تمرّ إيران بمرحلة مفصلية بالغة الخطورة، تُعدّ من أعقد وأشد محطاتها منذ قيام الثورة عام 1979م، فالتطورات المتسارعة في الداخل، بالتزامن مع تصاعد الضغوط الإقليمية والدولية، تضع النظام الإيراني أمام اختبار غير مسبوق يتجاوز إدارة أزمة طارئة، ليطال شرعيته السياسية وموقعه في معادلات القوة الإقليمية.
في 28 ديسمبر 2025م، اندلعت احتجاجات واسعة وُصفت بأنها الأكبر منذ عقود. الشرارة انطلقت من الأسواق، حيث خرج التجار وأصحاب المحال احتجاجًا على الانهيار المتواصل للعملة الإيرانية أمام الدولار الأمريكي، وما تبعه من ارتفاع حاد في الأسعار، وتفاقم معدلات التضخم، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين. لم يكن المشهد مفاجئًا بقدر ما كان نتيجة طبيعية لتراكم طويل من الأزمات الاقتصادية والعقوبات الدولية والقرارات الداخلية التي أضعفت بنية الاقتصاد وأرهقت المجتمع.
غير أن ما ميّز هذه الاحتجاجات التي وصفت من قبل المعارضة بالثورة الشعبية ضد النظام، لم يكن حجمها فحسب، بل طبيعة التحول في خطابها. فبعد أن بدأت بمطالب معيشية واضحة، سرعان ما تجاوزت الإطار الاقتصادي لتتحول إلى تعبير سياسي مباشر عن حالة غضب أعمق. امتدت التظاهرات إلى مدن ومحافظات متعددة، وانخرطت فيها شرائح اجتماعية متنوعة، من الشباب والطلبة إلى العمال والموظفين، وصولًا إلى فئات من الطبقة الوسطى التي كانت تاريخيًا عنصر توازن واستقرار. ومع تصاعد الزخم، برزت شعارات تحمل النظام مسؤولية التدهور، وتشكك في أولوياته الداخلية والخارجية، بما يعكس اتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع.
هذا التطور الداخلي اللافت تزامن مع مشهد خارجي لا يقل خطورة وتوترًا. فقد شهدت المنطقة تحركات وحشود عسكرية أمريكية كبيرة وغير مسبوقة، وارتفاعًا ملحوظًا في حدة الخطاب السياسي والتهديد الأمني المتصاعد تجاه طهران. وعلى الساحة الأوروبية، صوّت برلمان الاتحاد الأوروبي في بداية شهر فبراير الماضي على تصنيف الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية، في خطوة ذات أبعاد سياسية وقانونية تعمّق عزلة إيران وتوسّع نطاق العقوبات المفروضة عليها. كما سبقت ذلك إجراءات مماثلة من دول غربية مثل الولايات المتحدة الأمريكية وكندا واستراليا وأوكرانيا، ما يعكس اتجاهاً متزايدًا لتضييق الخناق على النظام الإيراني في دوائره العسكرية والاقتصادية، وقد يتجه نحو تشكيل تحالف عسكري لمواجهة إيران وحسم ملفاته العالقة وعلى رأسها النووي والصواريخ البالستية وسياساته الإقليمية.
إن التزامن بين الاضطرابات الداخلية والضغوط الخارجية يضع القيادة الإيرانية أمام معادلة شديدة التعقيد. فالتحدي لم يعد مقتصرًا على احتواء احتجاجات أو تخفيف أثر عقوبات، بل بات يتعلق بقدرة النظام على الحفاظ على تماسكه الداخلي في ظل تآكل شرعيته الاجتماعية والسياسية خاصة بين الجيل الشباب، وعلى إدارة علاقاته الخارجية في بيئة إقليمية ودولية تتغير بسرعة غير مسبوقة.
في هذا السياق، تبدو المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، التي تستضيفها سلطنة عُمان، محاطة بعوامل تجعل فرص نجاحها محدودة. فالفجوة بين الطرفين ليست خلافًا تقنيًا حول نسب تخصيب اليورانيوم أو آليات تفتيش على سبيل المثال، بل تعبير عن تضارب عميق في الأهداف والرؤى.
