في الرابع والعشرين من أكتوبر 2025م، أكملت الأمم المتحدة ثمانين عامًا على إنشائها، وهو عمرٌ بالغ الدلالة في تاريخ النظام الدولي الحديث فثمانية عقود ليست رقمًا زمنيًا محايدًا، بل سجلًا مكثفًا لتحولات عميقة شهدها العالم، من نظام دولي خرج من أتون الحرب العالمية الثانية مثقلًا بالدمار، مخلفًا أوجاعًا هائلة، إلى عالم اليوم الذي يتعايش مع حروب مفتوحة، صغيرة ومتوسطة، بدلًا من الحروب الكبرى، ويمر بصراع هويات غير مسبوق، بعضه مضخم إلى حد المرض، وأزمات اقتصادية عابرة للحدود، وبيئية طبيعية أضرارها تتجاوز حدود الدول وفي قلب هذا المشهد المضطرب، تبرز القضايا العربية بوصفها اختبارًا حقيقيًا لفعالية الأمم المتحدة، ولمدى قدرتها على الوفاء بالتعهدات التي قامت عليها، في الوقت الذي تتغير فيه المعالجات التي ارتضاها المجتمع الدولي عند انبثاق الأمم المتحدة، وأن هذه الهيئة الدولية بتفرعاتها يمكن أن تقدم الأمن والسلام للجميع.
وُلدت الأمم المتحدة عام 1945م، كاستجابة أخلاقية وسياسية لفشل عصبة الأمم، السابقة لها وكوعدٍ جماعي بعدم السماح بتكرار كوارث القرن العشرين التي شهدت حربين عالميتين قتل فيها حوالي ماءة مليون من البشر. ودمرت مدن بأكملها واختفت امبراطوريات كانت ملء السمع والبصر. غير أن هذا الوعد صيغ في لحظة تاريخية محددة، حين كانت 51 دولة فقط تشكل المجتمع الدولي، وحينها فرضت القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية رؤيتها لبنية النظام العالمي الجديد. من هنا تشكّل مجلس الأمن، ومنح حق النقض لخمس دول فقط في تعبير صريح عن ميزان القوى آنذاك. كان ذلك الترتيب مفهومًا في سياقه التاريخي، لكنه أصبح اليوم موضع مساءلة عميقة، بعد أن توسعت عضوية المنظمة إلى 193 دولة، وبرزت قوى جديدة، بينما تراجع النفوذ النسبي لقوى كانت مهيمنة عند التأسيس، إلا أن محاولات الإصلاح المتكررة اصطدمت بشهية الدول الخمس، وكان التغير الوحيد هو إحلال الصين الشعبية بدلا من الصين الوطنية في مجلس الأمن، ولم يخل ذلك التغيير من تحقيق مصالح أخرى وقت التغيير.
من المنظور العربي، لا تكمن الإشكالية في وجود الأمم المتحدة بحد ذاته، بل في الفجوة المتزايدة بين مبادئها المعلنة، وممارساتها الفعلية. فالدول العربية وبعضها كان مؤسسًا، مثل مصر والمملكة العربية السعودية وسوريا، وأخرى انضمت إلى المنظمة بعد استقلالها تباعًا، نظرت إليها بوصفها ساحة للدفاع عن السيادة الوطنية، وحماية الاستقلال، ومناصرة القضايا العادلة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. غير أن التجربة الطويلة كشفت أن القرارات الدولية، حين تمس مصالح الدول الكبرى، تتحول في كثير من الأحيان إلى نصوص أخلاقية في أحسن الأحوال، بلا قوة تنفيذية.
القضية الفلسطينية تمثل المثال الأوضح على هذا الخلل البنيوي. فمنذ قرار التقسيم عام 1947م، وحتى اليوم، صدرت عشرات القرارات عن الجمعية العامة ومجلس الأمن تؤكد حقوق الشعب الفلسطيني، وتدين الاحتلال والاستيطان، لكنها بقيت حبيسة الأدراج بفعل استخدام حق النقض، أو الانتقائية السياسية في التطبيق. هذا العجز المزمن لم يضعف فقط ثقة العرب في مجلس الأمن، بل مسّ جوهر فكرة العدالة الدولية، ورسّخ قناعة بأن النظام الدولي لا يعمل بالقواعد ذاتها على جميع أعضائه.
مع المعرفة أن القضية الفلسطينية بالنسبة للعرب هي قضية مركزية، لأنها أثرت ولا زالت توثر في التفاعلات الداخلية والبينية، وتغيرت أنظمة وتبدلت حكومات، وخيضت صراعات طويلة ومسلحة بسبب هذا الجرح النازف الذي اسمه (القضية الفلسطينية) ولا يزال يفعل فعله، دون موقف إيجابي فعال من تلك المنظمة الدولية، بسبب تحكم القوى الكبرى في مسارها.
