تغدو إطاراً رمزياً حاضراً في النصوص وغائباً في لحظات الحسم.

 

رابعاً) العوائق التي تحول دون مناصرتها للقضايا العربية

كشفت التجربة العملية في القضايا العربية ثغرة عميقة بين الخطاب القانوني والممارسة الفعلية للأمم المتحدة، نتيجة عوائق كبّلت قدرتها على الاضطلاع بدورٍ فاعل، يمكن إجمالها بما يلي:

  1. شلل آليات تسوية النزاعات: أدّى احتكار القرار داخل مجلس الأمن إلى تعطيل القواعد القانونية الواضحة متى مست مصالح القوى النافذة. وتُعد فلسطين المثال الأبرز، إذ حال استخدام الفيتو دون صدور قرارات ملزمة، وجعل القضية نموذجاً صارخاً لانتقائية تطبيق القانون الدولي.
  2. هشاشة الالتزامات في التنمية: بالرغم من عِظَم دور الأمم المتحدة في صياغة أهداف التنمية، إلا أن مساهماتها العملية بقيت رهينة شروط فرضتها اعتبارات المانحين. بدا ذلك جلياً في اليمن، حيث تحوّل الحق في التنمية إلى وعدٍ أخلاقي أكثر منه التزاما ًقانونياً نافذاً.
  3. توسيع مفهوم "التدخل الإنساني": أفضى التوسّع الانتقائي في هذا المفهوم، إلى استخدام الشرعية الأممية غطاءً لتدخلات خارجية. ظهر ذلك بوضوح في ليبيا، حيث أسهمت التدخلات في إطالة أمد الفوضى بدل تحقيق الاستقرار.
  4. تجاوز استخدام القوة العسكرية خارج التفويض: شكّل لجوء دول كبرى إلى استخدام القوة دون تفويض صريح من مجلس الأمن، بذرائع مختلفة، انتهاكاً لحظر اللجوء إلى القوة، وكشفت التجربة في العراق محدودية قدرة الأمم المتحدة على المساءلة وضبط هذا الحظر.

بناء على ما تقدم، تبقى القضايا العربية عالقة في منطقةٍ رمادية بين شرعيةٍ قانونيةٍ قائمة وعجزٍ سياسيٍ مزمن، نتيجة لوضع الأمم المتحدة الذي قوّض قدرتها على المناصرة والإنفاذ، وأفرغ خطابها القانوني من مضمونه العملي.

 

خامساً) إصلاح الأمم المتحدة

لم يعد إصلاحها مطلباً سياسياً عابراً، بل غدا ضرورةً قانونية يفرضها نظام دولي تبدّلت توازناته وتغيّرت أوزانه منذ عام 1945م. فالميثاق، بطابعه شبه الدستوري، عبّر عن لحظة تاريخية محددة، لكنه بات عاجزاً عن استيعاب واقعٍ تتقدّم فيه قوى جديدة ديموغرافياً واقتصادياً وإقليمياً، فيما تستمر بُنية المنظمة وفق عالم لم يعد قائماً.

تكمن المعضلة المركزية في الإصلاح في صعوبة تعديل الميثاق، لاشتراط موافقة ثلثي الدول الأعضاء، بما فيها الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، ما يجعل أي تعديل جوهري رهينة لإرادة القوى التي تستفيد من الوضع القائم. كذلك هناك معضلة "مجلس الأمن"، حيث لا يزال احتكار العضوية الدائمة وحق النقض يعكسان توازنات ما بعد الحرب العالمية الثانية، على حساب مبدأ التمثيل العادل، رغم أن الجنوب العالمي صار يشكّل غالبية سكان العالم ومصدراً رئيسياً للتحديات المرتبطة بالسلم والأمن الدوليين. لذلك، يمكن تحديد أبرز محاور الإصلاح المنشودة بما يلي:

  1. تحديث الميثاق: عبر إدخال تعديلات تُكيّف قواعده مع طبيعة النزاعات المعاصرة، وتحدّ من الجمود الإجرائي الذي يعطّل التطور المؤسسي.
  2. إعادة تشكيل مجلس الأمن: بتوسيع العضوية فيه بما يضمن تمثيلاً أكثر عدالة للعالم العربي والجنوب العالمي.
  3. تقييد استخدام حق (الفيتو): بحيث لا يبقى أداة تعطيل للعدالة أو غطاءً للإفلات من المساءلة.
  4. تعزيز دور الجمعية العامة: بتوسيع صلاحياتها الإجرائية والسياسية.
  5. إعادة تعريف معايير القوة والشرعية الدولية: لتعكس التحوّل من منطق النصر العسكري إلى معايير الثقل السكاني والنفوذ الاقتصادي والتأثير الإقليمي واحترام القانون الدولي.

بإيجاز، لا تُختزل مطالب الدول العربية في زيادة عدد المقاعد، بل بإعادة تأسيس الشرعية الدولية على قاعدة التمثيل العادل، كي تتطوّر المنظمة ولا تنزلق إلى مؤسسة رمزية تُعيد مصير عصبة الأمم.

 

سادساً) موقف ومطالب الدول العربية من الإصلاحات المطلوبة

تقف الدول العربية، في قلب النقاش الدائر حول مستقبل الأمم المتحدة، كونها الأكثر تضرراً من اختلالات النظام الدولي، والأضعف تمثيلاً في دوائر صنع القرار. علماً أنه لا يُنظر إلى مطلب الإصلاح بوصفه ترفاً سياسياً أو خطاباً ظرفياً، بل كحاجة وجودية لقيام نظام دولي أكثر عدلاً وتوازناً. علماً أن الدول العربية تدرك أهمية إعادة النظر في بنية المنظمة وآليات عملها، غير أنّ هذا الإدراك يقترن بحذرٍ مشروع، نابع من تجارب مريرة استُخدمت فيها الأمم المتحدة لتكريس اختلالات القوة بدل تصحيحها، عبر تعطيل قرارات تتصل بالقضية الفلسطينية، وتمرير تدخلات سياسية وعسكرية في دول عربية أخرى تحت عناوين قانونية وإنسانية.

لذلك، تطالب الدول العربية بإصلاحٍ جوهري يمسّ البنية والوظيفة، لا بإصلاحٍ تجميلي يعيد إنتاج الخلل بصيغ جديدة. وتتمحور مطالبها حول مرتكزات أساسية، كتوسيع التمثيل في مجلس الأمن ليعكس الواقع الديموغرافي والسياسي المعاصر، وتقييد استخدام حق النقض، وتعزيز دور الجمعية العامة، وصون مبدأ السيادة، ومنع توظيف المنظمة غطاءً للتدخل، بضبط مفهوم "التدخل الإنساني" ضمن معايير قانونية وغير انتقائية، وتحقيق العدالة في تطبيق القانون الدولي، وإنهاء ازدواجية المعايير، وتعزيز آليات المساءلة، وضمان استقلال القضاء الدولي، وتمكين الدول النامية من دور فاعل في صياغة سياسات التنمية المستدامة.

ختاماً، لم تفشل الأمم المتحدة بوصفها فكرة أو إطاراً قانونياً، لكنها تعثرت في ممارساتها. وهي تقف اليوم أمام خيارٍ حاسم: إمّا أن تتجدّد كأداةٍ تضبط القوة بالقانون وتستعيد ثقة الشعوب، أو تبقى شاهداً قانونياً على عالمٍ لم يَحسِم بعد قراره بالاحتكام الفعلي إلى العدالة الدولية.

مقالات لنفس الكاتب