إيران تدخل أي مسار تفاوضي انطلاقًا من معادلة واضحة: تقييد برنامجها النووي مقابل رفع العقوبات الاقتصادية. فالعقوبات، التي تراكمت عبر سنوات، ألحقت أضرارًا جسيمة بالاقتصاد، وأصبحت عامل ضغط داخلي لا يمكن تجاهله. في المقابل، تتعامل الولايات المتحدة مع الملف النووي ضمن مقاربة أوسع تقوم على الردع وإعادة رسم حدود النفوذ الإيراني في المنطقة. وهي لا تقدم رفع العقوبات بوصفه استحقاقًا تلقائيًا لأي اتفاق، بل تطرح تصورًا يفيد بأن التزام طهران قد يجنبها مواجهة عسكرية محتملة، من دون ضمانات صريحة أو ملزمة بشأن إنهاء منظومة العقوبات.
هذا التباين الجوهري يجعل العملية التفاوضية أقرب إلى مسارين متوازيين لا يلتقيان بسهولة. فطهران تبحث عن متنفس اقتصادي يعيد بعض الاستقرار إلى الداخل، فيما تسعى واشنطن إلى تحجيم القدرات الإيرانية النووية والصاروخية والإقليمية ضمن إطار ردعي طويل الأمد.
إلى جانب ذلك، يظل عامل الثقة شبه غائب. فالانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي 2018 م، ما يزال حاضرًا في الحسابات الإيرانية، كما أن الضربات التي وجّهتها إسرائيل وأكملتها واشنطن بضربات موجعة للمنشآت النووية الإيرانية خلال حرب الإثنى عشر يومًا في يونيو من العام الماضي، والتي تزامنت مع مفاوضات بين البلدين، جعلت طهران تنظر إلى واشنطن بعين الريبة الدائمة. وتطالب إيران بضمانات واضحة وملزمة تحول دون تكرار السيناريوهات ذاتها. غير أن طبيعة النظام السياسي الأميركي، القائم على تداول السلطة وتباين توجهات الإدارات المتعاقبة، تجعل تقديم مثل هذه الضمانات أمرًا بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلًا. وفي ظل تاريخ طويل من انعدام الثقة والشكوك المتبادلة والوعود المنقوضة، يصبح أي اتفاق محتمل هشًا بطبيعته، بل مهددًا بالإجهاض قبل الولادة.
ويبرز العامل الإسرائيلي كعنصر مؤثر في هذا المشهد. فإسرائيل تنظر إلى البرنامج النووي الإيراني بالإضافة إلى ملف الصاروخ البالستي، باعتباره تهديدًا وجوديًا، وترى أن أي اتفاق قد يمنح طهران فسحة زمنية لإعادة ترتيب أوراقها. لذلك تمارس ضغوطًا سياسية وأمنية على واشنطن، وتلوّح بخيارات عسكرية مستقلة إذا رأت أن التسوية لا تلبي متطلبات أمنها. هذا العامل يزيد من تعقيد المسار التفاوضي ويضيق هامش المناورة أمام جميع الأطراف.
أمام هذه المعطيات، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل إيران.
السيناريو الأول هو التحول الجريء من داخل النظام. يفترض هذا المسار أن تدرك النخبة الحاكمة أن الاستمرار في إدارة الأزمات عبر أدوات أمنية واقتصادية محدودة لم يعد كافيًا، وأن الإصلاح السياسي بات ضرورة للحفاظ على الدولة واستقرارها. قد يشمل ذلك مراجعة بعض القوانين الانتخابية، وتوسيع دائرة المشاركة في صنع القرار، وفتح المجال أمام حوار وطني جامع، وصولًا إلى إعادة تعريف العلاقة مع المجتمع الدولي على أساس المصالح المتبادلة لا الصدام المستمر. كما قد يتطلب هذا المسار إعادة النظر في أولويات السياسة الخارجية، وتخفيف حدة الخطاب الأيديولوجي، والعمل على إعادة بناء الثقة مع شرائح اجتماعية واسعة فقدت إيمانها بجدوى العملية السياسية. فنجاح أي تحول داخلي مرهون بقدرة النظام على تقديم تنازلات ملموسة، لا مجرد وعود إصلاحية عامة.
في هذا الإطار، جاءت دعوة الزعيم الإصلاحي المعارض مير حسين موسوي، من مقر إقامته الجبرية، إلى تنظيم استفتاء على الدستور عبر جبهة وطنية ترفض التدخل الخارجي وتنبذ الاستبداد الداخلي، باعتبارها محاولة لطرح مسار انتقالي سلمي. هذه الدعوة، بصرف النظر عن فرص تحققها، تعكس إدراكًا لدى بعض التيارات بأن الإصلاح المنظم أقل كلفة من انفجار داخلي غير محسوب، أو اصطدام عسكري خارجي على ضوء الخلافات والصراعات مع المجتمع الدولي والإقليم، وأن الانتقال التفاوضي قد يجنّب البلاد سيناريوهات الفوضى أو التدخلات الخارجية. كما أنها تشير إلى استمرار وجود تيار إصلاحي، وإن كان محاصرًا، يسعى لإيجاد مخارج دستورية للأزمة.