ولا تقتصر هذه الإشكالية على فلسطين وحدها، بل تمتد إلى نزاعات أخرى شهدها العالم العربي خلال العقود الماضية. فقد تعرضت دول عربية لتدخلات عسكرية مباشرة خارج إطار الشرعية الدولية، أو بغطاء قانوني ملتبس، كما حدث في العراق وليبيا. هذه السوابق تركت أثرًا عميقًا في الوعي العربي، وأعادت طرح السؤال حول قدرة الأمم المتحدة على ضبط سلوك الدول الكبرى، أو منع استخدام القوة خارج إطار القانون الدولي.
ومع ذلك، لم تتعامل الدول العربية مع الأمم المتحدة بمنطق القطيعة أو الرفض المطلق. على العكس، سعت إلى الحضور الفاعل داخل مؤسساتها، إيمانًا بأن الإصلاح من الداخل أكثر جدوى من الهدم أو التذمر. ويكفي التذكير بأن أول عربي تولى منصب الأمين العام للأمم المتحدة كان الدكتور بطرس غالي، الذي جاء إلى المنصب في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، محاولًا إعادة تعريف دور المنظمة وتعزيز استقلاليتها، قبل أن تصطدم رؤيته بحدود الإرادة السياسية للقوى الكبرى. تولى المهمة بين عام 1991 و1996م، وهو تاريخ له دلالة، فقد جاء بعد احتلال وتحرير الكويت وتزامن مع سقوط منظومة الاتحاد السوفيتي.
كما شهدت الساحة الأممية حضورًا خليجيًا لافتًا في مواقع قيادية في هذه المنظمة، عكس تحولًا في الدور العربي من موقع التلقي إلى موقع المشاركة. فقد ترأس السفير السعودي سمير الشهابي الجمعية العامة في دورة مفصلية عام 1991م، كما تولت الشيخة هيا راشد الخليفة من البحرين رئاسة الجمعية العامة في الدورة الحادية والستين عام 2006 م، كأول امرأة تشغل هذا المنصب، ثم جاء ناصر عبد العزيز النصر من قطر رئيسًا للجمعية العامة في الدورة السادسة والستين. هذه الأدوار لم تكن شكلية، بل عبّرت عن رغبة عربية وخليجية في الإسهام في صياغة النقاش الدولي حول قضايا السلم والتنمية.
غير أن التحولات الهيكلية في النظام الدولي خلال العقدين الأخيرين زادت من تعقيد المشهد. فقد تراجعت مركزية الأمم المتحدة في إدارة الأزمات، مقابل صعود تحالفات مرنة من دول كبرى، وتدخلات أحادية، وتآكل متزايد لهيبة القانون الدولي. وباتت المواثيق الدولية تُخترق لمصالح الدول الأكثر تأثيرًا، لا تُحترم باعتبارها قواعد ناظمة للسلوك الدولي. في هذا السياق، ترى الدول العربية أن المنظمة تعاني من عجز وظيفي حقيقي، لا بسبب نقص الكفاءات أو الموارد، بل بسبب شلل القرار السياسي داخل مؤسساتها الأساسية.
في الرؤية الخليجية تحديدًا، هناك إدراك متزايد بأن الأمن والاستقرار لم يعودا مرتبطين فقط بمخرجات الأمم المتحدة، بل بقدرة الدول على بناء شبكات شراكات متعددة، وتنويع أدوات القوة، والاستثمار في التنمية المستدامة، والقوة الناعمة، والعمل الإنساني وتحصين الجبهة الداخلية اقتصاديًا وثقافيًا وسياسيًا. ومع ذلك، لا تزال دول الخليج ترى في الأمم المتحدة إطارًا لا غنى عنه لتنظيم العلاقات الدولية، شريطة أن تخضع لإصلاحات حقيقية تعيد لها المصداقية والفاعلية، من خلال توسيع مقاعد مجلس الأمن الدائمة حيث تكون أكثر تمثلًا وعدالة، كما قامت دول الخليج بنسج علاقات ثنائية فعالة، كما حصل مؤخرًا بين المملكة العربية السعودية وفرنسا، حول حشد الهمم للاعتراف بفلسطين، بعد الفظائع الذي ارتكبت في غزة وعودة الوعي إلى قطاعات واسعة في الغرب بأهيمة القضية للسلم الدولي.