غير أن هذا السيناريو يواجه عقبات بنيوية. فمراكز القوة داخل النظام، وعلى رأسها التيار المحافظ المتشدد والحرس الثوري الإيراني، قد ترى في أي إصلاح جوهري تهديدًا مباشرًا لمصالحها السياسية والاقتصادية. كما أن الاعتقالات التي طالت شرائح واسعة من صفوف المحتجين بالإضافة إلى شخصيات قيادية من التيار الإصلاحي خلال الأسابيع الماضية تعزز الانطباع بأن خيار القبضة الأمنية ما يزال مفضلًا لدى دوائر نافذة في السلطة، وأن منطق الحفاظ على توازنات القوة الداخلية يتقدم على منطق الانفتاح السياسي. أضف إلى ذلك أن غياب الثقة المتبادلة بين الشارع والسلطة يجعل أي مبادرة إصلاحية عرضة للتشكيك والتعثر.
السيناريو الثاني، يتمثل في تصاعد الاحتجاجات إلى مستوى انفجار داخلي واسع. إذا استمرت الضغوط الاقتصادية، أو وقعت حادثة أمنية أو سياسية كبرى، فقد تتوسع دائرة العصيان المدني وتتشكل مطالب أكثر وضوحًا بتغيير النظام. غير أن هذا المسار يصطدم بعدة عوامل، أبرزها تماسك الأجهزة الأمنية، وغياب قيادة موحدة للحراك، وتردد القوى الدولية في الانخراط المباشر في دعم التغيير من الداخل. كما أن كلفة المواجهة قد تكون مرتفعة، في ظل سوابق دامية في التعامل مع الاحتجاجات الأخيرة التي راح ضحيتها آلاف من القتلى والجرحى ومثلهم من المعتقلين. كذلك فإن الانقسامات الاجتماعية والإثنية قد تُستغل لإضعاف أي حراك جامع، ما يزيد من تعقيد المشهد ويطيل أمد الصراع.
أما السيناريو الثالث، فهو الانزلاق إلى مواجهة عسكرية خارجية. ورغم أن هذا الخيار لا يبدو مرغوبًا فيه علنًا من جميع الأطراف، فإن تراكم الضغوط وسوء التقدير قد يدفعان إليه. في حال وقوع مواجهة، ستكون التداعيات على إيران عميقة، نظرًا للفارق في القدرات العسكرية والاقتصادية بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها. وقد تستهدف أي ضربات محتملة البنية التحتية العسكرية والنووية، وقيادات سياسية وأمنية رفيعة المستوى، ما يفاقم هشاشة الوضع الداخلي ويضع النظام برمته على المحك، خاصة في ظل العقوبات القائمة والعزلة التي يمر بها منذ سنوات.
حتى لو تمكن النظام من الصمود سياسيًا بعد ضربة عسكرية محدودة، فإن الثمن سيكون باهظًا. فقد يؤدي ذلك إلى إضعاف مؤسسات الدولة، وتوسيع فجوة الثقة داخليًا، وربما فتح الباب أمام اضطرابات أعمق تطيح بالنظام الإيراني أو تمهد لضربات لاحقة تؤدي بالنتيجة النهائية إلى سقوطه. كما أن الرهان على دعم حلفاء دوليين، كروسيا أو الصين، قد لا يكون مضمونًا في حال مواجهة مباشرة مع الغرب، إذ تحكم حسابات المصالح الوطنية مواقف تلك القوى. وفي المحصلة، يبقى مستقبل إيران رهين تفاعل معقد بين الداخل والخارج، حيث تتقاطع العوامل الاقتصادية والسياسية والأمنية في رسم ملامح المرحلة المقبلة.
قد يفضي سقوط النظام إلى فتح المجال أمام تحوّل جذري في بنية الدولة الإيرانية، وهنا يبرز احتمالان رئيسيان يتكرران في دوائر التحليل الجيوسياسي. الاحتمال الأول يتمثل في نشوء نظام لا مركزي واسع الصلاحيات، استنادًا إلى التعدد القومي والعرقي داخل إيران، وإلى المطالب التاريخية لبعض المكونات بالحكم الذاتي وتقرير المصير. مثل هذا المسار، إن تحقق، قد يطوي صفحة الدولة المركزية الصلبة التي هيمنت على المشهد الإيراني طوال القرن الماضي، ويفتح الباب أمام إعادة توزيع السلطة على أسس جديدة.
والجدير بالإشارة أن هذا السيناريو بات يحظى باهتمام متزايد حتى داخل أوساط المعارضة الفارسية التقليدية. فمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية، التي تُعد من أقدم وأبرز قوى المعارضة الفارسية وأكثرها تنظيمًا وقوة، باتت تطرح للمرة الأولى سيناريو النظام اللامركزي كخيار مطروح ضمن برنامجها السياسي، في تحول لافت عن خطابها التاريخي الذي ركز على التغيير المركزي الشامل. هذا التحول في موقف قوة معارضة كبرى يعكس إدراكًا متزايدًا بأن تعقيد التركيبة الإيرانية وتنوعها القومي والعرقي لم يعد ممكنًا احتواؤه في إطار دولة مركزية صارمة، وأن أي مستقبل ديمقراطي حقيقي لا يمكن بناؤه دون الاعتراف بحقوق جميع المكونات في تقرير مصيرها والمشاركة العادلة في السلطة والثروة.
أما الاحتمال الثاني فهو انزلاق البلاد نحو التفكك على غرار تجربة يوغوسلافيا السابقة، وهو سيناريو يتقاطع مع أطروحات إعادة تشكيل خرائط النفوذ في المنطقة، حيث تسعى بعض القوى الإقليمية والدولية إلى رسم توازنات جديدة تخدم مصالحها الاستراتيجية، ما يجعله احتمالًا مطروحًا بقوة في حال انهيار المركز السياسي في طهران. يتوافق هذا الاحتمال مع تطلعات الشعوب غير الفارسية في إيران، والتي عانت لعقود طويلة -بل لأكثر من قرن- من سياسات تهميش قومي واضطهاد سياسي وحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية والثقافية، في ظل هيمنة مركزية فارسية صارمة. هذه المكونات العرقية المتنوعة، وفي مقدمتها الأذريون، والأكراد، والعرب، والبلوش، والتركمان، وغيرهم، ترى في انهيار النظام المركزي فرصة تاريخية لاستعادة حقوقها المسلوبة، والتحرر من سياسات التذويب القسري والتهميش الممنهج، مما يجعل خيار التفكك مطروحًا بقوة ليس فقط بفعل الضغوط الخارجية، بل أيضًا بفعل تراكمات الظلم الداخلي التي زرعت بذور انفجار مستقبلي لا محالة.
الخلاصة أن المشهد الإيراني الراهن ليس أزمة عابرة، بل حصيلة تراكمات بنيوية: اقتصاد مثقل بالعقوبات والاختلالات الهيكلية، تآكل في الطبقة الوسطى، فجوة ثقة عميقة بين المجتمع والسلطة، قبضة أمنية مشددة، وانخراط مكلف في صراعات إقليمية مفتوحة. وإلى جانب ذلك، تتزايد الضغوط الدولية، وتتقلص هوامش المناورة الدبلوماسية، فيما تتسارع التحولات في موازين القوى الإقليمية بصورة تضع طهران أمام استحقاقات صعبة. السؤال المفصلي يتمحور حول قدرة النخبة الحاكمة على استيعاب حجم التحول المطلوب: هل تتجه نحو إصلاحات سياسية واقتصادية حقيقية، وتعيد تعريف علاقتها بالمجتمع وبالعالم، أم تستمر في إدارة الأزمة بالأدوات ذاتها التي راكمت الاحتقان؟ إن الإصرار على المقاربة الأمنية وحدها، وتأجيل المعالجات البنيوية، قد يدفع البلاد إلى مسار أكثر اضطرابًا، حيث تتداخل عوامل الداخل والخارج في معادلة شديدة التعقيد. وفي ظل هذا السياق، النافذة الزمنية المتاحة ليست مفتوحة بلا حدود. فكلما طال أمد الجمود، ازدادت كلفة التغيير وارتفعت احتمالات الانفجار. حيث لا يقتصر مستقبل إيران على شأن داخلي فحسب، بل يمتد أثره وتداعياته إلى توازنات الشرق الأوسط وأمن الطاقة وحسابات القوى الكبرى.