الإصلاح المنشود من المنظور العربي يبدأ بتعديل بنية مجلس الأمن، وتوسيع عضويته الدائمة ليعكس الواقع الجيوسياسي الراهن، بما في ذلك تمثيل عربي دائم. كما يشمل تقييد استخدام حق النقض، أو على الأقل وضع ضوابط أخلاقية وسياسية لاستخدامه في القضايا الإنسانية الكبرى، وجرائم الحرب، والإبادة الجماعية. فكيف يمكن لمنظمة أن تدّعي حماية السلم الدولي، بينما تعجز عن وقف مآسٍ إنسانية واضحة بسبب اعتراض دولة واحدة؟ كما حدث في الإبادة الجماعية في غزة وسنتين من الحرب الشرسة، وما تبعها من مماطلة في وقف إطلاق النار.
إلى جانب ذلك، تطالب الدول العربية بتعزيز دور الجمعية العامة بوصفها المؤسسة الأكثر تمثيلًا داخل المنظمة، ومنح قراراتها وزنًا سياسيًا أكبر، بل ملزم في حال حصوله على أغلبية كبيرة، بما يحد من احتكار القرار الدولي داخل مجلس الأمن. كما تدعو إلى إصلاح منظومة وكالات الأمم المتحدة، لتكون أكثر كفاءة وعدالة وشفافية، وأقل خضوعًا لتجاذبات التمويل والسياسة.
وفي مجال التنمية المستدامة، ترى الدول العربية، ولا سيما الخليجية، أن الأمم المتحدة مطالبة بالانتقال من الخطاب العام إلى الشراكات العملية. فالتنمية لم تعد مسألة مساعدات طارئة، بل بناء قدرات، ونقل معرفة، وتمكين حقيقي للدول النامية، مع احترام خصوصياتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في عالم تجتاحه الرقمنة وثورة الذكاء الاصطناعي الذي يفوق تأثيرها حتى الثورة الصناعية الأولى
أما فيما يتعلق بسلوك الدول الكبرى، فإن المطلب العربي واضح: لا استثناءات في احترام القانون الدولي، استخدام القوة، وفرض العقوبات، والتدخل في الشؤون الداخلية للدول، يجب أن يخضع جميعه لشرعية أممية واضحة، لا لتفسيرات انتقائية. فازدواجية المعايير لا تضعف ثقة الدول الصغيرة والمتوسطة في النظام الدولي فحسب، بل تقوض أسس هذا النظام ذاته.
الخلل واضح، ذروته حين نقارن بين منطق الحق ومنطق القوة كما تمارس في النظام العالمي، فالميثاق قام نظريا على أن القانون الدولي هو الحكم الأعلى في فض النزاعات، وأن سيادة الدول متساوية، وأن استخدام القوة لا يكون إلا في أضيق الحدود، وتحت مظلة الشرعية الجماعية. غير أن التجربة الطويلة، وخصوصًا في العقود الأخيرة، أظهرت أن هذه المعادلة انقلبت رأسًا على عقب، وأن القوى أصبحت في أكثر الأحيان تملك القوة والمساندة تتغلب على الحق.
بالنسبة لنا كعرب لم تعد تلك المفارقة أمرًا نظريًا، بل واقعًا سياسيًا ملموسًا حين افتقر الحق إلى القوة، وامتلكت من لديه القوة العسكرية على إملاء إرادته وقهر أهل الحق.
هذا الاختلال لا يقتصر على ساحات الحرب، بل يمتد إلى منظومة إدارة الأزمات وتضغط على المجتمعات وتتنافى مع المبادئ الإنسانية، من هنا تتأكل مصداقية المنظمة
من هنا بدأت الدول الخليجية تعيد قراءة العلاقة بين الحق والقوة، لذلك فإن عناصر القوة الاقتصادية والتنموية والدبلوماسية تسند الموقف السياسي، فالقوة هنا لا تطرح كنقيض لشرعية، بل كشرط لحمايتها في نظام دولي لا يحترم الضعيف.
بعد ثمانين عامًا على تأسيسها، تقف الأمم المتحدة عند لحظة اختبار تاريخية. فإما أن تستعيد روحها التأسيسية عبر إصلاح عميق وشجاع، يواكب تحولات القرن الحادي والعشرين، أو أن تتحول تدريجيًا إلى منصة خطابية محدودة التأثير ومن منظور عربي، لا يزال الرهان قائمًا على الإصلاح لا على الهدم، وعلى العدالة لا على منطق القوة وحده. فالقضايا العربية لم تكن يومًا هامشية في النظام الدولي، لكنها كثيرًا ما وُضعت في الهامش، وتصحيح هذا الخلل يبدأ بإعادة تعريف دور الأمم المتحدة نفسها في عالم لم يعد يشبه عالم 1945م.






